الثلاثاء، 18 أغسطس، 2009

لا شكر على واجب

إنك لا تورد فرسك نفس النهر مرتين، مثل قديم يضرب للدلالة على استمرار الحياة وجريان مياهها وتغير صروف الدهر على أهلها ، كل ذلك مما يدعم الأمل في النفوس ويزيح حجب اليأس القاتمة ، اللهم إلا هذه الأوثان التي تأبى بكل غطرسة واستعلاء إلا أن تحطمها فأس إبراهيم . من حق لجنة شئون الأحزاب ورئيسها العقيد صفوت الشريف ومن معه أن يرفضوا قيام حزب الوسط ، بل أقول أن هذا واجبهم الذي لا يستطيعون منه فكاكا ، من حقهم أن يحاولوا إيقاف عجلة الزمن ؛ أملا في أن يطول بهم الأمد جاثمين على أرواح المصريين إلى أبد الآبدين ، من حق هؤلاء وغيرهم أن يطفئوا أي نور يبزغ في حياة المصريين ؛ليستمر ظلامهم وظلمهم إلى أن يشاء الله ، والحقيقة أن اللجنة الموقرة التي أقرت رفض الحزب هي أدرى بالحياة السياسية المصرية ، وهي أكثر دراية بالأحزاب القائمة ؛ ولذلك فقد رأت اللجنة أن قرار الرفض هو الأنسب ، إذ أن وجود حزب حقيقي يملك الرؤية الواضحة ، وآليات التنفيذ المجدية والكوادر الفاعلة هو بمثابة السماح للحقيقة أن تظهر في عالم كامل من الأكاذيب والأوهام ، والحقيقة أن أسباب الرفض التي ساقتها اللجنة هي دليل اتهام وإدانة للقائمين عليها ،و إلا فلتذكر لنا اللجنة جوانب التميز التي رأتها في أكثر من عشرين حزبا تمت الموافقة عليها لا يسمع عنها أحد شيئا ولا وجود لها إلا في أوراق اللجنة وبعض الصحف التي لا يقرؤها أحد ، وإذا كان هذا الجهد يصعب على أعضاء اللجنة الموقرة كونهم جميعا ممن تخطوا السبعين ، فليذكروا لنا بعض جوانب التميز في برنامج الحزب الوطني الديمقراطي ،وأعتقد أن هذا لن يكون عسيرا ،فالسيد العقيد رئيس اللجنة هو نفسه ويا للمصادفة أمين عام الحزب الوطني ، وإذا كان وقته الثمين لا يسمح ،فعليه أن يرجع إلى تقارير المنظمات الدولية التي تشيد بالحزب وبرامجه وإنجازاته التي أحالت حياة المصريين إلى جحيم لا يطاق لتحتل مصر المركز 57 من بين 60 دولة في تقرير البؤس العالمي من حيث معدلات البؤس والشقاء والتخلف والفقر. فياله من تميز يحسد عليه الحزب ويغبط عليه رجاله الذين لا هم لهم سوى إسعاد المصريين ، ولكنهم للأسف لم يفلحوا في ذلك رغم تميز برنامجهم الحزبي وتوفر حسن النية إذ يشير تقرير الحالة النفسية إلى أن 20 مليون مصري مصابون بالاكتئاب. وينتحر منهم سنويا 1200 مواطن يعيش منهم 43.5 % في القاهرة الكبرى ، وبسبب تميز حزب السيد العقيد يعيش 45% من المصريين تحت خط الفقر ويحصلون على أقل من دولار في اليوم (لجنة الإنتاج الزراعي بمجلس الشورى). وطبعا كل هذا التميز وغيره لا يتوفر في برنامج حزب الوسط ، وهو لا يستطيع إن خرج إلى النور أن يحقق مثل هذه الإنجازات فكيف تقبله لجنة العقيد صفوت الشريف والذين معه ، أما عن تميز الحزب الوطني في مجال إهدار المال العام ،فلا تتحدث إذ أن الأمر كله لا يجلب الحرج فحسب ، بل يجلب الجنون أيضا ففي الفترة من أبريل 2008 إلى يناير 2009 بلغ حجم ما تم إهداره بسبب استشراء الفساد في الجهاز الإداري للدولة المصرية المتميزة ما مقداره 39 ملياراً و373 مليوناً و524 ألف جنيه(تقرير عام 2008 لمركز الدراسات الريفية). إن هذه اللجنة والمنتسبين لها والمنتفعين منها ومن لف لفهم يستحقون الشكر والتقدير على ما بذلوه من جهد للحيلولة دون ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية والحزبية في مصر ، والتي عانت الانسداد التام منذ ما يقرب من ثلاثين عاما ، وما كان مطلوبا منها أن تفعل غير ذلك ، إذ أنها تؤكد بذلك انتماءها لهذا النظام الذي دأب قرابة الثلاثة عقود على حرمان المصريين من حق الحياة نفسه ، فكيف نطلب منهم أن يعيدوا شيئا من الروح إلى الحياة السياسية ... أما عن ما ساقته اللجنة من تعارض أفكار الحزب مع أحكام الدستور والقانون فلن أزيد على أن النظام المصري ممثلا في حزب الحكومة وحكومة الحزب هو من أعاد صياغة الدستور ليوافق أفكار وأهواء ثلة من الطامحين والطامعين ومحتكري أرزاق الخلق ،أما عن أحكام القانون ، فالعقيد صفوت الشريف ولجنته الموقرة يعلمون جيدا عدد الأحكام القضائية النهائية التي ضربت بها سلطتهم التنفيذية عرض الحائط .. مما ينسف أسباب الرفض من أساسها .... لكن هذا هو جهدهم ،وهذه هي كفاءتهم ،فماذا ننتظر ؟

