30 نوفمبر, 2009

اقتطاع الجزائر

لم تكن تلك الأسلحة البيضاء التي حملها مناصرو المنتخب الجزائري في أم درمان لإرهاب الجماهير المصرية فحسب ، بل كان عملها الأساسي هو اقتطاع الجزائر من جسد الوطن العربي وعزلها عن محيطها العربي ، تمهيدًا لاستلابها لحساب الفرانكفونية ودعاة الفَرْنَسَة ، وقد قدم النظام المصري وأبواقه الإعلامية المقروءة والمرئية خدمة جليلة لأعداء العروبة والإسلام في الجزائر ، موجهين ضربة قاصمة للمدافعين عنهما من أبناء الجزائر ، ولأنه وكما يقول المتنبي ((عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ )) . فلقد وجد المتآمرون من كلا الفريقين ضالتهم في مباراة لكرة القدم ، زرعوا من خلالها الكراهية والعداء في نفوس الشعبين وتجازوت الأبواق الإعلامية الخطوط الحمراء بالأمر المباشر مما أوصل الخطاب في الجانبين إلى درجة غير مسبوقة من السفه والانحطاط ،فرأينا من يشكك في تاريخ الكفاح المشترك بين البلدين إلى أن وصل الأمر إلى تكذيب كل وقائع التاريخ ،فيما يمكن وصفه بالردة الكاملة عن ثوابت كانت تعد منذ أيام قليلة من قبيل المسلمات ، ولأن الأمر برمته لا يخلو من مؤامرة متعددة الأطراف ، فلقد كانت الاستثمارات المصرية في الجزائر هي الهدف الواضح والصريح لعمليات النهب والسلب والإحراق التي تمت تحت سمع وبصر قوات الأمن في البلد الشقيق ،هذا الإرهاب المتعمد لم يكن القصد منه الإساءة إلى مصر بقدر ما كان يهدف إلى إخلاء الساحة الجزائرية للاستثمارات الفرنسية بدعم وتشجيع من عدة رموز في النظام الجزائري يقف في مقدمتهم الوزير (أحمد أويحي ) ، كما تلقى هذه الاستثمارات معارضة شديدة من قبل المتمسكين بعروبة الجزائر وهويتها الإسلامية ،ولتاريخ فرنسا الدموي في الجزائر لنحو مائة وثلاثين سنة ، وإذا كانت هذه الاستثمارات سَتُرْفَضُ ،فالبديل جاهز ويتمثل في الاستثمارات القطرية التي تقف وراءها - بدعم كامل- رءوس أموال صهيونية ، هذه الاستثمارات التي حاولت من قبل امتلاك أراض حدودية في مصر- تحديدا في سيناء- واضطرت مصر إلى دفع تعويضات هائلة بعد أن خسرت القضية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار المعروف اختصارا بـ (أكسيد ) فيما عرف بقضية سياج ، ولأن مصر كانت حصن العروبة الأمين وملاذ كل العرب وصاحبة اليد الطولى في تحرير الجزائر في زمن الرئيس جمال عبد الناصر ، الذي دعم عملية تعريب الجزائر في عهدي الرئيسين بن بيلا وبومدين ، لتعود الجزائر عنصرًا هامًا في معادلة القوى العربية وصاحبة دور هام في القضية الفلسطينية ، وداعم أساسي لمصر في صراعها الممتد مع الكيان الصهيوني – كان على مصر أيضا أن تكون الفاعل الأول في عملية اقتطاع الجزائر ،حتى يُكَفِّر نظام الرئيس مبارك عن خطايا الحقبة الناصرية ، ولأن الذريعة كانت صراع أرجل - وحتى تتم المؤامرة – ارتدى الكثيرون من الكتاب والإعلاميين أحذية الكرة في رءوسهم وأحكموا الأربطة وأخذوا يسكبون الزيت على النار متناسين أن وجود هذه الاستثمارات في الجزائر على ضآلتها - تبلغ حوالي ستة مليارات دولار – قياسا بما هو متاح من إمكانيات هائلة للاستثمار، يشكل أهمية قصوى لعروبة الجزائر وارتباطها بالعالم العربي ، فليس الهدف هو الكسب السريع ولا تكوين الثروات فهذا متاح بشكل أكبر بالنسبة للاستثمارات الفرنسية أو الأوربية أو الأمريكية وحتى الخليجية ، ومن العجيب والغريب أن هذه الاستثمارات المصرية التي لم تحصل على موطئ قدم في الجزائر إلا بعد محاولات مضنية من المخلصين للعروبة في الجزائر يتحدث عن أهميتها وقيمتها المرجفون من الفريقين ، ويعتبرون وجودها الآن من قبيل الإهانة ، ولا أريد أن أسترسل في الحديث عن الكرامة التي أشاعوا أنها أهدرت والأعلام التي ديست وأحرقت ، فالجميع يعرف مقدار احتفاظ كلا الشعبين بكرامتهما في مواجهة نظامين من أشد النظم فسادا واستبدادا ، ورغم ما يعانيه كلا الشعبين على أيديهما من ذل ومهانة وإجرام لا نظير له ،إلا أن أحدا لا يحرك ساكنا ،حتى بدا حديث العزة والكرامة نغمة نشازا في ظل هذا العزف المتواصل على أوتار الذل والمهانة والرضوخ ، ولتشابه الظروف في كلا البلدين كان هناك اتفاق غير معلن على استثمار النصر والهزيمة في المباراة لصالح النظامين ،فينتشي المنتصر بنشوة الفوز، ويمرر ما شاء من قوانين وإجراءات ، بينما يقف المهزوم موقف المدافع عن كرامة الشعب ،والمنافح عن شرفه الرفيع ، والمستعيد لحقه المسلوب . إن مصر الكبيرة لا يمكن أبدا أن تكون أداة لاقتطاع الجزائر من جسد الأمة العربية مهما كانت الأسباب والمبررات ، وخصوصا وقد استبانت الحقائق والمرامي وراء افتعال هذه الأزمة ،ولكن يبدو أن نظام الرئيس مبارك يصر باستماتة على إخراج مصر من جغرافيتها ، كما يسعى دائبا لنفيها من التاريخ0 بقي أن نقول إن الوصول إلى المونديال لا يصلح لاكتساب شرعية تنتقل على إثرها السلطة من الآباء إلى الأبناء ، ولا من الأخوة للأشقاء ، فالأمر برمته هزل في موضع الجد ، وإن دل على شيء فإنما يدل على تهافت تلك الأنظمة وتهرئها وانعدام كفاءتها واستخفافها بحياة الشعوب الغائبة عن الوعي ، فهل نعي الدرس ؟

