
الجمعة، 25 ديسمبر 2009
الجدار الفولاذي

الاثنين، 30 نوفمبر 2009
اقتطاع الجزائر

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009
اعتزال النظام

الأحد، 8 نوفمبر 2009
مؤتمر الكثرة المرتبكة

الجمعة، 23 أكتوبر 2009
ثغرة التحول

دعنا نسلم جدلاً أنَّ جميع آفاق التغيير في مصر قد سُدَّت منافذها بفعل فاعل معلوم ، شاء له الهوى أن يحول مصر إلى عزبة مرهونة برسم البيع أحياناً وبرسم التوريث أحياناً ،وبرسم النهب والسلب الممنهج والعشوائي دائماً، دعنا نسلم جدلا أيضاً أنَّ المصريين فقدوا القدوة والمثل الأعلى وأصبحوا يشكون في أصابع أيديهم ،ولم يعد لهم ثمة أمل في شيء ، وأنَّ جل مطامحهم أن تتدخل الأقدار بتغييب وجوه جثمت على روح مصر حتى كادت تصعد إلى بارئها – إذا لم تسلم معي بما مضى فأنصحك بعدم إكمال المقال – ونحن عندما نتحدث عن انسداد آفاق التغيير ومن ثم استحالة الإصلاح ، فإنَّه ليس من العقل أو المنطق أن نبحث عن مسالك أو دروب نسير فيها نحو الخروج من هذه الهوة السحيقة - هذا شبه مستحيل- كل ما يمكن أن نفعله أن نبحث عن ثغرة ينفذ منها بصيص ضوء ؛ حتى نهتدي به في هذه الحلكة التامة المثبتة ، وطالما أن السمكة لا زالت تصر على أن تفسد من رأسها ، فإننا لسنا معنيين بالحديث عن الرءوس ولا الأذناب – بطبيعة الحال – ولكننا مَعْنيون بالحديث عن الجسد الهامد الذي يسمونه الشعب ،وقبل أن نحاول الإجابة عن أسئلة تبحث في ضياع الحال وسوء المآل ، ولهذا أسبابه العديدة ، وطالما أننا نريد الخروج من هذه الأزمة ،علينا أن نتعامل مع فظائع الواقع بوصفها معطيات لابد لنا أن نتحرك من خلالها نحو ما نريد- لاحظ أن ظاهر العبارة يبدو صادما- فإذا كانت الآلة الإعلامية تعمل ليل نهار على تغييب الوعي العام أو تخريبه أو تزييفه – التخريب والتزييف يحدثان حين حضور الوعي على حين غرة- ويحدث ذلك من خلال تمرير مفاهيم الأنامالية والحلول الفردية وانتظار ضربات الحظ الفارقة ، مما يرَسُخَها في الأذهان ويحولها إلى حقائق ومُسلَّمات ، في ظل وجود مناخ عام من الشك والريبة والخوف من بطش كل ذي سلطان ، مما جعل جل المصريين يعانون من الانكفاء على الذات أو رفض الواقع والهروب منه إلى دروب التغييب على تنوعها ، وكان من شأن كل ذلك أن يهوى بمعدلات الثقة بالنفس عند عموم المصريين إلى أدنى الدرجات ، مما تسبب بشكل مباشر في إهدار الطاقات الخلاقة والمبدعة وحكم على غالبية الشعب بالعيش البليد وقضاء الأيام في ظل الملل القاتل في انتظار الخلاص الذي لن يهبط من السماء , أخلص من كل ما سبق إلى التسليم بأن هذا الركام من الإحباطات يمكن أن نجد فيه هذه الثغرة المبتغاة التي تمكننا من الانتقال بالوعي العام من مرحلة التخدير إلى مشارف مرحلة التثوير- على مستوى الأفكار فحسب أرجو أن يكون ذلك واضحا- فلماذا لا يتوجه كل الكتاب والمفكرين والباحثين المعنيين المؤمنين بهذا الوطن بجهودهم إلى إعادة بناء الثقة لدى الإنسان المصري ، لماذا لا يخطو المخلصون من أبناء هذا الشعب خطوات نحو إيجاد السبل من أجل تفجير طاقات هذه الأجيال الصاعدة – الهابطة فعليا- ولو من نفس المنطلق البرجماتي الذي يروج له أبواق الميديا المغرضة ، لماذا لا يكون الطريق نحو بعث الروح المصرية هو إعادة إيمان المصري بذاته ؟ ثم لماذا لا يتبنى أصحاب الخطاب الديني الأرضي و الفضائي هذا الطرح بعد أن ثَبُتَ بما لا يدع مجالا للشك أنَّ خطابهم لم يوفق في إعادة المجتمع المصري إلى حسن الخلق و جادة الصواب ؟ وإذا كان الطفل المصري هو الأذكى في مرحلة ما قبل المدرسة وقبل أن تغتال عقله مناهج وزارة التعليم ، فلماذا لا يعمل خبراء مخلصون على وضع برامج تعمل كمضدات الأكسدة للحفاظ على هذا المعدل المرتفع للذكاء . إن اعتماد منهج يقوم على توفير الطاقات المهدرة في ساحات التنظير الجدلي بين الفرقاء في مختلف المجالات سيسهم ولا شك في دفع عجلة التغيير بصورة أو بأخرى فلن يتحقق لنا أي نجاح مادمنا مصرين على قضاء الوقت في البكاء على المجد الضائع – ومتى كان لنا مجد حتى يضيع – إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سيفتح – ولا شك – آفاقا جديدة للعمل بعيدا عن روح الاستسلام التي سادت بين جموع المصريين ، وإذا كانت خطابات التحريض والتغريب والإحالة والإعزاء والانعزال والعودة إلى القرون الأولى قد سجلت فشلا ذريعا وبامتياز في بعثنا من الثُبَات العميق ،فإنَّ الحاجة تكون أكثر إلحاحا إلى وسيلة إيقاظ سريعة وناجعة ،حتى لا يصدق فينا قــــول القائل : لقد أسمعت إن ناديت حيا ولَكِن لا حياة لمن تنادي.
الجمعة، 16 أكتوبر 2009
رؤى مسبقة

