الثلاثاء، 16 يونيو، 2009

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ

من الأمور التي تتميز بها العقلية العربية دون غيرها ، القدرة الفائقة على لي أعناق الحقائق ، والتعامي عن المسلمات ، وإلباس الحق ثوب الباطل ، والتوغل غير الحذر في طريق الأماني دون اكتراث لصوت العقل ،كذلك الادعاء الساذج بإمكانية التغيير وفق مثاليات تقوم على أساس من الخلط بين الوهم والأمنية ، ثم يوضع هذا كله وغيره في سلة التفاؤل والعمل على إيجاد منافذ حقيقية للخروج من أزمات العقلية الماضوية التي أنهكتها الأفكار المسبقة ،فراحت ضحية التهويل وفكرة المؤامرة ، وليس أدل على ذلك من ردود أفعال البعض من النخب السياسية والفكرية ذات الخلفية الليبرالية التي رأت في أوباما نبياً للتغيير وبشيراً ونذيراً يجب اتباعه والسير على هداه ، والأعجب من ذلك أن هذا الإعجاب الصبياني تخطى لغة الخطاب وبلاغته الإنشائية إلى أشياء تتعلق برشاقة الرجل وشبابه ووسامته وخفة ظله وحسن اختياره لملابسه ، وغير ذلك من الصفات التي تصلح لأن تكون موضوعاً لحديث شيق بين سيدتين في منتصف العمر يجلسان في أحد نوادي القاهرة الشهيرة ، ولا أظن أن خطاباً لرئيس أمريكي قد نال هذا القدر من الاهتمام والتحليل ،بل أزعم أنه قتل بحثاً ودفن تمحيصاً بعد أن أحصيت حركاته وسكناته ،ودققت ألفاظه لسبر أغوار ما يمكن أن توحي به من دلالات وما يمكن أن تنبئ به من إيحاءات ، فجاءت المحصلة لتشي بالكثير من الجعجعة والقليل جداً من الطحين ، بعد أن أفصح الخطاب عن ديماجوجية مذهلة تدغدغ مشاعر العامة وتلهب خيال الحالمين بمستقبل وردي ،دون أن تطأ بقدميها أرض الواقع المزدحم بالمتناقضات التي تستعصي على الحل وتتأبى على التحايل ، وهذه الصياغة المستعملة تشبه إلى حد كبير تلك اللافتة التي وضعها أحد التجار على باب متجره لجذب الزبائن فكتب عليها (( البيع غداً بربع الثمن )) ولكنه لا يرفعها أبداً ولا ينوي رفعها ، وبالتالي فإن هذا الغد لن يأتي أبداً ، لعلنا ندرك إذن أن الخطاب الذي وجه إلى العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي ، إن كان له ما يميزه فهو القراءة الجيدة لهذه العقلية التي كان أصحابها قديما يدفعون الذهب لقاء قصيدة مدحٍ فجةٍ لا تسمن ولا تغني من جوع ، هذه العقلية التي لا تجتر مآسيها على الملأ حفظاً للشرف الرفيع الذي سالت على جوانبه أنهار من الدماء عبر التاريخ ، وبالتالي فهو خطابٌ للاستهلاك المحلى بامتياز ، إذ لا يمكن ترويجه بحال خارج حدود عقلية الفيافي التي تنافح عن تفوقها ، وهي مستعدة في سبيل تلك المنافحة أن تقدم التنازل تلو التنازل في مقابل أن تسمع معسول الكلام بغض النظر عن الفعل فهو ما يلبث أن ينتهي وما تلبث أثاره أن تنمحي ،بينما تبقى القصائد في ذاكرة الشعوب إلى أن يرث رب البيت الأبيض الأرض ومن عليها وما في بطنها من النفط دون الحاجة إلى حروب صليبية أو هلالية أو اهتبالية ، طالما بقيت أسس الشراكة الجديدة والتعاون الاقتصادي قائمة على هذا التلاقح المثمر بين الحضارات الصاعدة والهابطة وسياقات التفاعل بين حروف الجر إلى الحتف ونكهة الكوكا كولا ، وبين لا النافية للجنس الفلسطيني من الوجود والماكدونالدز وبين نائب الفاعل المتواطئ و العولمة متعددة الثقافات ، أسس تقوم على الاحترام وخلع الأحذية لا التقاذف بها أمام شاشات التلفزة ، ولا تبدو آمال الشعوب بين هذا كله سوى كماً مهملا ً ،إذ لم يتسنى لها مشاهدة الخطاب والتفاعل معه ولم ينل الحليوه الأسمراني من الإعجاب لديها ما ناله لدى غيرها من أصحاب الياقات البيضاء ، وبالتالي فهي خارج المشهد ، وإن كانت تطمح إلى الديمقراطية والحكم الرشيد فهذه البضاعة الآن ليست موجودة لدى السيد الأمريكي لا على الأرفف ولا في مخازنه العامرة ، لذلك نحيطكم علما أن ما يصلح لغيركم من الشعوب ربما لا يصلح لكم كما أن الضرر يبدو محققاً إذا تم تناول جرعات الديمقراطية دون استشارة الطبيب ، يبدو المشهد عبثياً جداً رغم أنه لا يدعو للضحك ولا هو أيضا يثير البكاء ،بل هو على عبثيته يبدو مدبراً ومفتعلاً وسخيفاً ، خاصة عندما كان الغزال الأسمر يتهادى أمام الأهرامات في صحراء الجيزة ،في حين كانت أشرطة الأخبار المتعجلة تعلن في الأسفل إفلاس جنرال موتورز وكرايسلر ،ليلحقا بمئات الشركات الأمريكية التي لم تنفعها فصاحة الفتى ولا جمال خطوته .