11 نوفمبر, 2009

اعتزال النظام

في حالة الأنظمة المزمنة التي لا تعرف الحياء وتعاند الزمن والناس ، لا بد للشعوب أن تبحث عن بدائل ، فإن استعصت تلك الأنظمة على العزل وجب على الشعوب اعتزالها ؛ لتزول من تلقاء نفسها بعوامل الفناء الذاتي وبالصراعات الداخلية والتقاتل على المغانم ، واعتزال النظام بمعني إقصائه عن حياة الناس ليست فكرة جديدة ، فقد قرأنا منذ سنوات لأحد الكتَّاب طرحا مفاده أن يصحو المصريون مبكرا ذات يوم ويتوجهوا جميعا نحو الحدود ليتركوا مصر خالية وعلى حد قول الرجل ( ويشوفوا بقى هيحكموا مين وهيتجبروا على مين ) والفكرة السابقة على طرافتها وتطرفها واستحالة تنفيذها تطرح إمكانية اعتزال النظام بتقليص التعامل معه إلى أدنى الدرجات ، وعدم اللجوء إلى مؤسساته التي ضرب الفساد في أطنابها والعودة إلى المجالس العرفية وآليات فض المنازعات الشعبية ؛ لحل الخلافات وابتكار طرق جديدة للتوثيق وإثبات الحقوق لأصحابها و تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في التصدي للمشكلات المجتمعية بعيدا عن أدوار لا تقوم بها الدولة إلا على أسوأ حال - وأي فائدة ترجى من الاحتكام إلى نظام لا يستطيع رفع القمامة من الشوارع لأسابيع عديدة - ونذكر أنه من سنوات كانت حركة كفاية – على ما أظن – قد دعت للامتناع عن سداد فواتير الكهرباء والماء والتليفون – خاصة – بعد ارتفاع أسعارها بشكل صادم بسبب احتساب معدلات استهلاك هي أقرب إلى الخيال غير العلمي ، وبعد ما تبين باعتراف بعض المسئولين أنها تقوم على تقديرات جزافية تقترب من عمليات النصب العلني . إن هناك كثيرا من الممارسات اليومية التي يمكن تطبيقها لاعتزال هذا النظام ،وهي بمثابة شكل من أشكال المقاومة السلبية ، على طريق العصيان المدني ، إن نظام الرئيس مبارك الذي تآكلت أي شرعية لوجوده يسعى جاهدا إلى ضخ دماء تبقيه على قيد السلطة لأطول فترة ممكنة ، وهذه الفترة تطول أو تقصر بحسب ما يمكن أن تقدمه الجماهير من تضحيات لإزاحته ، وإذا كان من الصعب الآن أن ندعو إلى فعل إيجابي حقيقي يقابل من قبل النظام الآفل بالبطش الإجرامي ،فليس أقل من أن ندعو عموم المصريين إلى اعتزال النظام ، وليس علينا إلا طرح بعض البدائل المنطقية القابلة للتحقق ، وهي دعوة أزعم أنها ستلقى ردود فعل إيجابية قياسا بعزوف الناس – مثلا - عن الإعلام النظامي بكافة أشكاله حتى باتت قنواته و صحفه ومطبوعاته بمثابة وسائل إعلام سرية لا يتعاطاها أحد حتى أقطاب النظام أنفسهم ، مما جعل بقاءها والإنفاق عليها صورة من أبشع صور إهدار المال العام ، وإذ كنا نسعى إلى اعتزال النظام في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين ، فالأولى بنا أن نعتزله في جميع ما يقوم به من انتخابات لا يتوفر لها أي قدر من النزاهة ، فإذا لم يرضخ نظام الرئيس مبارك إلى المطلب الشعبي القائل بعودة الإشراف القضائي الفعلي على صناديق الاقتراع ، وإذا لم يستجب أيضا لدعوة المراقبة الدولية والإشراف الدولي على الانتخابات القادمة من خلال دول ومنظمات لها احترامها،وإذا لم يوفر الضمانات الكافية كإسناد الأمربرمته إلى هيئة محايدة يتمتع أعضاؤها بالسمعة الطيبة والاستقلالية ، فليس أقل من مقاطعة شاملة لهذه الانتخابات ووصم كل من يشارك فيها بالتعاون مع سلطة تمارس القهر والاستبداد ولا تتحلى بأي قدر من الممارسة الديمقراطية ، وإذا كانت الدولة المصرية على مدى قرابة الثلاثة عقود قد تخلت عن أدوارها الحقيقية في توفير أدنى درجات العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية وعوامل الأمن والسلامة للمواطنين ، ومارست من خلالها جماعات المصالح ورجال الأعمال عمليات تجريف لم تحدث من قبل للثروة في مصر على أوسع نطاق ، وما تزامن مع هذا التخلي من القيام بأدوار لا تقوم بها أعتى الأنظمة الاستبدادية - تمثلت في تمديد العمل بقانون الطوارئ وسن القوانين المضادة لمصالح الشعب والسالبة للحريات ناهيك عن فرض الجبايات والإتاوات وممارسة البلطجة وإضعاف روح الانتماء لدى عموم المصريين ، وإشاعة روح اليأس مما أسهم بدور فاعل في تدهور المجتمع المصري في مختلف قطاعاته وشرائحه وعلى جميع المستويات، كما قامت بأدوار لا تقل تواطؤا عن ذلك على المستويين العربي والإقليمي – فليس أقل من مقاطعة هذا النظام واعتزاله وتعريته هو و كل من يتعاونون معه منتفعين من بقائه جاثما فوق أرواح المصريين ، هذه دعوة فهل من مستجيب ؟