عندما يتعين علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية ( أعترف أن الحقيقة هي وجهة نظر في المقام الأول ) والتي يمكن أيضا أن نصفها بالموضوعية - لما آل إليه حالنا من التردي والانحطاط فإن جميع السبل تذهب بنا إلى طريق واحد – ربما عدة طرق فلست دجمائيا - وهو كيف تكون طريقتنا في التعامل مع المواقف على اختلافها ؟ هل نتبصرها بإعمال العقل أم نغض الطرف عنها مفضلين عليها رؤية مسبقة تريحنا من عناء التفكير( لدي رؤية مسبقة وحاكمة أننا دائما نجنح نحو الاختيار الثاني ) في الغالب تقوم الرؤى المسبقة التي تراكمت لدينا عبر خبرات لم يتيسر لها الوقت ولا المعرفة الحقة كي تنضج وتعرف طريق الاكتمال - بدورها في إزاحة العقل أو إحكام السيطرة عليه عبر قيود صارمة تتشكل كالغيوم الكثيفة فتحجب الرؤية الواضحة أو تصيبها بالقصور الشديد على أحسن الأحوال ، وكل هذا من شأنه أن يحول الآراء إلى حقائق ومسلمات بغض النظر عما أحاط هذه الآراء من ظروف وملابسات ووقائع تباعدت ببعد الزمان والمكان ( لاحظ أنه لا أحد فينا يستطيع أن يتبرأ من هذه التهم ) ، ولا تقف تلك الرؤى بمفردها منبتة الصلة عن موروثها الموغل في القدم وهي تنزع إلى تلك الحالة المرضية من الحزن على ما مضى مع الحنين الشــــديد إليه ومن ثم البكاء والعويل عليه ( نوستولوجيا ) فلك أن تتصور نفوسا تقعي على حالها من التخبط بين آساها على ما فات وبين رفضها لراهنها البائس ، كيف يكون تعاملها مع ما يطرأ على واقعها من متغيرات ، هنا لا سبيل إلى البحث عن حلول ،وليس ثمة ما يطرح سوى إرجاء أو إعزاء وكلاهما- في الحقيقة- لا حاجة لنا إليه ،فأما الإرجاء فهو تلك الحالة الإحالية التي نحياها ونبحر فيها مستقلين قوارب التسويف التي نأمل أن تحركها رياح الأمل الراكدة " فلا نأيها يسلي ولا أنت تصبر" ، وأما الإعزاء فهو تخفف من أثقال التسبب والتعلل وإلصاقها بالآخرين ( لاحظ أننا جميعا نتقن ذلك ) ؛ لذا تتحول أبسط مشكلاتنا إلى طلاسم تستعصي على الحل. وكان الحل كما اعتقد البعض في تأليه العقل( هكذا مرة واحدة ) مما جعل الكثير من محاولاتهم تبدو سقيمة ومجانبة للصواب ، فباعتماد العقل مرجعا واحدا أحدا ، ندفع به ليقف عاريا في مواجهة الأحداث ، مستعيدا بدايات الانطلاق نحو قراءة متبصرة للواقع ، متصورا أنه ليس ثمة حدود يمكن أن تحده بينما هو قاصر عن تحليل الكثير من الظواهر ، وفي ظل هذا الغرور تقترف أبشع الجرائم الفكرية حيث يتم تجاوز الفعل إلى القول وفي مرحلة تالية يتم مجاوزة القول ذاته إلى ما وراءه ،وليس وراءه سوى التيه والحيرة والتخبط بين الاحتمالات التي لا تنتهي ،فتتعدد الرؤى المنتقصة دون الوصول إلى حقيقة ،بعد أن نقتل الأحداث بحثا ، وندفنها في أكفـــان التحليـل الجدلي – يبدو أن الجنوح نحو الاكتمال أمر لا مناص منه رغم صعوبة ذلك - وهذه مصيبة نعاينها في واقعنا بشكل لا يمكن تصوره فحتى الأفعال التي تنطوي على أسمى المشاعر الإنسانية يمكن أن تفسر عبر رحلة جامحة من التفسيرات والتأويلات بأبشع ما يمكن أن يتصوره عقل ، فيجهد العقل في البحث عن الدوافع والغايات ويهمل الحدث ذاته ، وكأنه عارض لا يجب الالتفات إليه بينما هو في الحقيقة ذروة الأمر ، إن إعمال العقل في ما مضى من أحداث أمر مطلوب ، بشرط ألا تتحكم فيه الرؤى المسبقة القائمة على روح العداء التي ترى أن الأزمة الراهنة هي نتاج تراكمي لإخفاقات الأجيال السابقة ،وكأننا مبرءون من كل إثم - وبشرط ألا يكون مانعا من استشراف المستقبل والعبور إليه عبر طريــق واضحة تفهم الواقــع وتلبي حاجاته وتحافظ على أواصـــر الصلة بينه وبين المستقبـل – إذا كانت لديك رؤى مسبقة برجاء مراعاة الاشتراطات السابقة- وإذا كنا لا نري أي أمل في الإصلاح إلا من خلال إعمال العقل والتزام المنهج العلمي ، فإننا نرى أيضا أن ذلك لا يجب أن يتحول إلى مخاصمة للتراث والتاريخ باعتبارهما ماضيا لابد من نبذه ونسيانه وذلك بعد تمزيقه وإلصاق كل نقيصة به معتبرين ذلك سبيلا إلى التقدم ؛ اقتداءً بالعقل الغربي الذي تجاوز محنته الخاصة مرات وتعثر مرات وتراجع مرات – خاتمة لا بد منها - بما لا يقاس مع محنة العقل العربي التي لا تعدلها محنة ،والتي هي عند الحل تتأبى على الوارد والوافد وتطلب حلا أصيلا يراعي الخصوصية ولا يخاصم الواقع . فهل تجد ؟ أنا شخصيا أشك .
الثلاثاء، 18 أغسطس 2009
لا شكر على واجب

السبت، 15 أغسطس 2009
مصر التي أرادوا

برتابة شديدة وبطء قاتل تسير وتيرة التغيير في مصر ، ولهذا أسبابه الموضوعية المتعددة بدءًا من الموروث الثقافي المصري الذي يُزَهِّد في فوائد التغيير ،ويراه شرًا مستطيرًا وليس انتهاء بما تروِّج له الآلة الإعلامية الرَّسمية من خطورة الإصلاح الجذري على الشَّعب الذي ربما يصاب بصدمة عصبية جراء ذلك ، ولأن العصر الذي نعيشه هو عصر( الميديا ) بكل ما تعني الكلمة كان لابد من العمل الدءوب على توفير المناخ المناسب الذي يرى الشعب من خلاله كيف يصبح الركود استقرارًا ، وكيف تصبح الخيبة وقلة الحيلة والعجز صنوفاً من الإدراك الثاقب والحكمة المصفاة، وكان من المهم أيضًا أن تشيع بين النَّاس روح اليأس ، مع الإبقاء على بصيص من الأمل تكرِّسه الحلول الفردية وضربات الحظ الفارقة ، والحقيقة أنَّ ما تقوم به هذه العقول العابثة من أفاعيل تستهدف في المقام الأول تزييف الوعي الجمعي للمصريين ، وإجهاض كل محاولة مخلصة للتغيير وتسهب في سبيل ذلك في شرح أسباب التردي الواسع النطاق الذي شمل البلاد والعباد ، مرجعة ذلك كله إلى أمور قدرية لا يد لأحد فيها ، وأنَّه لولا هؤلاء النفر من المسئولين الذين قَيَّضَهُم الله لهذا البلد لكنَّا في حال أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن ؛ هذه العقول البائسة لن تفلح في مسعاها طالما أنَّ السمع لا يغني عن البصر ، وأن من رأى الظلم ليس كمن اكتوى بناره ، إذ أن ما يلقون على أسماع الناس من أباطيل لا تقنع طفلاً ,لا تَلْقَى من الناس إلا كل سخرية ، ونسمع كثيرًا تساؤلات المواطنين : عن أي بلد يتحدث هؤلاء ؟ هل حقاً يتحدثون عن مصر ؟ والحقيقة أنَّ هذا دأب مدمني الانكفاء على الذات ومحبي الاختزال ،فتصبح مصر كلها مختصرة في القرية الذكية ، ويصبح الشعب المصري بملايينه الثمانين مختزلا في ثلة المحبين للنجل الذين ينامون ويصحون على حلم التوريث- راجع آخر تصريح لقداسة البابا شنوده- هذا الحلم الذي يخالف طبيعة الحياة الرتيبة في مصر ويسير بسرعة الصاروخ نحو التحقق ، منحياً من طريقه كل عقبة كْأدَاء ،حتى لو استلزم ذلك أن تصبح مصر كلها مؤجلة حتى إشعار آخر برسم انتقال السلطة من الأب إلى الابن ، وإذا كان هذا السيناريو التعيس هو الوحيد المطروح الآن ، والوحيد أيضًا الذي تتجلى كافة أبعاده ومراميه ، في مقابل سيناريوهات الفوضى ، وحكم دعاة الدولة الدينية ، يصبح هو السيناريو الأقرب لظروف الوطن المأزوم ، وبه يتحقق الحد الأدنى من الخسائر ، ولا حديث هنا عن المكاسب ، لأنَّه حتى المتفائلين من فئات المعارضة الهامشية يقرُّون أنَّ ما أحدثه العصر المبارك خلال ثلاثين سنة لن يُخَلِّف سوى تركة الخراب وقسمة الغرماء ، هكذا يتم تدعيم الفساد بزراعة اليأس في النفوس ، بعد أن تقلصت الرقعة الزراعية في مصر منذ 81 بمقدار الثلث ، على الرغم من ذلك فقد حققت زراعة اليأس نتائج غير مسبوقة ، فليس من سبيل للنجاة إلا أن يتعلق المواطن بأمل عضوية الحزب الحاكم ،حتى يلقى علاجاً متميزًا حسب تصريحات السيد الأمين العام ، ولا يلومن إلا نفسه بعد ذلك إن هو أعرض أو نأى بجانبه ، وليس من سبيل إلى مواجهة هذا الطوفان إلا أن تتضافر الجهود المخلصة لإيقاف هذا المد العاتي الذي آل القائمون عليه على أنفسهم تمرير هذه الجريمة النكراء ،لتدخل البلاد في مرحلة أشدَّ إظلامًا لن تخرج منها إلا أن يشاء الله ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيقاظ المصريين من غفوتهم ؛ ليقدموا تضحياتهم على مذبح الحرية التي لا توهب بل تنتزع انتزاعًا ، وسيتكفل هؤلاء البائسون الذين غرَّهم طول الأمد بدفع الثمن الباهظ عن ثلاثين سنة من القهر والاستبداد والانكفاء أمام أعداء مصر ، حتما سيدفعون الثمن وسيذيق الله بعضهم بأس بعض ، فحتى رءوس بعضهم لا يضنون بها ، إذا كان الثمن هو بقاؤهم ، وسيقول بعضهم لبعض وقتها ،إنما أكلنا يوم أكل الثور الأسود ، وهو ثور معروف للكافة قدمت رأسه مقابل الإبقاء على استثمارات تقدر بمليارات الدولارات ، قدموه ولم تطرف لهم عين ، وغدًا يقدمون للمحاكمة لينالوا جزاءهم الرادع ... وإنَّ غدًا لناظره قريب .
الأحد، 9 أغسطس 2009
المتلاعبون بالقامات