السبت، 15 أغسطس، 2009

مصر التي أرادوا


برتابة شديدة وبطء قاتل تسير وتيرة التغيير في مصر ، ولهذا أسبابه الموضوعية المتعددة بدءًا من الموروث الثقافي المصري الذي يُزَهِّد في فوائد التغيير ،ويراه شرًا مستطيرًا وليس انتهاء بما تروِّج له الآلة الإعلامية الرَّسمية من خطورة الإصلاح الجذري على الشَّعب الذي ربما يصاب بصدمة عصبية جراء ذلك ، ولأن العصر الذي نعيشه هو عصر( الميديا ) بكل ما تعني الكلمة كان لابد من العمل الدءوب على توفير المناخ المناسب الذي يرى الشعب من خلاله كيف يصبح الركود استقرارًا ، وكيف تصبح الخيبة وقلة الحيلة والعجز صنوفاً من الإدراك الثاقب والحكمة المصفاة، وكان من المهم أيضًا أن تشيع بين النَّاس روح اليأس ، مع الإبقاء على بصيص من الأمل تكرِّسه الحلول الفردية وضربات الحظ الفارقة ، والحقيقة أنَّ ما تقوم به هذه العقول العابثة من أفاعيل تستهدف في المقام الأول تزييف الوعي الجمعي للمصريين ، وإجهاض كل محاولة مخلصة للتغيير وتسهب في سبيل ذلك في شرح أسباب التردي الواسع النطاق الذي شمل البلاد والعباد ، مرجعة ذلك كله إلى أمور قدرية لا يد لأحد فيها ، وأنَّه لولا هؤلاء النفر من المسئولين الذين قَيَّضَهُم الله لهذا البلد لكنَّا في حال أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن ؛ هذه العقول البائسة لن تفلح في مسعاها طالما أنَّ السمع لا يغني عن البصر ، وأن من رأى الظلم ليس كمن اكتوى بناره ، إذ أن ما يلقون على أسماع الناس من أباطيل لا تقنع طفلاً ,لا تَلْقَى من الناس إلا كل سخرية ، ونسمع كثيرًا تساؤلات المواطنين : عن أي بلد يتحدث هؤلاء ؟ هل حقاً يتحدثون عن مصر ؟ والحقيقة أنَّ هذا دأب مدمني الانكفاء على الذات ومحبي الاختزال ،فتصبح مصر كلها مختصرة في القرية الذكية ، ويصبح الشعب المصري بملايينه الثمانين مختزلا في ثلة المحبين للنجل الذين ينامون ويصحون على حلم التوريث- راجع آخر تصريح لقداسة البابا شنوده- هذا الحلم الذي يخالف طبيعة الحياة الرتيبة في مصر ويسير بسرعة الصاروخ نحو التحقق ، منحياً من طريقه كل عقبة كْأدَاء ،حتى لو استلزم ذلك أن تصبح مصر كلها مؤجلة حتى إشعار آخر برسم انتقال السلطة من الأب إلى الابن ، وإذا كان هذا السيناريو التعيس هو الوحيد المطروح الآن ، والوحيد أيضًا الذي تتجلى كافة أبعاده ومراميه ، في مقابل سيناريوهات الفوضى ، وحكم دعاة الدولة الدينية ، يصبح هو السيناريو الأقرب لظروف الوطن المأزوم ، وبه يتحقق الحد الأدنى من الخسائر ، ولا حديث هنا عن المكاسب ، لأنَّه حتى المتفائلين من فئات المعارضة الهامشية يقرُّون أنَّ ما أحدثه العصر المبارك خلال ثلاثين سنة لن يُخَلِّف سوى تركة الخراب وقسمة الغرماء ، هكذا يتم تدعيم الفساد بزراعة اليأس في النفوس ، بعد أن تقلصت الرقعة الزراعية في مصر منذ 81 بمقدار الثلث ، على الرغم من ذلك فقد حققت زراعة اليأس نتائج غير مسبوقة ، فليس من سبيل للنجاة إلا أن يتعلق المواطن بأمل عضوية الحزب الحاكم ،حتى يلقى علاجاً متميزًا حسب تصريحات السيد الأمين العام ، ولا يلومن إلا نفسه بعد ذلك إن هو أعرض أو نأى بجانبه ، وليس من سبيل إلى مواجهة هذا الطوفان إلا أن تتضافر الجهود المخلصة لإيقاف هذا المد العاتي الذي آل القائمون عليه على أنفسهم تمرير هذه الجريمة النكراء ،لتدخل البلاد في مرحلة أشدَّ إظلامًا لن تخرج منها إلا أن يشاء الله ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيقاظ المصريين من غفوتهم ؛ ليقدموا تضحياتهم على مذبح الحرية التي لا توهب بل تنتزع انتزاعًا ، وسيتكفل هؤلاء البائسون الذين غرَّهم طول الأمد بدفع الثمن الباهظ عن ثلاثين سنة من القهر والاستبداد والانكفاء أمام أعداء مصر ، حتما سيدفعون الثمن وسيذيق الله بعضهم بأس بعض ، فحتى رءوس بعضهم لا يضنون بها ، إذا كان الثمن هو بقاؤهم ، وسيقول بعضهم لبعض وقتها ،إنما أكلنا يوم أكل الثور الأسود ، وهو ثور معروف للكافة قدمت رأسه مقابل الإبقاء على استثمارات تقدر بمليارات الدولارات ، قدموه ولم تطرف لهم عين ، وغدًا يقدمون للمحاكمة لينالوا جزاءهم الرادع ... وإنَّ غدًا لناظره قريب .