08 نوفمبر, 2009

مؤتمر الكثرة المرتبكة

منذ أيام انفض مؤتمر الحزب الوطني وذهب كلٌ إلى حال سبيله ظانا أنه حقق ما أراد ، والحقيقة أنه لا توجد خيبة أمل واحدة لم تلحق بالمؤتمرين ، فما بين كلمات الافتتاح والختام ، والهجوم على المعارضة والإخوان وما بين محاولة الأب وقف عجلات الزمن والتحلي بروح الدعابة والحديث مجددا عن الصرف الصحي – كان المشروع القومي في فترة الولاية الأولى وربما لازال- وبين محاولات أمين التنظيم تلميع الابن بشدة حتى كادت الطبقة الخارجية تتآكل – تبدى بوضوح أن هناك حالة ارتباك تنتاب الجميع رغم توزيع الأدوار بمهارة بين الهجوم والدفاع والتمترس خلف شرعية البنى التحتية وإمكانية حل مشكلة القمامة في القاهرة والجيزة مع إرجاء بقية المحافظات إلى ما بعد مونديال جنوب إفريقيا ، وقد اتضح بما لا يدع مجال للشك أن الحزب الذي احترف أعضاؤه التصفيق بأنواعه منذ إنشائه ، اتخذ بعضهم الامتناع عنه تعبيرا عن عدم ترحيبهم بالانتقال الآمن للسلطة والذي يرونه لن يكون بحال آمنا بالنسبة لهم ، تزامن مع هذه الفعاليات المباركة جدل واسع حول دعوة الأستاذ هيكل إلى تشكيل مجلس أمناء ، ودعوة الإعلامي عماد أديب إلى استصدار قانون بعدم محاسبة الرئيس ،وكذلك الحديث عن ترشح الدكتور محمد البرادعي في انتخابات الرئاسة القادمة ، ولا شك أن هذا الجدل قد ألقى بظلال كثيفة على المؤتمر ، إذ تسرب إحساس عارم باليأس لدى الغالبية مفاده ، أن التقارير التي لا يمكن أن تقول غير الحقيقة ذكرت أن عملية التوريث لازالت من الخطورة بمكان ،وإنها وإن مرت فسوف تؤدي إلى كارثة ونهاية مؤسفة في غضون عامين على أقصى تقدير ، كذلك فإن كلام الإعلامي أديب – وهو مقرب من مؤسسة الرئاسة المصرية – لا يجب غض الطرف عنه ، لأنه ببساطة شديدة دعوة لتأمين خروج الرئيس مبارك وهذا أمر خطير لا يمكن أن يأتي به أيا من كان من عنده ، تزامن ذلك أيضا مع تنامي الدعوة للرقابة الدولية على انتخابات البرلمان العام القادم ، وكما يعلم الجميع أن النظام المصري يشارك من خلال بعض مؤسساته في الرقابة على الانتخابات في عدة دول وبالتالي فهو لا يملك الأسباب الموضوعية للرفض ، إلا إذا كان ينتوي تزوير الانتخابات – لا سمح الله – تلا ذلك ترحيب الدكتور البرادعي بالترشح لمنصب رئيس الجمهورية بشرط ضمان نزاهة الانتخابات مما يدعم الدعوة للمراقبة الدولية وخصوصا أن الدكتور البرادعي يحظى بدعم وتأييد الكثير من الدول ذات الثقل على الصعيد الدولي لما قام به من جهود في مكافحة انتشار الأسلحة النووية ناهيك عن حصوله على جائزة نوبل للسلام ، كل ذلك كان له أكبر الأثر في التأكيد على أن الظروف المحيطة بانتخابات الرئاسة في 2011 ستختلف تماما عنها في 2005 ، كما يمكن القول أن هناك حالة من عدم الاطمئنان تسيطر على كثير من رجال الأعمال والمرتبطين بالنظام ،دعت الرئيس إلى توجيه اللوم لبعضهم ممن يديرون محركات طائراتهم الخاصة ؛ ليكونوا على أهبة الاستعداد إذا حدث ما لا تحمد عقباه حسب أحد المصادر ،ومما يؤكد هذه الرؤية أن الحديث عن التعديلات الوزارية بدأ فور انتهاء فعاليات المؤتمر بإطلاق شائعات عن إبعاد بعض الوزراء الذين حظوا خلال الفترة السابقة بالرفض الشعبي التام وعلى رأسهم وزيري التعليم في محاولة يائسة لاسترضاء الشعب الذي يصر باستماتة على أن يكون خارج أوراق اللعبة السياسية ، هكذا يبدو النظام الذي احترف سد آفاق التغيير في حيرة من أمره دفعت البعض للحديث عن إيجاد بديل من داخل النظام فطرحت أسماء مثل علي الدين هلال ومحمد كمال للإبقاء على آمال الاستمرار بأي وسيلة كانت ، كما تجدر الإشارة إلى أن استعلاء وتبجح بعض قيادات الحزب مثل أحمد عز وهجومه الضاري وغير المبرر على قوى المعارضة المستأنسة كان بمثابة التمسك بأهداب الأمل في إعادة وحدة الصف داخل النظام والذي يبدو أنه تحول بالفعل إلى جزر منعزلة ، تتضارب مصالحها بشكل لا يخفى على أحد ، وترتكب من الحماقات ما لو اتفقت القوى المعارضة للنظام على تحقيقه لما استطاعوا ، لا أشك أن النظام يعيش أسوأ فتراته وأنه الآن في حالة تحلل ما تلبث أن تؤدي به إلى النهاية ، وأن وتيرة الأحداث قد تنبئ بانفراط عقد هذه الطغمة التي جثمت على أرواحنا قرابة العقود الثلاثة ، فالتغيير سنة كونية من جاهدها فهو أكبر الواهمين .