الاثنين، 3 أغسطس 2009
إنقاذ مصر

الثلاثاء، 7 يوليو 2009
هكذا تموت الأشجار

تدفعك أمور كثيرة لا يمكن حصرها للكتابة عن الدكتور عبد الوهاب المسيري ، وتدخلك ذات الأمور متاهة الحيرة ، ومكمن الحيرة هنا عن أي جانب من جوانب هذه الشخصية ستكتب ، فأنت أمام عالم موسوعي أعاد صياغة كثير من الأفكار التي استمرت لزمن طويل ، حتى رسخت في الأذهان وهو أيضا تلك القامة الشمَّاء التي أعادت للمصريين الأمل في مواجهة جبال اليأس والتأزم التي أرساها نظام ناصبهم العداء على مدى قرابة الثلاثة عقود ،حين نزل إلى الشارع وقاد الاحتجاجات والمظاهرات متناسيا حالته الصحية الخطرة ،ضاربا المثل للمثقفين الذين أدمنوا سكنى الأبراج العاجية ، كان الرجل بإيمانه الفلسفي العميق وبروحه الوثابة استثناء يجل عن الوصف ، ويتأبى على الحصر يصنع البهجة أينما حل ويدهشك بعفويته التي تثبت لك أن هذا الشيخ لم يغادر أرض طفولته بعد ، تدخلك إحدى عباراته الرشيقة إلى عالم من الوجد المعرفي لتعيد قراءة نفسك من جديد ، فتراه وهو الباحث الأكاديمي المرموق يخاصم المعلوماتية ،و يقاوم الذئاب الهيجلية ، ويخلق نماذجه الإدراكية والتفسيرية ويوضح الفرق بين الموضوعية و الموضوعاتية ،وهو في خضم ذلك لا يفوته أن يرفه عن روحك باستعراض أزمة الشخصية المصرية الممزقة بين أصالتها وحداثتها في تحليل فارق لفيلم سبعيني أو أغنية مصورة ، ويجيب عندما يسأل ماذا بقي لديك من الماركسية ؟ لا شيء وكل شيء ، فيجعلك بجملة كهذه تخلع نظرتك الحدية وتضعها جانبا ؛ لتعيد تقييم التجربة بعين الإنصاف ، ويقول : لو خلقت فلاحا في حقل أو حتى كناسا لمارست عملي بنفس الدرجة من الإتقان والمتعة ، فالكتابة التي تقوم على الإخلاص للمبدأ لا تمنح الكاتب فخرا ولا تورثه تعاليا ،بل تدفعه دفعا ليكون بين آحاد الناس ، ليحتفظ ببراءته ودهشته تجاه الأشياء الجميلة حتى آخر أيام حياته والتي كان فيها صانعا ماهرا للأمل والتفاؤل ومحاربا مجيدا لكل صنوف اليأس والقنوط ، قطع المسيري رحلته الفكرية كما أسماها عبر محطات جسدت إيمانه العميق بالإنسان الذي هو مركز الكون وظل منشغلا بهذه القضية منذ بداياته الأولى وتفتح وعيه على الفكرة الفلسفية التي قامت على اعتبار أن الإنسان مقولة مستقلة عن العالم ، قال الدكتور المسيري عن هذا الأمر أنه عندما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤيا المنامية سأله هذا السؤال : هل الإنسان هو مركز الكون ؟ وكانت الإجابة بنعم . لا أكون مغاليا إذا زعمت أن ذروة عطاء الراحل العظيم من وجهة نظري تكمن في ما كتب عن منهجية الأبنية المعرفية الإنسانية ، وعوامل التغير والثبات فيها ، وما تخضع له هذه الأبنية المعرفية من تأثيرات التضليل والتعمية ، فعل الدكتور المسيري ذلك من خلال تشريح دقيق للأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية ،وعصور استنارتها المظلمة ،وتحررها من القيم ، وانتهائها إلى معاداة الإنسان ودخولها تيه ما بعد الحداثة ، كما كانت رؤية المسيري لإشكالية التحيز محاولة أخرى من محاولاته لاستقراء أهم الأسباب والدوافع التي حدت ببعض مفكري الغرب إلى تبني فكرة صدام الحضارات ونهاية التاريخ ، واعتماد مبدأ العداء في التعامل مع العرب والمسلمين ودعم الأنظمة الاستبدادية ؛ لنخلص من ذلك إلى أن العقل الغربي لازال يعيش أسيرا لعقلية السيد المسيطر على كل شيء ، والذي لا يرى في الآخر إلا عبدا ينتظر الإحسان من سيده ، قدم الدكتور المسيري خلال رحلته الدنيوية أجل الخدمات للبشرية ، والتي ربما ستحتاج منا إلى وقت طويل حتى نستفيد منها بالقدر الذي يرضي هذا العالم المجدد الذي كانت حياته بتقلبات صروفها أبلغ تعبير عن رحلة الإنسان الحقيقي لبلوغ الإجابة عن تلك الأسئلة المصيرية التي يعرض عنها كثير من الناس ، ولا ينشغل بها إلا من كان في قامة المسيري ،فيفتح الله به أفئدة دأبها معرفة الحق و اتباعه ، ويضل به قلوبا غلفا لا تمل اتباع الهوى وإن طال بها الزمن ... رحم الله العالم عبد الوهاب المسيري وجزاه عنا خير الجزاء .
الثلاثاء، 16 يونيو 2009
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ

الأربعاء، 10 يونيو 2009
بواكي أوباما

أثَارَتْ زيَارةُ الرَّئيس الأمريكي بَارَاك أُوْبَامَا لِمِصْرَ وخِطَابَُه فِي جَامِعَةِ القَاهِرةِ جَدَلا ًغَيْرَ مَسْبُوق ٍ تَنَوَّعَتْ فِيهِ الآرَاءُ بَيْنَ مُؤيدٍ مُتَفَائلٍ ومُعَارضٍ يَرَى أنَّه لَيْسَ ثَمَّة تَغَيرٌ يُذْكَرُ فِي الخِطَابِ الأمِريكي ، اللَّهُمَّ إلا هَذَاْ الاسْتِخْدَامُ المُفْرِطُ للحَدِيثِ العَاطِفي الذي لا ينبني عليه شيء ، وبينما رَأى أنْصارُ الفَريق ِ الأول أنَّ أُوْبَامَا بِتاريِخِه ورِحْلَةِ صُعُودِه يُمَثلُ نَذِيرًا عُرْيَانًا بِالتَّغْييرِ ، رَأى الآخَرونَ أنَّه مِثَالٌ واضحٌ لِلأزْمَةِ الأمْرِيكيةِ التي تُخَالِفُ ثَوابتَها عَلنًا ،وتؤكدُ عليها في الخَفَاءِ ، وبينما يَتَحَوَّلُ الجَدَلُ إلى مُساجَلاتٍ ومُلاسَنَاتٍ لا طائلَ من ورائِها بينَ أنصارِ الفريقين ،حيثُ مَثَّلتْ الزيارةُ بزمانها ومكانها ما اعْتََبَرهُ البعضُ دعمًا مُباشرًا لأعْتَى الأنْظِمَةِ الاستِبْدَاديةِ في المَنْطقةِ ، مما يؤكدُ تراجعًا واضحًا عَنْ التوجهِ نَحْوَ تَعْزيزِ الدِّيْمُقْرَاطِيةِ فِي الشَّرقِ الأوسط والذي لَوَّحتْ به الإدارةُ الأمريكيةُ السَّابقةُ ، وقَدْ تشي تلكَ التَّصَرُّفات أنَّ هناكَ تَغَيْرًا ما قََدْ طَََََََََََََََرَأ على السياسات الأمريكية ، ولَكِنَّ الوَاضحَ أنَّ هُنَاكَ تَخَبُطاً شديدًا ُربَّمَا يكونُ قْدْ نَتَجَ عَنْ الفَشَل الأمريكي الذَّريع على عِدةِ أصْعِدةٍ ،ليسَ آخرها الطَّلبُ الأمريكي المقدمُ لدى فَصَائل المُقَاومة الأفْغَانية لِمخاطبةِ عُقلاء طالبان ، وهولا يحملُ بالضرورةِ توجهًا جادًا نحوَ إنْهَاءِ الاحتِلال الأمريكي لأفغانستان ،بقدر ما يؤكدُ حَاجَةَ الأمريكيين إلى فرصةٍ لالتقاط الأنفاس ، وليسَ ثَمَّة شكٌ أنَّ الإدارةَ الأمريكية الجديدة تُعاني من ثقل تركةِ الإدارة الأمريكية السَّابقة ، في ظل نُدرة الخيارات المُتاحةِ للخروج من نَفَقِ الأزمةِ ، كما أنَّ هناكِ تعاميًا واضحًا عن الأسبابِ الحقيقيةِ لما تعانيه الولاياتُ المتَّحدةُ من أزماتٍ ، يرى كثيرٌ من المحللين المُنْصِفينَ أنَّ من أهم أسبابها الاستخدام المفرط للقوة في التعامل مع الأحداث التي بَدَأتْ مع بدايةِ الألفيةِ ، كما أنَّ خُُفُوتَ الأصواتِ التي نادتْ بَِرفْعِ يدِ الوصَايةِ الأمريكيةِ عَن الأنظمةِ الاستبداديةِ والتي كانتْ سببًا مباشرًا في تفشي أعمالِ العنفِ ضدَ المصالح الأمريكية في العالم ،يعدُّ مؤشرًا لركودِ الذهنية الأمريكية وعجزها عن التعامل بجديةٍ مع الحلول الإبداعيةِ للأزمة ، هنا يبدو بجلاءٍ أنَّ باراك أُوْبَامَا ما هو إلا تكريسٌ لفكرةِ الحل المجاني ، الذي يقومُ على الترويج للبلاغةِ الإنشائية التي تداعبُ العواطفَ ، عوضًا عن التغيير الحقيقي المطلوب بإلحاح والذي يبدو مكلفًا من وجهةِ نظر صُنَّاع القرارِ الأمريكي ، وفِيمَا يبدو أنَّ الوقتَ يمثلُ عاملا ًهامًا في استكشافِ الكثيرِ من الحقائق المتعلقةِ بزيارة أُوْبَامَا،طالما ظلتْ المُبَاحَثَاتُ الرئاسيةُِ المصريةُِ سراً كَهَنُوتيًا لا يجرؤُ أحدٌ على الخوض فيه ، لَكِنَّ المؤكدَ أنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ كَعَادتها قَدْ تلقتْ الثَّمنَ سلفًا ، إذْ أنَّها لا تقايضُ على شيءٍ أصبحَ في حوزتِها بالفعل ،حَسْبَ تَعْبيرِ هنري كسينجر للرَّئيسِ السَّادات عَشِيَّةَ طردِ الخبراءِ السوفييت ، ومِمَّا يدعو للدهْشَة في هذا الصددِ هي المقدرةُ الفائقةُ للنظام المصري على ابتكارِ ما يمكنُ التنازلُ عنه من أجل تحقيقِِ مَصَالحٍِ تتعلقُ بالبقاءِ لأطول فترةٍ في حُكمِ البلاد ، وتبقى العلاقاتُ الأمريكيةُ الإسرائيليةُ كما هي خطًا أحمرَ لا يجوزُ المَسَاسُ به مع التأكيد ِعلى الأساطِيرِ المُؤسسةِ للسياسات ِالإسْرائيليةِ ، ووصْم ِكلِ مَنْ يعتقدُ خِلافَ ذلك بالجهلِ والتخلفِ العقلي إذا أمْكنَ،ولا مانعَ من الحديثِ عن تحفظٍ أمريكي بشأن التوسعِ في بناءِ المستوطنات وكذلكَ الحديثِ عن الأماني الأمريكية الطامحة إلى حل الدولتين ،دون أي التزاماتٍ بالسعي الجادِّ للوصول لهذا الحل ، ويبدو الترويجُ لأُوْبَامَا السلعةِ في سوق البوار العربي ، عملاً يرسخُ للصورةِ الذهنيةِ القديمةِ للتاجر المخادع الذي يحاولُ إقناع زبائنه بشراءِ سلعةٍ يبدو احتياجهم لها محلُ شكٍ كبير ، فيما بَدَتْ نفسُ السلعةِ ذات دلالةٍ ترويجيةٍ توجه بشكل مباشر لحساب الحاجة الملحة لِتقاعدِ الأب ،وتسليم مقاليدِ الحُكم للابن الذي يَحْكمُ ويتحكمُ فعليًا منذُ سنواتٍ ، عِندَمَا تناولَ عددٌ من الكتَّاب زيارةَ أُوْبَامَا وخِطابَه بالتحليل الموضوعي ،كمحاولةٍ جادة للبحث عن آفاق التغيير المُحْتَمَلة في سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة ، كَانتْ المُحَصِلةُ عِندَ الكثيرِ مِنْهُم هي صِفر ، خََرَجَ علينا بَوَاكِي أُوْبَامَا يُدَافِعُونَ عنه بالحق وبالباطل ، مِمَّا آثارَ العجبَ وطرحَ الكثيرَ من عَلامَات الاستفهام ، وخُصُوصًا أنَّ وطناً بِأسرِهِ ..... لا بَوَاكِي له .
الأحد، 24 مايو 2009
تجربة الوسط