الأربعاء، 10 يونيو، 2009

بواكي أوباما


أثَارَتْ زيَارةُ الرَّئيس الأمريكي بَارَاك أُوْبَامَا لِمِصْرَ وخِطَابَُه فِي جَامِعَةِ القَاهِرةِ جَدَلا ًغَيْرَ مَسْبُوق ٍ تَنَوَّعَتْ فِيهِ الآرَاءُ بَيْنَ مُؤيدٍ مُتَفَائلٍ ومُعَارضٍ يَرَى أنَّه لَيْسَ ثَمَّة تَغَيرٌ يُذْكَرُ فِي الخِطَابِ الأمِريكي ، اللَّهُمَّ إلا هَذَاْ الاسْتِخْدَامُ المُفْرِطُ للحَدِيثِ العَاطِفي الذي لا ينبني عليه شيء ، وبينما رَأى أنْصارُ الفَريق ِ الأول أنَّ أُوْبَامَا بِتاريِخِه ورِحْلَةِ صُعُودِه يُمَثلُ نَذِيرًا عُرْيَانًا بِالتَّغْييرِ ، رَأى الآخَرونَ أنَّه مِثَالٌ واضحٌ لِلأزْمَةِ الأمْرِيكيةِ التي تُخَالِفُ ثَوابتَها عَلنًا ،وتؤكدُ عليها في الخَفَاءِ ، وبينما يَتَحَوَّلُ الجَدَلُ إلى مُساجَلاتٍ ومُلاسَنَاتٍ لا طائلَ من ورائِها بينَ أنصارِ الفريقين ،حيثُ مَثَّلتْ الزيارةُ بزمانها ومكانها ما اعْتََبَرهُ البعضُ دعمًا مُباشرًا لأعْتَى الأنْظِمَةِ الاستِبْدَاديةِ في المَنْطقةِ ، مما يؤكدُ تراجعًا واضحًا عَنْ التوجهِ نَحْوَ تَعْزيزِ الدِّيْمُقْرَاطِيةِ فِي الشَّرقِ الأوسط والذي لَوَّحتْ به الإدارةُ الأمريكيةُ السَّابقةُ ، وقَدْ تشي تلكَ التَّصَرُّفات أنَّ هناكَ تَغَيْرًا ما قََدْ طَََََََََََََََرَأ على السياسات الأمريكية ، ولَكِنَّ الوَاضحَ أنَّ هُنَاكَ تَخَبُطاً شديدًا ُربَّمَا يكونُ قْدْ نَتَجَ عَنْ الفَشَل الأمريكي الذَّريع على عِدةِ أصْعِدةٍ ،ليسَ آخرها الطَّلبُ الأمريكي المقدمُ لدى فَصَائل المُقَاومة الأفْغَانية لِمخاطبةِ عُقلاء طالبان ، وهولا يحملُ بالضرورةِ توجهًا جادًا نحوَ إنْهَاءِ الاحتِلال الأمريكي لأفغانستان ،بقدر ما يؤكدُ حَاجَةَ الأمريكيين إلى فرصةٍ لالتقاط الأنفاس ، وليسَ ثَمَّة شكٌ أنَّ الإدارةَ الأمريكية الجديدة تُعاني من ثقل تركةِ الإدارة الأمريكية السَّابقة ، في ظل نُدرة الخيارات المُتاحةِ للخروج من نَفَقِ الأزمةِ ، كما أنَّ هناكِ تعاميًا واضحًا عن الأسبابِ الحقيقيةِ لما تعانيه الولاياتُ المتَّحدةُ من أزماتٍ ، يرى كثيرٌ من المحللين المُنْصِفينَ أنَّ من أهم أسبابها الاستخدام المفرط للقوة في التعامل مع الأحداث التي بَدَأتْ مع بدايةِ الألفيةِ ، كما أنَّ خُُفُوتَ الأصواتِ التي نادتْ بَِرفْعِ يدِ الوصَايةِ الأمريكيةِ عَن الأنظمةِ الاستبداديةِ والتي كانتْ سببًا مباشرًا في تفشي أعمالِ العنفِ ضدَ المصالح الأمريكية في العالم ،يعدُّ مؤشرًا لركودِ الذهنية الأمريكية