الأحد، 9 أغسطس، 2009

المتلاعبون بالقامات

أكدت دراسةٌ موثَّقةٌ قام بها باحثون في معهد بحوث الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية أنَّ 38% من المصريين يعانون من التقزُّم الغذائي ، وهو قصر القامة المرتبط بسوء التغذية ، معنى ذلك أنَّ المصريين في طريقهم ليكونوا شعبًا من الأقزام ، وتبعًا لنظرية المؤامرة التي نحب جميعًا أن نرجع إليها كافَّة الأحداث والظواهر والمصائب السوداء التي تحيق بحياتنا في هذا العهد السعيد ، فإنَّنا أمام مخططٍ خارجي - أو داخلي أصبح كلاهما سواء – يهدف إلى تقزيم الشعب المصري ،بعد أن تقزَّم دوره فعليًا في كافَّة مناحي الحياة تمهيدًا لإدخاله مُتْحَف التاريخ البيولوجي ؛ لتخلو مصر بعد ذلك للعمالقة من أمثال الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء – أطال الله قامته - والحقيقة أنَّ النَّظام المصري إذْ يسعى إلى ذلك سعيًا حثيثًا ، يكون قد دخل في مرحلةٍ حاسمةٍ ألا وهي إعادة الاتساق إلى شكل الحياة في مصر ،لتصبح القامة القصيرة للشعب هي السمة الغالبة ،بينما تصبح القامة المديدة من نصيب حكامه والمتحكمين فيه ، وبالطبع فإن هذا يكرس للمفهوم الذي روَّج له النِّظام كثيرًا على اعتبار أنَّ السعي للوصول إلى سدة الحكم هو تهمة يتهم الناس بها ويحاكمون بشأنها أمام المحاكم العسكرية ، إذ أنَّ هذا السعي هو في حقيقته حكرٌ على أصحاب القامات المديدة ، ولعلَّ من مميزات هذا الفرز الجيني ألا يَحَار رجال الأمن في معرفة هُوية الشخص محل الاشتباه ، وهل هو من عامَّة الشعب أم من السَّادة ؟ وما سيصاحب ذلك من إجراءات بسيطة تتلخص في فحص حذاء المشتبه به من حيث كونه كعب عالي أم لا ، ومن الطريف في الأمر أن تسوق الدراسة الجادة أسباب هذا التَّقَزُّم إلى اختفاء الرِّضاعة الطَّبيعية والوجبات المنزلية لطفل ما دون السادسة ، والاتجاه العام لدى أطفال المصريين لتناول الشيبسي والوجبات السريعة خارج المنزل ،مما يعكس إدانةً جديدةً لنمط الاستهلاك الغربي الذي أصبح سائدًا في المجتمع المصري ، وليس في وسعنا – طبقًا لنظرية المؤامرة أيضًا – أن نُخْلِي مسئولية النظام المصري من الترويج لثقافة الاستهلاك عبر وسائل إعلامه الرائدة في الترويج لكل ما هو غثٌ وبعيدٌ عن قيمنا وثوابتنا الثقافية