مصر بين زيارتين

منذُ أيام ٍودَّعت مصرُ الرسمية ُرئيسَ الوزراءِ الصهيوني بنيامين نتنياهو بعدَ زيارة ٍاستمرت لعدةِ ساعات ٍالتقى خلالها الرئيسَ المصري وجرتْ المباحثاتُ فيما بينهما حولَ العلاقات ِالثنائية بينَ مصرَ ودولةِ الكيان الصهيوني ،مما أنتجَ تطابقاً في الرؤى ووجهاتِ النظر بخصوص ِ الخطرِ الإيراني الذي أصبحَ وشيكاً ، مما يلزمُ شركاءَ السلام بسرعةِ التحرك المبني على التنسيق الكامل ، والذي لا يقبلُ المفاجآت ، وهذه بالذات كانت أولى أمنيات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حينَ سمعَ عن تطابق وجهة النظر الصهيونية ووجهات النظر لدى أطرافٍ عربيةٍ ( مصر والأردن ) حولَ الخطر الإيراني حيثُ قال أنَّه يرجو ألا تفاجئ إسرائيل العالمَ بضربةٍ استباقيةٍ موجهةٍ إلى إيران ، وبالطبع فإنَّ الولايات المتحدة لنْ تفاجأ بأي ضربات استباقية أو التحاقية إنْ جازَ التعبيرُ ، لأنَّه من الواضح أنَّ تنسيقاً ما يتمُ بشكلٍ مكثفٍ للإعدادِ لهذه الضربةِ بينَ إسرائيل والولايات المتحدة وأطرافٍ عربيةٍ ( مجموعة ما يسمى بدول الاعتدال ) و لا أشك للحظة أنَّ اجتماعات سرية قد عُقِدَتْ وجمعتْ مسئولينَ إسرائيليينَ ومسئولينَ رفيعي المستوي ينتمونَ إلى دولٍ نفطيةٍ تتطابقُ رؤيتها للخطرِ الإيراني مع وجهةِ النظر الصهيو أمريكية ، إذن نحنُ أمامَ حالةٍ من التفاهم التَّام بين عدةِ أطرافٍ ما كان لها أنْ تتفقَ بهذا الشكل بعيدًا عن دوافعَ أصيلةٍ تحركُ كلَ طرفٍ صوبَ بغيته ، فإذا كانتْ الأهدافُ الصهيونيةُ واضحةً لا لبسَ فيها ، وإنْ تعددت ما بينَ محاولةِ إجهاض المشروع النووي الإيراني ، ومن كونها تعتبرُ حرباً بالوكالة لصالح الولايات المتحدة والتي لمْ تعدْ مؤهلةً في الوقت الراهن لدخول حربٍ على جبهة جديدة بعد المستنقع العراقي ، كما تسعى إسرائيلُ لإضعاف إيران الداعم ِالأكبر لسوريا التي لا زالتْ تشكلُ رافدًا رئيساً لدعم المقاومة الفلسطينية ، ولا ننسى أنَّ الهزيمةَ المخجلةَ التي نالتها إسرائيلُ في حرب تموز 2006 على يد حزب الله كانت بدعم إيراني غيرَ محدودٍ ، ويبدو أنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ لها مبرراتها أيضا فمن ناحيةٍ هي لا تريدُ أن تخلعَ قناعَها الجديدَ الآن ، غيرَ أنَّها ربما تكون قد أدركتْ حقيقةَ الدور الإيراني في العراق ،والذي كانَ سبباً مباشرًا في تردي الأوضاع ، وساهمَ في صنع جزءٍ كبيرٍ من المأزق الأمريكي هناك ، ولا شكَ أنَّ الأطراف العربية المشاركة في هذا التحالف لها أهدافـُها الخاصَّة جدًا ، فمصرُ تسعى من خلال هذا التنسيق إلى تقديم أوراق اعتمادها للإدارة الأمريكية الجديدة بشكل يختلف عن ذي قبل ، فهذه هي المرة الأولى التي لا يخجل فيها نظام الرئيس مبارك من تطابق رؤيته مع رؤية الكيان الصهيوني ، ومعنى ذلك أنَّ الحربَ على إيران ستكون مصر فيها طرفاً صريحًا ، وساعتها لن تضطرَ مصرُ لإجراءات مثلَ قطع التَّيَّار الكهربي عن مدن القناة لعبور القطع الحربية الأمريكية ، كما أنَّ مصرَ والتي كانت قد فجرتْ قضيةََ حزبِ الله في الوقت المناسب تماماً ، رغم أنَّ أعضاء التنظيم كان قد أعلن عن القبض عليهم في أواخر العام الماضي وقُبيلَ العدوان على غزة ، وأسدت إلى إسرائيل أجل الخدمات بهذا الإعلان – حسب الصحف الإسرائيلية- لابد أن هدفها كان واضحًا ،وإنْ لم يكن معلنًا ، فمع قربِ الاستحقاق الرئاسي القادم يتوجبُ على الرئيس مبارك أنْ يسارعَ بحسم مسألة التوريث ، والتي لنْ تُحْسَمَ إلا بالرضا الأمريكي الكامل ، وكانت الترتيبات قدْ تمتْ لزيارة الرئيس المصري للبيت الأبيض ، تلا ذلك الإعلانُ عن زيارة أوباما لمصرَ في الرابع من يونيو وتوجيهه خطاباً للعالمين العربي والإسلامي ، زعمَ البعضُ أنَّه سيكون من داخل الأزهر الشريف ، وقدْ ترجمَ المسئولونَ المصريونَ هذه الزيارة ترجمةً فوريةً ، أكدتْ أنَّ نظامَ الرئيس مبارك يحظى بدعم وتأييد الإدارة الأمريكية الجديدة ، وهذا الحكم وإنْ كان سابقاً لأوانه ، إلا أنَّ هناك من الدلائل ما يشيرُ إلى أنَّ النِّظامَ المصري - وفي أقل من مئة يوم- استطاعَ أنْ يُقْنِعَ الأمريكيين بضرورة بقائه كحارس أمين لحدود الدولةِ العبرية ، مع القيام بالدور ذاته في حصار المقاومة عبر إغلاق المنافذ ، وعبرَ الضغطِ المباشرِ على حركةِ حماس للقبول بما فرضته إسرائيل على السلطة ورئيسها المنتهية ولايته ، بينما سيمارسُ الكيانُ الصهيوني ابتزازه الدائمَ لجميع الأطرافِ ، معتمدًا على الدعم الأمريكي ، ومشروعيةِ نظامه الديمقراطي ، وسطَ دولٍ استبداديةٍ ترفض الديمقراطية و تراوح مابين تزوير إرادة ِالشعوبِ وآمالِ التوريث .
السبت، 2 مايو 2009
ماذا بعد ؟