23 أكتوبر, 2009

ثغرة التحول


دعنا نسلم جدلاً أنَّ جميع آفاق التغيير في مصر قد سُدَّت منافذها بفعل فاعل معلوم ، شاء له الهوى أن يحول مصر إلى عزبة مرهونة برسم البيع أحياناً وبرسم التوريث أحياناً ،وبرسم النهب والسلب الممنهج والعشوائي دائماً، دعنا نسلم جدلا أيضاً أنَّ المصريين فقدوا القدوة والمثل الأعلى وأصبحوا يشكون في أصابع أيديهم ،ولم يعد لهم ثمة أمل في شيء ، وأنَّ جل مطامحهم أن تتدخل الأقدار بتغييب وجوه جثمت على روح مصر حتى كادت تصعد إلى بارئها – إذا لم تسلم معي بما مضى فأنصحك بعدم إكمال المقال – ونحن عندما نتحدث عن انسداد آفاق التغيير ومن ثم استحالة الإصلاح ، فإنَّه ليس من العقل أو المنطق أن نبحث عن مسالك أو دروب نسير فيها نحو الخروج من هذه الهوة السحيقة - هذا شبه مستحيل- كل ما يمكن أن نفعله أن نبحث عن ثغرة ينفذ منها بصيص ضوء ؛ حتى نهتدي به في هذه الحلكة التامة المثبتة ، وطالما أن السمكة لا زالت تصر على أن تفسد من رأسها ، فإننا لسنا معنيين بالحديث عن الرءوس ولا الأذناب – بطبيعة الحال – ولكننا مَعْنيون بالحديث عن الجسد الهامد الذي يسمونه الشعب ،وقبل أن نحاول الإجابة عن أسئلة تبحث في ضياع الحال وسوء المآل ، ولهذا أسبابه العديدة ، وطالما أننا نريد الخروج من هذه الأزمة ،علينا أن نتعامل مع فظائع الواقع بوصفها معطيات لابد لنا أن نتحرك من خلالها نحو ما نريد- لاحظ أن ظاهر العبارة يبدو صادما- فإذا كانت الآلة الإعلامية تعمل ليل نهار على تغييب الوعي العام أو تخريبه أو تزييفه – التخريب والتزييف يحدثان حين حضور الوعي على حين غرة- ويحدث ذلك من خلال تمرير مفاهيم الأنامالية والحلول الفردية وانتظار ضربات الحظ الفارقة ، مما يرَسُخَها في الأذهان ويحولها إلى حقائق ومُسلَّمات ، في ظل وجود مناخ عام من الشك والريبة والخوف من بطش كل ذي سلطان ، مما جعل جل المصريين يعانون من الانكفاء على الذات أو رفض الواقع والهروب منه إلى دروب التغييب على تنوعها ، وكان من شأن كل ذلك أن يهوى بمعدلات الثقة بالنفس عند عموم المصريين إلى أدنى الدرجات ، مما تسبب بشكل مباشر في إهدار الطاقات الخلاقة والمبدعة وحكم على غالبية الشعب بالعيش البليد وقضاء الأيام في ظل الملل القاتل في انتظار الخلاص الذي لن يهبط من السماء , أخلص من كل ما سبق إلى التسليم بأن هذا الركام من الإحباطات يمكن أن نجد فيه هذه الثغرة المبتغاة التي تمكننا من الانتقال بالوعي العام من مرحلة التخدير إلى مشارف مرحلة التثوير- على مستوى الأفكار فحسب أرجو أن يكون ذلك واضحا- فلماذا لا يتوجه كل الكتاب والمفكرين والباحثين المعنيين المؤمنين بهذا الوطن بجهودهم إلى إعادة بناء الثقة لدى الإنسان المصري ، لماذا لا يخطو المخلصون من أبناء هذا الشعب خطوات نحو إيجاد السبل من أجل تفجير طاقات هذه الأجيال الصاعدة – الهابطة فعليا- ولو من نفس المنطلق البرجماتي الذي يروج له أبواق الميديا المغرضة ، لماذا لا يكون الطريق نحو بعث الروح المصرية هو إعادة إيمان المصري بذاته ؟ ثم لماذا لا يتبنى أصحاب الخطاب الديني الأرضي و الفضائي هذا الطرح بعد أن ثَبُتَ بما لا يدع مجالا للشك أنَّ خطابهم لم يوفق في إعادة المجتمع المصري إلى حسن الخلق و جادة الصواب ؟ وإذا كان الطفل المصري هو الأذكى في مرحلة ما قبل المدرسة وقبل أن تغتال عقله مناهج وزارة التعليم ، فلماذا لا يعمل خبراء مخلصون على وضع برامج تعمل كمضدات الأكسدة للحفاظ على هذا المعدل المرتفع للذكاء . إن اعتماد منهج يقوم على توفير الطاقات المهدرة في ساحات التنظير الجدلي بين الفرقاء في مختلف المجالات سيسهم ولا شك في دفع عجلة التغيير بصورة أو بأخرى فلن يتحقق لنا أي نجاح مادمنا مصرين على قضاء الوقت في البكاء على المجد الضائع – ومتى كان لنا مجد حتى يضيع – إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سيفتح – ولا شك – آفاقا جديدة للعمل بعيدا عن روح الاستسلام التي سادت بين جموع المصريين ، وإذا كانت خطابات التحريض والتغريب والإحالة والإعزاء والانعزال والعودة إلى القرون الأولى قد سجلت فشلا ذريعا وبامتياز في بعثنا من الثُبَات العميق ،فإنَّ الحاجة تكون أكثر إلحاحا إلى وسيلة إيقاظ سريعة وناجعة ،حتى لا يصدق فينا قــــول القائل : لقد أسمعت إن ناديت حيا ولَكِن لا حياة لمن تنادي.