وعجزها عن التعامل بجديةٍ مع الحلول الإبداعيةِ للأزمة ، هنا يبدو بجلاءٍ أنَّ باراك أُوْبَامَا ما هو إلا تكريسٌ لفكرةِ الحل المجاني ، الذي يقومُ على الترويج للبلاغةِ الإنشائية التي تداعبُ العواطفَ ، عوضًا عن التغيير الحقيقي المطلوب بإلحاح والذي يبدو مكلفًا من وجهةِ نظر صُنَّاع القرارِ الأمريكي ، وفِيمَا يبدو أنَّ الوقتَ يمثلُ عاملا ًهامًا في استكشافِ الكثيرِ من الحقائق المتعلقةِ بزيارة أُوْبَامَا،طالما ظلتْ المُبَاحَثَاتُ الرئاسيةُِ المصريةُِ سراً كَهَنُوتيًا لا يجرؤُ أحدٌ على الخوض فيه ، لَكِنَّ المؤكدَ أنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ كَعَادتها قَدْ تلقتْ الثَّمنَ سلفًا ، إذْ أنَّها لا تقايضُ على شيءٍ أصبحَ في حوزتِها بالفعل ،حَسْبَ تَعْبيرِ هنري كسينجر للرَّئيسِ السَّادات عَشِيَّةَ طردِ الخبراءِ السوفييت ، ومِمَّا يدعو للدهْشَة في هذا الصددِ هي المقدرةُ الفائقةُ للنظام المصري على ابتكارِ ما يمكنُ التنازلُ عنه من أجل تحقيقِِ مَصَالحٍِ تتعلقُ بالبقاءِ لأطول فترةٍ في حُكمِ البلاد ، وتبقى العلاقاتُ الأمريكيةُ الإسرائيليةُ كما هي خطًا أحمرَ لا يجوزُ المَسَاسُ به مع التأكيد ِعلى الأساطِيرِ المُؤسسةِ للسياسات ِالإسْرائيليةِ ، ووصْم ِكلِ مَنْ يعتقدُ خِلافَ ذلك بالجهلِ والتخلفِ العقلي إذا أمْكنَ،ولا مانعَ من الحديثِ عن تحفظٍ أمريكي بشأن التوسعِ في بناءِ المستوطنات وكذلكَ الحديثِ عن الأماني الأمريكية الطامحة إلى حل الدولتين ،دون أي التزاماتٍ بالسعي الجادِّ للوصول لهذا الحل ، ويبدو الترويجُ لأُوْبَامَا السلعةِ في سوق البوار العربي ، عملاً يرسخُ للصورةِ الذهنيةِ القديمةِ للتاجر المخادع الذي يحاولُ إقناع زبائنه بشراءِ سلعةٍ يبدو احتياجهم لها محلُ شكٍ كبير ، فيما بَدَتْ نفسُ السلعةِ ذات دلالةٍ ترويجيةٍ توجه بشكل مباشر لحساب الحاجة الملحة لِتقاعدِ الأب ،وتسليم مقاليدِ الحُكم للابن الذي يَحْكمُ ويتحكمُ فعليًا منذُ سنواتٍ ، عِندَمَا تناولَ عددٌ من الكتَّاب زيارةَ أُوْبَامَا وخِطابَه بالتحليل الموضوعي ،كمحاولةٍ جادة للبحث عن آفاق التغيير المُحْتَمَلة في سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة ، كَانتْ المُحَصِلةُ عِندَ الكثيرِ مِنْهُم هي صِفر ، خََرَجَ علينا بَوَاكِي أُوْبَامَا يُدَافِعُونَ عنه بالحق وبالباطل ، مِمَّا آثارَ العجبَ وطرحَ الكثيرَ من عَلامَات الاستفهام ، وخُصُوصًا أنَّ وطناً بِأسرِهِ ..... لا بَوَاكِي له .