في كثير ٍ من الأحيان يتصورُ البعضُ أنَّه ليسَ هناكَ ثِمَّة أملٌ في تحسن ِ الأوضاع ِالسياسيةِ والاقتصاديةِ في مصرَ ، في ظل ِ نهم ٍ غير طبيعي للنهبِ المنظم ِ والعشوائي الذي تمارسُهُ الطغمة ُ الحاكمة ُ في مصرَ ، ولعلَّ استقراءَ التاريخ ِ في هذا الظرفِ الراهن ِ يعدُّ ترفاً لدى الكثيرين ، إذْ أصبحَ الحديثُ عن سقوطِ هذه الطغمةِ أقربَ إلى الأماني منه إلى الآمال القابلةِ للتحقق ، هنا تصبحُ جميعُ الممارسات المناوئةِ لسياسات هذه الطغمةِ كالاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات أقربَ إلى الطقوس ِ اليوميةِ العبثيةِ منها إلى الفعل ِالإيجابي الحقيقي ، يحدثُ ذلكَ في ظل استغراق ٍ تام ٍ من قبل أصحابِ الأقلام ِ الوطنيةِ في توصيف ِ الواقع ِالراهنِ ومدى ترديه ،دونَ اقتراح أيةِ حلول ٍ للخروج من هذا النفق ِ المظلم ِ ، مما يدعمُ رأي البعض في أنَّ كتابات هؤلاءِ أصبحت عملاً ارتزاقياً ليسَ إلا ، بينما يغيبُ الشعبُُ المصريُ عن دوره الفاعل منشغلاً بمعالجة أسبابِ الحياة التي جعلتها سياسات المتحكمين شبهَ مستحيلةٍ ، وللعجب أنَّ هذا الشعبَ الذي يفلحُ دائمًا وأبدًا في ابتكار أسبابِ لغيابهِ ونكوصهِ وسلبيتهِ ، يكونُ على استعدادٍ تام للحضور للمشاركةِ في جدل ٍ عقيم حولَ توافه الأحداثِ و سفاسفِ الأمور ، مما حدا بالبعض أنْ يلجأ للتحليل النفسي للشخصيةِ المصريةِ التي تستجيبُ عندما تكونُ الاستجابة غير مجديةٍ بينما تغيب عندما يكونُ الغيابُ جريمة ً ، ومن العجيبِ أيضا أنْ تسمعَ بين بعض أوساطِ المنشغلينَ بالشأن العام لآراءٍ تقول بقدرية التغيير ؛ مستشهدة بالأحداث العالميةِ الأخيرةِ كالأزمةِ الاقتصاديةِ أو صعودِ أوباما أو ظهور الأوبئةِ التي تهددُ وجودَ البشرية ،معولة ًعلى أنَّ التغيير يمكن أن يأتي بشكل قدري لا دخلَ للشعب الخانع فيه ، وكأنَّ ما حدثَ لم يكن نتيجة ً حتمية ً لممارسات بشريةٍ قصديةٍ ، حركتها دوافعُ ترومُ غاياتٍ وأهدافاً ، وليست عنْ طريق الصدفةِ المبرَّأةِ ، لا أشك أبدًا في أنَّ كثيرًا مما نعانيه من أزماتٍ كان بسبب الفرديةِ والأناماليةِ والانكفاءِ على الذات التي كرستْ لها كثيرٌ من الأفكارِ والنظريات والفلسفات التي ارتبطتْ ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية المتوحشة والنظرةِ الماديةِ المنغلقةِ لكثير من الأمور ، وربما تخلقُ هذه الأزمات الكونية إحساساً جديدًا لدى البشر ِ ينحو منحى مختلفاً في اتجاه العمل الجماعي ، ويؤصل للمفاهيمِ الراسخةِ المتعلقةِ بأهميةِ الانضواءِ تحتَ لواءٍ يعلنُ أهدافاً واضحةً ويسعى نحوَ الإصلاح بكل قوته ، إنَّ آفة الفرديةِ تكمنُ في تأجيل التعامل مع المشكلات حتى آخر لحظةٍ ، بزعم أنَّها لم تحتكْ بعدُ بشكل مباشر مع المصلحة الشخصية ، وحينما تحينُ هذه اللحظة يكونُ الإنسانُ قدْ فقدَ قدرتَه على المواجهةِ ، ومن ثَمَّ فإنَّه لا يصبح قادرًا إلا على اختلاق مزيد من الأعذار التي تتيحُ له مزيدًا من السلبيةِ والتخاذل والقدرة غير المحدودة على تقديم التنازلات الواحد تلو الآخر ، إلى أنْ يصيرَ البقاءُ على قيد الحياة هو غايةُ المرادِ من رب العباد ، ولا شك أنَّ السلامَ الزائفَ مع النفس والذي تروجُ له الكثيرُ من الأبواق التي تعتمد الغيبيات منهجاً وحيداً للتعامل مع أحداث الواقع بقصد الإحالة والإرجاءِ لكل ما ينجمُ من ظواهر ومشكلات ، يمثل معادلاً غير موضوعي – في حقيقته – لكل ما يعانيه الإنسانُ المصري من ذل وهوان في كافة مناحي حياته . علينا إذن أن نترجم كثيرا من الأقوال إلى أفعال ، علينا أن نؤمن بالإنسان وبقدراته وطاقاته ، علينا أنْ نستلهمَ دروساً تفتح لنا آفاقاً أخرى تعتمدُ النضالَ ضد أعداء الحياة منهجاً راسخاً يقومُ على أساس ٍواضح ٍغير ملتبسٍ للعمل على إزاحةِ هذه الطغمة الباغية من على كواهلنا ، علينا أنْ ندعو للقطيعة التامة مع من ناصبوا المصريينَ العداءَ ، ونزلوا بقدر مصر إلى مستوى المفعول به لا الفاعل ، علينا أيضا أنْ نُلْقِمَ أفواه الكاذبينَ والمنافقينَ وحملةِ الأبواق والمباخر ، أحجاراً بحجم الهرم الأكبر ، علينا أن نقول للداعين إلى إرجاء الحساب إلى يوم الدين كفاكم كذبا على الله ، وأخيرا علينا أنْ نكونَ مستعدينَ لتقديم التضحيات ،لأن إزاحة الظالمين والمستبدين والطغاة لم تحدث في أي مكانٍ في العالم وعبرَ التاريخ الإنساني كلِه دونَ تقديم تضحياتٍ هائلةٍ ، إنَّ السعيَ الحثيثَ نحو الهدفِ أفضل من المراوحة ، وإلا فإن القادم أسوأ بكثير مما يظنُ أحدٌ .
الاثنين، 23 مارس 2009
رجماً بالغيب