16 أكتوبر, 2009

رؤى مسبقة


عندما يتعين علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية ( أعترف أن الحقيقة هي وجهة نظر في المقام الأول ) والتي يمكن أيضا أن نصفها بالموضوعية - لما آل إليه حالنا من التردي والانحطاط فإن جميع السبل تذهب بنا إلى طريق واحد – ربما عدة طرق فلست دجمائيا - وهو كيف تكون طريقتنا في التعامل مع المواقف على اختلافها ؟ هل نتبصرها بإعمال العقل أم نغض الطرف عنها مفضلين عليها رؤية مسبقة تريحنا من عناء التفكير( لدي رؤية مسبقة وحاكمة أننا دائما نجنح نحو الاختيار الثاني ) في الغالب تقوم الرؤى المسبقة التي تراكمت لدينا عبر خبرات لم يتيسر لها الوقت ولا المعرفة الحقة كي تنضج وتعرف طريق الاكتمال - بدورها في إزاحة العقل أو إحكام السيطرة عليه عبر قيود صارمة تتشكل كالغيوم الكثيفة فتحجب الرؤية الواضحة أو تصيبها بالقصور الشديد على أحسن الأحوال ، وكل هذا من شأنه أن يحول الآراء إلى حقائق ومسلمات بغض النظر عما أحاط هذه الآراء من ظروف وملابسات ووقائع تباعدت ببعد الزمان والمكان ( لاحظ أنه لا أحد فينا يستطيع أن يتبرأ من هذه التهم ) ، ولا تقف تلك الرؤى بمفردها منبتة الصلة عن موروثها الموغل في القدم وهي تنزع إلى تلك الحالة المرضية من الحزن على ما مضى مع الحنين الشــــديد إليه ومن ثم البكاء والعويل عليه ( نوستولوجيا ) فلك أن تتصور نفوسا تقعي على حالها من التخبط بين آساها على ما فات وبين رفضها لراهنها البائس ، كيف يكون تعاملها مع ما يطرأ على واقعها من متغيرات ، هنا لا سبيل إلى البحث عن حلول ،وليس ثمة ما يطرح سوى إرجاء أو إعزاء وكلاهما- في الحقيقة- لا حاجة لنا إليه ،فأما الإرجاء فهو تلك الحالة الإحالية التي نحياها ونبحر فيها مستقلين قوارب التسويف التي نأمل أن تحركها رياح الأمل الراكدة " فلا نأيها يسلي ولا أنت تصبر" ، وأما الإعزاء فهو تخفف من أثقال التسبب والتعلل وإلصاقها بالآخرين ( لاحظ أننا جميعا نتقن ذلك ) ؛ لذا تتحول أبسط مشكلاتنا إلى طلاسم تستعصي على الحل. وكان الحل كما اعتقد البعض في تأليه العقل( هكذا مرة واحدة ) مما جعل الكثير من محاولاتهم تبدو سقيمة ومجانبة للصواب ، فباعتماد العقل مرجعا واحدا أحدا ، ندفع به ليقف عاريا في مواجهة الأحداث ، مستعيدا بدايات الانطلاق نحو قراءة متبصرة للواقع ، متصورا أنه ليس ثمة حدود يمكن أن تحده بينما هو قاصر عن تحليل الكثير من الظواهر ، وفي ظل هذا الغرور تقترف أبشع الجرائم الفكرية حيث يتم تجاوز الفعل إلى القول وفي مرحلة تالية يتم مجاوزة القول ذاته إلى ما وراءه ،وليس وراءه سوى التيه والحيرة والتخبط بين الاحتمالات التي لا تنتهي ،فتتعدد الرؤى المنتقصة دون الوصول إلى حقيقة ،بعد أن نقتل الأحداث بحثا ، وندفنها في أكفـــان التحليـل الجدلي – يبدو أن الجنوح نحو الاكتمال أمر لا مناص منه رغم صعوبة ذلك - وهذه مصيبة نعاينها في واقعنا بشكل لا يمكن تصوره فحتى الأفعال التي تنطوي على أسمى المشاعر الإنسانية يمكن أن تفسر عبر رحلة جامحة من التفسيرات والتأويلات بأبشع ما يمكن أن يتصوره عقل ، فيجهد العقل في البحث عن الدوافع والغايات ويهمل الحدث ذاته ، وكأنه عارض لا يجب الالتفات إليه بينما هو في الحقيقة ذروة الأمر ، إن إعمال العقل في ما مضى من أحداث أمر مطلوب ، بشرط ألا تتحكم فيه الرؤى المسبقة القائمة على روح العداء التي ترى أن الأزمة الراهنة هي نتاج تراكمي لإخفاقات الأجيال السابقة ،وكأننا مبرءون من كل إثم - وبشرط ألا يكون مانعا من استشراف المستقبل والعبور إليه عبر طريــق واضحة تفهم الواقــع وتلبي حاجاته وتحافظ على أواصـــر الصلة بينه وبين المستقبـل – إذا كانت لديك رؤى مسبقة برجاء مراعاة الاشتراطات السابقة- وإذا كنا لا نري أي أمل في الإصلاح إلا من خلال إعمال العقل والتزام المنهج العلمي ، فإننا نرى أيضا أن ذلك لا يجب أن يتحول إلى مخاصمة للتراث والتاريخ باعتبارهما ماضيا لابد من نبذه ونسيانه وذلك بعد تمزيقه وإلصاق كل نقيصة به معتبرين ذلك سبيلا إلى التقدم ؛ اقتداءً بالعقل الغربي الذي تجاوز محنته الخاصة مرات وتعثر مرات وتراجع مرات – خاتمة لا بد منها - بما لا يقاس مع محنة العقل العربي التي لا تعدلها محنة ،والتي هي عند الحل تتأبى على الوارد والوافد وتطلب حلا أصيلا يراعي الخصوصية ولا يخاصم الواقع . فهل تجد ؟ أنا شخصيا أشك .