والوطنية ، وليس من نافلة القول أن نؤكد على أنَّ هذا الاتجاه لدى النظام المصري ،ربما يكون من بواعثه الحدُّ من الزيادة السكانية ،إذ تؤكد الأبحاث الطبية أن قصار القامة أكثر عرضةٍ للإصابة بالأمراض ،ناهيك عن قصر أعمارهم بالمقارنة بأصحاب القامات المديدة ، وربما يكون من مميزات هذا الفرز الجديد أن يقضي على جميع أشكال التمييز التي تضرب بنية المجتمع المصري في مقتل ، وسيكون من ثماره اختفاء الطائفية والاستقطاب السياسي والأيدلوجي ، وفي ظل هذا كله يصبح الحديث عن التغيير أو الإصلاح السياسي أو تداول السلطة من قبيل العبث ، إذ ستنحصر الاختيارات في ثلة من المسئولين مديدي القامة ،حسني التغذية ، والذين سوف يولون البلاد والعباد الرعاية والعناية ،بوصفهم طيورَا محلقةً ترى الوطن من علٍ وتسبر أغوار خباياه بيسر وسهولة ، كما أن مواجهة الاحتجاجات الفئوية و الشعبية لن يكون من الصعوبة بمكان ، كما أن التأثير على الوعي الجمعي للشعب سيصير فاعلا ًبدرجةٍ كبيرةٍ ،إذ ستتلقاه الجموع تلقي الوحي المنزل ، إلى هذه الدرجة هم ناقمون على هذا الشعب ، إلى هذه الدرجة تؤلمهم نكاته ، ويغضبهم صبره وصموده ، ماذا سيصير الحال إذا بالغ الشعب القزم في غفلته ؟ هل سيرجعون عنه ؟ هل سيكفون عنه أيدي تدبيرهم و تآمرهم ؟ لا يمكن أن يحدث ذلك فلقد تبدت وجهة نظرهم واستبانت رؤيتهم ،إنَّ معركتهم غير المتكافئة مع شعب مصر هي صراع وجود ، يرون أنَّ بقائه يشكل عبئًا لا يمكن تحمُّله ، وأنَّ زيادة عدده كارثة لا توصف حسب تصريحات السيد جلفر الذي هو بحسابات التاريخ يعيش في بلاد العمالقة وبحسابات الواقع المأمول يعيش في بلاد الأقزام ، ولكن ورغم كل هذه التدابير ، إلا أنَّ أولي الأمر قد خفي عليهم أمورٌ كثيرةٌ ، ربما تحبط كيدهم ، منها أن الإنسان يزداد مكرا كلما اقترب من الأرض ، وأنه يصبح أكثر شراسة وعدوانية كلما كان خصمه أطول قامة وأكثر عدة وعتادا ، كما أن سبل الكر والفر تكون أيسر لذوي الأحجام الضئيلة ، كل هذه الظروف المناوئة تفجر لدى الإنسان طاقاته الكامنة ،وتزيد وعيه بالعالم من حوله ، فيصبح أكثر إيمانا بالحياة وأشد حرصا عليها ، وربما تكون بارقة الأمل الذي انتظرناه طويلا ،دعوة تخرج من مكان قصي يلتف حولها شعبنا العظيم : يا أقزام مصر : اتحدوا .