يبدو أن أمانة التثقيف بالحزب الوطني الديمقراطي قد ارتأت أن تدخل ضمن برنامجها التثقيفي لأعضاء الحزب دورات تدريبية حتى يصبحوا مؤهلين للقيام بأعمال تتعلق بقراءة الطالع والرجم بالغيب ، ويبدو أيضا أن هذه الدورات التدريبية قد أجريت بشكل لا يفتقر إلى الكفاءة –على غير العادة – وكان من نتيجة ذلك أن هذه الدورات قد آتت أكلها وأثمرت ثمرا يانعا و ظهرت بشائره بشكل جلي على بعض أعضاء الحزب ، وكان ممن نال النصيب الوافر من نتاج هذا العمل هو السيد أمين التثقيف والتدريب بالحزب ، ويبدو أن أمارات نبوغه حدت بالمسئولين في الحزب إلى سرعة إرساله إلى الولايات المتحدة الأمريكية موكلة له عدة مهام من بينها التمهيد للزيارة المزمعة للرئيس المصري إلى واشنطن ، ومحاولة مد جسور التواصل مع الإدارة الأمريكية الجديدة ، ولابد أن برنامج الزيارة قد اشتمل على لقاءات هامة ومباحثات خطيرة حدت بالرجل ألا ينتظر العودة حتى يصرح بالنتائج التي توصل إليها بعد جهود مضنية بذلها سيادته في إقناع المسئولين الأمريكيين بديمقراطية النظام المصري ،وحرصه الدءوب على إرساء دعائم الحرية واحترام حقوق الإنسان ، ومن الواضح أن المسئولين الأمريكيين قد وقعوا أسرى لسحر الخطاب السياسي الذي استخدمه السيد أمين التثقيف ،والذي أبرز فيه كل مواهبه في الحجة والإقناع ،حتى أنه ليخيل إليَّ أني رأيت الدموع تتلألأ في عيني عضو الكونجرس الأمريكي((فرانك وولف)) الذي دأب منذ فترة على تقديم مشروعات قرارات اتسمت بالعداء لنظام الرئيس مبارك ، وكأني به أيضا وقد اختلى بنفسه في إحدى ردهات الكونجرس مكفكفا دمعه ، مؤنبا لنفسه على ما اكتسبت يداه من أفعال العداء تجاه نظام هو في الحقيقة راعي الديمقراطية والإصلاح في المنطقة العربية والشرق الأوسط ، بعد أن كشف له السيد أمين التثقيف الحقيقة جلية ناصعة ، بعد هذه الجهود المحمــــودة رأى د. كمال أن الوقت قد آن لاستخدام القدرات الخاصة بقراءة الطالع والرجم بالغيب ، فأعمل الرجل عقله فيما سمع ورأى خلال زيارته ، فاستقر في ضميره أنه حقق النجاح كاملا فيما ذهب إليه ، واجتاحته موجة من التفاؤل هائلة ،فخرج على وسائل الإعلام في زينته وصرح بأن الحملة التي تشنها بعض المنظمات والأفراد على مصر في واشنطن قد فشلت فشلا تاما ، ووصف الرجل هؤلاء بأنهم جوقة من المنتفعين الذين حققوا مكاسب شخصية في ظل السياسة الخاطئة التي كانت الإدارة السابقة تنتهجها كما وصف محاولات هذه المنظمات بأنها يائسة وعقيمة ... ويبدو أن الرجل قد استبدت به النشوة فوقع رغما عنه في المحظور ظنا منه أن تغير الإدارات في الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى تغيير السياسات بشكل جذري ،وكم كان الرجل غير موفق حين وصف سياسات الإدارة الأمريكية في عهد بوش بالخاطئة وهو اجتراء ولا شك لا تقبل به الإدارة الحالية التي لم يبد منها إلى الآن اختلاف يذكر عن سياسات الإدارة السابقة ، ولا شك أيضا أن حكمه على محاولات تلك المنظمات بالفشل واليأس والعقم البات والنهائي هو من ثمار دورات قراءة الطالع التي أشرنا إليها سلفا ، وأضاف أن تكتل هذه المنظمات والأفراد وراء خطاب قدموه لأوباما يدعونه فيه إلى تغيير نهجه في قضية نشر الديمقراطية والإصلاح في الشرق الأوسط في مستهل توليه الرئاسة بمثابة النفس الأخير لدى هذه المجموعات لمحاولة تغيير توجهات هذه الإدارة ..... ومن العجيب أن يتكلم السيد أمين التثقيف بكل هذه الثقة والأمر يتعلق بمحاولات مجموعات مختلفة التوجهات تعمل على تغيير السياسات الأمريكية تجاه الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ، فهل أبلغوا سيادته بشكل شخصي أن الخطاب الموجه لأوباما هو آخر المطاف ، وهل أبلغوه أيضا أنهم سيدخلون الثلاجة لمدة أربعة سنوات قادمة فور إرسال الخطاب ، أم أن هذا الكلام كان نتاج جلسة مطولة لاستقراء الغيب قضاها د. كمال مع أعضاء الوفد المنافق لسيادته وآخرين ... ولا يمكن بحال أن ينتهي كلام من هذا النوع بغير توجيه عدة نصائح للإدارة الجديدة التي دعاها الأمين إلى انتهاج سياسة الحوافز الإيجابية بعد أن أخفقت الإدارة السابقة في تطبيق أسلوب العقوبات والمشروطيات ،وأوضح أن هذه الحوافز تتمثل في الإشادة المستحقة بجهود الإصلاح الإيجابية وعدم اللجوء إلى أي نوع من المشروطيات وتشجيع وتنمية العلاقات التجارية .......... وما كان لخفة ظل الرجل أن تختفي لأكثر من هذا ، لولا شغفه الواضح بالمشارط والذي يؤكد أمنية قديمة لديه أن يكون جراحا ، وليس من الغريب أن يدعو الرجل واشنطن لانتهاج سياسة الحوافز ، فالرجل مهما بلغ شأنه لا ينسى أنه موظف لدى الدولة يحب الحافز ويهيم عشقا بالعلاوة ،ولكن الغريب أن ينسى الرجل أبسط قواعد التعامل بين الكيانات والأفراد وهي أن من يملك الثواب يملك العقاب أيضا .. هؤلاء هم رجال النظام وهذا هو منطقهم ،وهذا هو مستوى تفكيرهم .... بالله عليكم ألا يستحقون الرثاء .
الثلاثاء، 3 مارس 2009
من الدولة الراعية إلى الدولة الجابية