18 أغسطس, 2009

لا شكر على واجب

إنك لا تورد فرسك نفس النهر مرتين، مثل قديم يضرب للدلالة على استمرار الحياة وجريان مياهها وتغير صروف الدهر على أهلها ، كل ذلك مما يدعم الأمل في النفوس ويزيح حجب اليأس القاتمة ، اللهم إلا هذه الأوثان التي تأبى بكل غطرسة واستعلاء إلا أن تحطمها فأس إبراهيم . من حق لجنة شئون الأحزاب ورئيسها العقيد صفوت الشريف ومن معه أن يرفضوا قيام حزب الوسط ، بل أقول أن هذا واجبهم الذي لا يستطيعون منه فكاكا ، من حقهم أن يحاولوا إيقاف عجلة الزمن ؛ أملا في أن يطول بهم الأمد جاثمين على أرواح المصريين إلى أبد الآبدين ، من حق هؤلاء وغيرهم أن يطفئوا أي نور يبزغ في حياة المصريين ؛ليستمر ظلامهم وظلمهم إلى أن يشاء الله ، والحقيقة أن اللجنة الموقرة التي أقرت رفض الحزب هي أدرى بالحياة السياسية المصرية ، وهي أكثر دراية بالأحزاب القائمة ؛ ولذلك فقد رأت اللجنة أن قرار الرفض هو الأنسب ، إذ أن وجود حزب حقيقي يملك الرؤية الواضحة ، وآليات التنفيذ المجدية والكوادر الفاعلة هو بمثابة السماح للحقيقة أن تظهر في عالم كامل من الأكاذيب والأوهام ، والحقيقة أن أسباب الرفض التي ساقتها اللجنة هي دليل اتهام وإدانة للقائمين عليها ،و إلا فلتذكر لنا اللجنة جوانب التميز التي رأتها في أكثر من عشرين حزبا تمت الموافقة عليها لا يسمع عنها أحد شيئا ولا وجود لها إلا في أوراق اللجنة وبعض الصحف التي لا يقرؤها أحد ، وإذا كان هذا الجهد يصعب على أعضاء اللجنة الموقرة كونهم جميعا ممن تخطوا السبعين ، فليذكروا لنا بعض جوانب التميز في برنامج الحزب الوطني الديمقراطي ،وأعتقد أن هذا لن يكون عسيرا ،فالسيد العقيد رئيس اللجنة هو نفسه ويا للمصادفة أمين عام الحزب الوطني ، وإذا كان وقته الثمين لا يسمح ،فعليه أن يرجع إلى تقارير المنظمات الدولية التي تشيد بالحزب وبرامجه وإنجازاته التي أحالت حياة المصريين إلى جحيم لا يطاق لتحتل مصر المركز 57 من بين 60 دولة في تقرير البؤس العالمي من حيث معدلات البؤس والشقاء والتخلف والفقر. فياله من تميز يحسد عليه الحزب ويغبط عليه رجاله الذين لا هم لهم سوى إسعاد المصريين ، ولكنهم للأسف لم يفلحوا في ذلك رغم تميز برنامجهم الحزبي وتوفر حسن النية إذ يشير تقرير الحالة النفسية إلى أن 20 مليون مصري مصابون بالاكتئاب. وينتحر منهم سنويا 1200 مواطن يعيش منهم 43.5 % في القاهرة الكبرى ، وبسبب تميز حزب السيد العقيد يعيش 45% من المصريين تحت خط الفقر ويحصلون على أقل من دولار في اليوم (لجنة الإنتاج الزراعي بمجلس الشورى). وطبعا كل هذا التميز وغيره لا يتوفر في برنامج حزب الوسط ، وهو لا يستطيع إن خرج إلى النور أن يحقق مثل هذه الإنجازات فكيف تقبله لجنة العقيد صفوت الشريف والذين معه ، أما عن تميز الحزب الوطني في مجال إهدار المال العام ،فلا تتحدث إذ أن الأمر كله لا يجلب الحرج فحسب ، بل يجلب الجنون أيضا ففي الفترة من أبريل 2008 إلى يناير 2009 بلغ حجم ما تم إهداره بسبب استشراء الفساد في الجهاز الإداري للدولة المصرية المتميزة ما مقداره 39 ملياراً و373 مليوناً و524 ألف جنيه(تقرير عام 2008 لمركز الدراسات الريفية). إن هذه اللجنة والمنتسبين لها والمنتفعين منها ومن لف لفهم يستحقون الشكر والتقدير على ما بذلوه من جهد للحيلولة دون ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية والحزبية في مصر ، والتي عانت الانسداد التام منذ ما يقرب من ثلاثين عاما ، وما كان مطلوبا منها أن تفعل غير ذلك ، إذ أنها تؤكد بذلك انتماءها لهذا النظام الذي دأب قرابة الثلاثة عقود على حرمان المصريين من حق الحياة نفسه ، فكيف نطلب منهم أن يعيدوا شيئا من الروح إلى الحياة السياسية ... أما عن ما ساقته اللجنة من تعارض أفكار الحزب مع أحكام الدستور والقانون فلن أزيد على أن النظام المصري ممثلا في حزب الحكومة وحكومة الحزب هو من أعاد صياغة الدستور ليوافق أفكار وأهواء ثلة من الطامحين والطامعين ومحتكري أرزاق الخلق ،أما عن أحكام القانون ، فالعقيد صفوت الشريف ولجنته الموقرة يعلمون جيدا عدد الأحكام القضائية النهائية التي ضربت بها سلطتهم التنفيذية عرض الحائط .. مما ينسف أسباب الرفض من أساسها .... لكن هذا هو جهدهم ،وهذه هي كفاءتهم ،فماذا ننتظر ؟