الاثنين، 3 أغسطس، 2009

إنقاذ مصر

دعا المرشد العام للإخوان المسلمين عقلاء الحكومة والحزب الوطني إلى لعب دور في وقف الحملة الموجهة من قبل النظام ضد الجماعة ، وكانت الجماعة قد دعت شرفاء المصريين للحوار والتعاون من أجل مصلحة مصر ، وكان فضيلة المرشد قد وجه رسالة إلى معتقلي الجماعة جاء فيها أن أعضاء الجماعة اعتقلوا لتحقيق أهداف صهيونية أمريكية غربية تتمثل في تصفية القضية الفلسطينية، وتمرير المشروع الغربي القائم على الانفلات من الأخلاق والدين. جرت كل هذه التصريحات والدعوات خلال الأيام القليلة الماضية واللافت للنظر في تصريحات فضيلة المرشد أن هناك تضاربا واضحا بين اتهام النظام المصري بتنفيذ أجندة صهيوأمريكية متمثلة في اعتقالات أعضاء الجماعة ودعوته عقلاء الحزب والحكومة إلى لعب دور لوقف هذه الحملة ، وتزامن ذلك مع الدعوة التي وجهتها الجماعة إلى الشرفاء من أبناء مصر للحوار والتعاون من أجل مصلحة مصر فيما عرف إعلاميا بالدعوة لإنقاذ مصر ، وهنا يبدو الخلط واضحا بين ما يتهدد الجماعة من أخطار وما تعانيه البلاد من أزمات بسبب سياسات النظام المصري ، ويبدو واضحا أن جماعة الإخوان المسلمين لازالت وإلى اللحظة الراهنة تتمتع بممارسة لعبة التماهي في الدين والوطن بوصفهما كيانات يمكن دمجها في الجماعة بحيث يصبح الهجوم على الجماعة هو هجوم على الإسلام ، وتصبح الاعتقالات التي تستهدف أعضاء الجماعة هي لتصفية القضية الفلسطينية ويصبح إيقاف الحملة الموجهة لقيادات الإخوان هو السبيل لإنقاذ مصر ، وهذا إنما يسترعي انتباه الكافة إلى حجم الالتباس في فكر الجماعة ومنهجها ، وهذا ما أكده الدكتور عصام العريان في قناة الجزيرة عندما صرح أن عقلاء النظام المصري – الذي رفض أن يسميهم – مبعدون عن مراكز صنع القرار المحتكر من قبل جماعات المصالح ورجال الأعمال المقربين من نجل الرئيس ، مما يؤكد أن الحديث عن عقلاء النظام هو حديث يفتقر إلى الموضوعية ،وإن كان لا يخلو من طرافة ، فالنظام المصري الذي دأب على وصف الجماعة بالمحظورة عبر وسائل إعلامه المختلفة لم يتورع عن مغازلة الجماعة وخطب ودها في كثير من المواقف ، في مقابل ذلك التزمت الجماعة الصمت لوقت طويل تجاه الجدل الدائر