تمر الدول بأطوار متعددة تتراوح ما بين القوة والضعف ، ويمكن رصد حالة الدولة المصرية عبر السنوات الخمسين الماضية ، وكيف تحولت من دور الدولة الراعية التي تقوم بدورها تجاه مواطنيها من منطلق ما تبنته من سياسات تعتمد المبادئ الاشتراكية ، إلى دور الدولة الجابية التي لا هم لها إلا جمع الأموال مستخدمة في ذلك كل أشكال النهب المنظم والمقنن بل والعشوائي أيضا في أحيان كثيرة ، في غياب سياسات واضحة المعالم ،تستورد من كل ما هو قائم من النظم الاقتصادية أسوأ ما فيها ، حتى أنه قد يخيل للبعض أن النظام ينهي المرحلة بنفسه في أكبر عمليات النهب الممنهج في تاريخ مصر ، وأظن أن مصر عبر تاريخها قد لعبت أدوارا عديدة يمكن القول أنها تحركت فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس ،وكانت هذه الأدوار تقوم في بعضها على الادعاء تارة وعلى الإيمان بالدور الرائد وانطلاقا من تحمل المسئولية تارة أخرى ، والواضح أن هناك من المؤشرات ما يؤكد على حقيقة أن مصر كلما اضطلعت بدورها تجاه أمتها العربية ودورها الإقليمي ،كلما كانت في طور الدولة الراعية بالنسبة لأبنائها ،وأنها كلما انكفأت على ذاتها متخلية عن مسئوليتها تجاه عروبتها كلما دخلت في طور الدولة الجابية ،ما يؤكد هذا ما حدث بعد حرب العبور ، والتي قيل وقتها أنها آخر الحروب ، وقتها ردد الكثيرون أنه قد آن لمصر أن تعرف الرخاء والسلام الذي تنعم به غيرها من الدول العربية غير وثيقة الصلة بالصراع ، ومنذ أن قيل هذا الكلام ومصر من سيئ إلى أسوأ ، فبدءًا من سياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجتها مصر في السبعينات وأدت إلى إحداث تغيرات خطيرة في بنية المجتمع المصري ، وما ترتب على هذه السياسات أيضا من سيادة ثقافة الاستهلاك ، وتراجع قيم بعينها كاحترام العمل ودعم القوى المنتجة في المجتمع ،كما تزامن ذلك مع شيوع الروح الانهزامية وضياع الانتماء بين فئات المجتمع ،وخاصة الشباب ،والذي أدى فيما بعد إلى مغادرة أعداد كبيرة من الشباب أرض الوطن ؛ باحثين عن تحقيق الحلم في دول النفط أو الدول الأوربية ، وما ترتب على ذلك من استلهام ثقافات مغايرة زادت فيما بعد من تشرذم المجتمع ، وانقسامه على ذاته ، ومن خلال رصد هذه الظواهر نستطيع أن نخلص إلى أن الأزمة التي يعانيها المجتمع المصري ترجع إلى ما يمكن تسميته بالاغتراب عن الهوية المصرية ، فحين تتراجع قيم الثقافة الوطنية ، فإنها تفسح المجال للفساد بكل أشكاله ، وكما هو معلوم فإن الفساد إذا ساد – كما هو حادث الآن- فإن هدم الثوابت الوطنية يصبح من أهم دعائم بقائه واستمرار وجوده ، إذ يصبح كل شيء خاضع لقانون السوق ، حيث يتم تسليع كل شيء ، وتشيئ الإنسان ذاته ، وإذا نظرنا إلى كل هذه المتغيرات سنجد أنه ربما لا يكون فيما سبق أي جديد إذ أن الدول تمر بمثل هذه الفترات على مر تاريخها ،وتستطيع من خلال الإصلاح والتعديل أن تتجاوز مراحل الضعف ،لتبدأ من جديد ،لكن هذه التفسيرات ربما لا تصبح دقيقة بالنسبة لمصر ،إذ وضعنا في الاعتبار أن مصر بكاملها قد انسحبت عن عمد من أهم أدوارها في الخارج (ريادة الأمة العربية وقيادتها )وفي الداخل التخلي عن دور الدولة الراعية انتقالا إلى دور الدولة الجابية ،بل والناهبة في أحيان كثيرة ،عندما نرى جميعا أن كل هذا يحدث لصالح أفراد بعينهم ربما لا يتعدون العشرات ،لا بد أن يستقر في وعينا جميعا أن ما يحدث لمصر هو شكل من أشكال الاستلاب وليس شكلا من أشكال الحكم الشمولي أو الديكتاتورية لأننا نعلم جميعا أن الأنظمة الشمولية كانت تتمسك دائما بأدوار الدولة الراعية ، بينما في مصر تقوم الأمور على أشياء أخرى كالإهدار والإفقار والإمراض والإرهاب وهذا هو شأن المستخرب الذي تنشد الأمة بأسرها خلاصها في نهايته ..... فمتى ؟
الخميس، 19 فبراير 2009
قراءة في خطاب السيد جمال مبارك

الثلاثاء، 13 يناير 2009
ماذا تريد إسرائيل من الحرب ؟

الآن وبعد مرور قرابة الأسابيع الثلاث من الحرب الصهيونية على غزة هل يمكن لنا أن نحاول فهم دوافع هذه الحرب غير المسبوقة ومراميها وهل كان الهدف الوحيد منها هو القضاء على حماس ؟ أم أن هناك دوافع أخرى وأسبابا خفية دفعت آلة الحرب الصهيونية للتحرك بهذا الشكل ؟ هناك أقاويل كثيرة داخل إسرائيل تتردد حول أن إيهود أولمرت هو المعني بمواصلة القتال لكي يتم تأجيل موعد الانتخابات ، ومن ثم دعم موقف حكومته ،بينما يرى آخرون أن الجنرال يواف جالانط قائد المنطقة الجنوبية هو الذي يدفع باتجاه التصعيد والشروع بالمرحلة الثالثة من خطته العسكرية التي عكف على إعدادها لثلاث سنوات، وفقاً لمصادر إسرائيلية،كما اعتبر هو نفسهً أن عدم اتخاذ مثل هذا القرار(قرار التصعيد) هو خطأ تاريخي. ، كما صرح شمعون بيريز في كلمة ألقاها أمام جنود احتياط في قاعدة التدريبات العسكرية في تسئيليم، أن الدول العربية ترغب في أن تحقق إسرائيل النصر في قطاع غزة، ليس محبة لها بل لأنها لا ترغب في أن يسيطر 35 مليون إيراني على 350 مليون عربي. ويمكن القول أن دوافع الحرب على غزة غير واضحة حتى داخل إسرائيل نفسها ، وليس القضاء على حماس ، لما تثيره من مخاوف لدى إسرائيل و بعض دول الجوار العربي ، هو الهدف الوحيد ،وإن كان وحده هو الهدف المعلن ،كما أن الحرب على غزة وإن بدت حربا إقليمية تسعى فيها إسرائيل لإضعاف المقاومة ،إلا أن شواهد كثيرة تؤكد ضلوع أطراف عربية ودولية فيها ، ويرى البعض أن إنهاء المقاومة المسلحة في فلسطين كان على جدول أعمال إدارة بوش ، وأنه تأخر بسبب ما تواجهه القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان ،وما أحدثته الأزمة المالية العالمية من تداعيات أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي ،وربما تمثل الحرب على غزة شكلا من أشكال الاستجابة الفورية لإدارة بوش التي تسعى للخروج بشكل يحفظ لها بعض ماء الوجه ، وربما كانت استجابة غير مباشرة لأطراف عربية ترى في وجود حماس خطرا يهدد أنظمتها ويسعى جاهدا لتصدير الثورة إليها ، مما يطرح علينا سؤالا هاما ،هل الحرب على غزة هي حرب بالوكالة لصالح أطراف أخرى امتنعت عن المشاركة الفعلية ؛ لأسباب مختلفة ؟ أم أنها حرب تهدف إلى جر أطراف بعينها كإيران مثلا لاتخاذ مواقف قد تعجل بتوجه ضربة شديدة لها ، المؤكد أن تلك الحرب قد توفرت لها العديد من الظروف ؛ لتكون الأعنف في تاريخ دولة الكيان الصهيوني ، فمن جانب هي بمثابة الفعل الأشنع الذي لا يقبل المزايدة من قبل اليمين الإسرائيلي ،ومن جانب آخر فإنها تمثل محاولة جادة لإعادة ترتيب الأوضاع على الأرض قبيل جولة ماراثونية جديدة لمباحثات السلام برعاية الإدارة الأمريكية الجديدة ، كما أنها – أي الحرب – تكون قد مهدت لأدوار جديدة تقوم بها دول الاعتدال العربي ، ستكون أكثر وضوحا في التعامل مع القضية الفلسطينية في غياب دور المقاومة ؛ تكريسا لدور السلطة الفلسطينية الطامح لإقامة الدولة الفلسطينية وفق الشروط الأمريكية والإملاءات الإسرائيلية ، والمؤكد أن أيا من الأهداف السابقة لن يتم تحقيقه على المدى القريب ، مما يؤكد أن الحرب على غزة هي حرب تكتيكية في المقام الأول ، تسعى إلى إحداث أكبر قدر من الإرباك في صفوف المقاومة ، دعما لإعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع ، وتمهيدا لتنفيذ مخططات تجفيف منابع المقاومة فيه ، واللافت للنظر أن كثيرا من تقديرات الإسرائيليين غير دقيقة ، وربما تؤدي إلى شيء قريب مما حدث في صيف 2006 م والفارق أن المقاومة اللبنانية كانت قد حصلت على دعم غير محدود من إيران وسورية ،بينما تلقى المقاومة الفلسطينية أشد العنت بسبب إحكام الحصار ،وإغلاق المعابر ، غير أن ما ستسفر عنه الأيام القادمة سيعلن وبشكل واضح فشل هذه الحرب الإجرامية في تحقيق أهدافها ، وإنَّا لمنتظرون .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)