15 أغسطس, 2009

مصر التي أرادوا


برتابة شديدة وبطء قاتل تسير وتيرة التغيير في مصر ، ولهذا أسبابه الموضوعية المتعددة بدءًا من الموروث الثقافي المصري الذي يُزَهِّد في فوائد التغيير ،ويراه شرًا مستطيرًا وليس انتهاء بما تروِّج له الآلة الإعلامية الرَّسمية من خطورة الإصلاح الجذري على الشَّعب الذي ربما يصاب بصدمة عصبية جراء ذلك ، ولأن العصر الذي نعيشه هو عصر( الميديا ) بكل ما تعني الكلمة كان لابد من العمل الدءوب على توفير المناخ المناسب الذي يرى الشعب من خلاله كيف يصبح الركود استقرارًا ، وكيف تصبح الخيبة وقلة الحيلة والعجز صنوفاً من الإدراك الثاقب والحكمة المصفاة، وكان من المهم أيضًا أن تشيع بين النَّاس روح اليأس ، مع الإبقاء على بصيص من الأمل تكرِّسه الحلول الفردية وضربات الحظ الفارقة ، والحقيقة أنَّ ما تقوم به هذه العقول العابثة من أفاعيل تستهدف في المقام الأول تزييف الوعي الجمعي للمصريين ، وإجهاض كل محاولة مخلصة للتغيير وتسهب في سبيل ذلك في شرح أسباب التردي الواسع النطاق الذي شمل البلاد والعباد ، مرجعة ذلك كله إلى أمور قدرية لا يد لأحد فيها ، وأنَّه لولا هؤلاء النفر من المسئولين الذين قَيَّضَهُم الله لهذا البلد لكنَّا في حال أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن ؛ هذه العقول البائسة لن تفلح في مسعاها طالما أنَّ السمع لا يغني عن البصر ، وأن من رأى الظلم ليس كمن اكتوى بناره ، إذ أن ما يلقون على أسماع الناس من أباطيل لا تقنع طفلاً ,لا تَلْقَى من الناس إلا كل سخرية ، ونسمع كثيرًا تساؤلات المواطنين : عن أي بلد يتحدث هؤلاء ؟ هل حقاً يتحدثون عن مصر ؟ والحقيقة أنَّ هذا دأب مدمني الانكفاء على الذات ومحبي الاختزال ،فتصبح مصر كلها مختصرة في القرية الذكية ، ويصبح الشعب المصري بملايينه الثمانين مختزلا في ثلة المحبين للنجل الذين ينامون ويصحون على حلم التوريث- راجع آخر تصريح لقداسة البابا شنوده- هذا الحلم الذي يخالف طبيعة الحياة الرتيبة في مصر ويسير بسرعة الصاروخ نحو التحقق ، منحياً من طريقه كل عقبة كْأدَاء ،حتى لو استلزم ذلك أن تصبح مصر كلها مؤجلة حتى إشعار آخر برسم انتقال السلطة من الأب إلى الابن ، وإذا كان هذا السيناريو التعيس هو الوحيد المطروح الآن ، والوحيد أيضًا الذي تتجلى كافة أبعاده ومراميه ، في مقابل سيناريوهات الفوضى ، وحكم دعاة الدولة الدينية ، يصبح هو السيناريو الأقرب لظروف الوطن المأزوم ، وبه يتحقق الحد الأدنى من الخسائر ، ولا حديث هنا عن المكاسب ، لأنَّه حتى المتفائلين من فئات المعارضة الهامشية يقرُّون أنَّ ما أحدثه العصر المبارك خلال ثلاثين سنة لن يُخَلِّف سوى تركة الخراب وقسمة الغرماء ، هكذا يتم تدعيم الفساد بزراعة اليأس في النفوس ، بعد أن تقلصت الرقعة الزراعية في مصر منذ 81 بمقدار الثلث ، على الرغم من ذلك فقد حققت زراعة اليأس نتائج غير مسبوقة ، فليس من سبيل للنجاة إلا أن يتعلق المواطن بأمل عضوية الحزب الحاكم ،حتى يلقى علاجاً متميزًا حسب تصريحات السيد الأمين العام ، ولا يلومن إلا نفسه بعد ذلك إن هو أعرض أو نأى بجانبه ، وليس من سبيل إلى مواجهة هذا الطوفان إلا أن تتضافر الجهود المخلصة لإيقاف هذا المد العاتي الذي آل القائمون عليه على أنفسهم تمرير هذه الجريمة النكراء ،لتدخل البلاد في مرحلة أشدَّ إظلامًا لن تخرج منها إلا أن يشاء الله ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيقاظ المصريين من غفوتهم ؛ ليقدموا تضحياتهم على مذبح الحرية التي لا توهب بل تنتزع انتزاعًا ، وسيتكفل هؤلاء البائسون الذين غرَّهم طول الأمد بدفع الثمن الباهظ عن ثلاثين سنة من القهر والاستبداد والانكفاء أمام أعداء مصر ، حتما سيدفعون الثمن وسيذيق الله بعضهم بأس بعض ، فحتى رءوس بعضهم لا يضنون بها ، إذا كان الثمن هو بقاؤهم ، وسيقول بعضهم لبعض وقتها ،إنما أكلنا يوم أكل الثور الأسود ، وهو ثور معروف للكافة قدمت رأسه مقابل الإبقاء على استثمارات تقدر بمليارات الدولارات ، قدموه ولم تطرف لهم عين ، وغدًا يقدمون للمحاكمة لينالوا جزاءهم الرادع ... وإنَّ غدًا لناظره قريب .