حول قضية توريث السلطة في مصر ، إلى أن أعلن الدكتور محمد حبيب النائب الأول لفضيلة المرشد ((أن الإخوان المسلمين لن يعارضوا سعي جمال مبارك إلى المنصب إذا ترافق ترشيحه مع إصلاحات مثل إلغاء قانون الطوارئ وإعادة الحريات المدنية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وهي شروط قال حبيب إنه ليس من المرجح أن تفي بها مصر)). وكان الدكتور حبيب قد صرح أن خوض مواجهة مفتوحة مع النظام بشكل منفرد هو أمر تستبعده الجماعة ، ويبدو واضحا أن الجماعة تلتزم خطا يحافظ على تصنيفها كجماعة معارضة في الشارع مع الحفاظ على شعرة معاوية بينها وبين النظام والذي لا يطمح بدوره إلى إنهاء وجود الجماعة لما تمثله من قوة داعمة لبقائه واستمراره بوصفها البديل الأسوأ للنظام من وجهة النظر الصهيو أمريكية ، كما أن اختصار جميع البدائل في الجماعة يعد هو الاختيار الأكثر يسرا لقوى الداخل التي تستدعي التاريخ الدموي للإخوان بمناسبة وبدون مناسبة ، مما يؤكد أن العلاقة بين الإخوان والنظام لن تشهد حسما على المدى القريب ؛ لكون كلا الطرفين ملتزمان إلى حد كبير بشروط الصراع وآلياته ، مع وجود هامش للمناوشة بين الطرفين يوهم بالحراك ويستدعي حيوية غير حقيقية للمشهد السياسي الراكد ، وليس بعيدا عن كل ما سبق أن نستعرض موقف الجماعة من اعتقال اثنين من كبار أعضائها وهما المهندس خيرت الشاطر والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ففي حين أقامت الجماعة الدنيا ولم تقعدها لاعتقال المهندس خيرت الشاطر ، تعاملت الجماعة مع اعتقال الدكتور أبو الفتوح بفتور ، حتى تقوَّل البعض كلاما مرسلا عن نجاح الجماعة في التخلص من أبو الفتوح الذي استطاع خلال الأعوام القليلة الماضية استقطاب الكثير من شباب الجماعة نحو رؤية إصلاحية أكثر انفتاحا على الواقع ، وأذكر أن الرجل كان قد صرح أنه لم يعرض عليه برنامج حزب الإخوان ،وأنه كان قد قرأه كغيره على أحد المواقع الإلكترونية ، إن موقف الجماعة من كلا الرجلين ومن اعتقالات أعضاء الجماعة ومن الدعوة التي أطلقها المرشد يؤكد استعداد فضيلته ومن معه للعمل بكل قوة لإنقاذ مصر بشرط أن نتفق ضمنيا أن اسم مصر هو الاسم الحركي لجماعة الإخوان المسلمين .