09 أغسطس, 2009

المتلاعبون بالقامات

أكدت دراسةٌ موثَّقةٌ قام بها باحثون في معهد بحوث الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية أنَّ 38% من المصريين يعانون من التقزُّم الغذائي ، وهو قصر القامة المرتبط بسوء التغذية ، معنى ذلك أنَّ المصريين في طريقهم ليكونوا شعبًا من الأقزام ، وتبعًا لنظرية المؤامرة التي نحب جميعًا أن نرجع إليها كافَّة الأحداث والظواهر والمصائب السوداء التي تحيق بحياتنا في هذا العهد السعيد ، فإنَّنا أمام مخططٍ خارجي - أو داخلي أصبح كلاهما سواء – يهدف إلى تقزيم الشعب المصري ،بعد أن تقزَّم دوره فعليًا في كافَّة مناحي الحياة تمهيدًا لإدخاله مُتْحَف التاريخ البيولوجي ؛ لتخلو مصر بعد ذلك للعمالقة من أمثال الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء – أطال الله قامته - والحقيقة أنَّ النَّظام المصري إذْ يسعى إلى ذلك سعيًا حثيثًا ، يكون قد دخل في مرحلةٍ حاسمةٍ ألا وهي إعادة الاتساق إلى شكل الحياة في مصر ،لتصبح القامة القصيرة للشعب هي السمة الغالبة ،بينما تصبح القامة المديدة من نصيب حكامه والمتحكمين فيه ، وبالطبع فإن هذا يكرس للمفهوم الذي روَّج له النِّظام كثيرًا على اعتبار أنَّ السعي للوصول إلى سدة الحكم هو تهمة يتهم الناس بها ويحاكمون بشأنها أمام المحاكم العسكرية ، إذ أنَّ هذا السعي هو في حقيقته حكرٌ على أصحاب القامات المديدة ، ولعلَّ من مميزات هذا الفرز الجيني ألا يَحَار رجال الأمن في معرفة هُوية الشخص محل الاشتباه ، وهل هو من عامَّة الشعب أم من السَّادة ؟ وما سيصاحب ذلك من إجراءات بسيطة تتلخص في فحص حذاء المشتبه به من حيث كونه كعب عالي أم لا ، ومن الطريف في الأمر أن تسوق الدراسة الجادة أسباب هذا التَّقَزُّم إلى اختفاء الرِّضاعة الطَّبيعية والوجبات المنزلية لطفل ما دون السادسة ، والاتجاه العام لدى أطفال المصريين لتناول الشيبسي والوجبات السريعة خارج المنزل ،مما يعكس إدانةً جديدةً لنمط الاستهلاك الغربي الذي أصبح سائدًا في المجتمع المصري ، وليس في وسعنا – طبقًا لنظرية المؤامرة أيضًا – أن نُخْلِي مسئولية النظام المصري من الترويج لثقافة الاستهلاك عبر وسائل إعلامه الرائدة في الترويج لكل ما هو غثٌ وبعيدٌ عن قيمنا وثوابتنا الثقافية والوطنية ، وليس من نافلة القول أن نؤكد على أنَّ هذا الاتجاه لدى النظام المصري ،ربما يكون من بواعثه الحدُّ من الزيادة السكانية ،إذ تؤكد الأبحاث الطبية أن قصار القامة أكثر عرضةٍ للإصابة بالأمراض ،ناهيك عن قصر أعمارهم بالمقارنة بأصحاب القامات المديدة ، وربما يكون من مميزات هذا الفرز الجديد أن يقضي على جميع أشكال التمييز التي تضرب بنية المجتمع المصري في مقتل ، وسيكون من ثماره اختفاء الطائفية والاستقطاب السياسي والأيدلوجي ، وفي ظل هذا كله يصبح الحديث عن التغيير أو الإصلاح السياسي أو تداول السلطة من قبيل العبث ، إذ ستنحصر الاختيارات في ثلة من المسئولين مديدي القامة ،حسني التغذية ، والذين سوف يولون البلاد والعباد الرعاية والعناية ،بوصفهم طيورَا محلقةً ترى الوطن من علٍ وتسبر أغوار خباياه بيسر وسهولة ، كما أن مواجهة الاحتجاجات الفئوية و الشعبية لن يكون من الصعوبة بمكان ، كما أن التأثير على الوعي الجمعي للشعب سيصير فاعلا ًبدرجةٍ كبيرةٍ ،إذ ستتلقاه الجموع تلقي الوحي المنزل ، إلى هذه الدرجة هم ناقمون على هذا الشعب ، إلى هذه الدرجة تؤلمهم نكاته ، ويغضبهم صبره وصموده ، ماذا سيصير الحال إذا بالغ الشعب القزم في غفلته ؟ هل سيرجعون عنه ؟ هل سيكفون عنه أيدي تدبيرهم و تآمرهم ؟ لا يمكن أن يحدث ذلك فلقد تبدت وجهة نظرهم واستبانت رؤيتهم ،إنَّ معركتهم غير المتكافئة مع شعب مصر هي صراع وجود ، يرون أنَّ بقائه يشكل عبئًا لا يمكن تحمُّله ، وأنَّ زيادة عدده كارثة لا توصف حسب تصريحات السيد جلفر الذي هو بحسابات التاريخ يعيش في بلاد العمالقة وبحسابات الواقع المأمول يعيش في بلاد الأقزام ، ولكن ورغم كل هذه التدابير ، إلا أنَّ أولي الأمر قد خفي عليهم أمورٌ كثيرةٌ ، ربما تحبط كيدهم ، منها أن الإنسان يزداد مكرا كلما اقترب من الأرض ، وأنه يصبح أكثر شراسة وعدوانية كلما كان خصمه أطول قامة وأكثر عدة وعتادا ، كما أن سبل الكر والفر تكون أيسر لذوي الأحجام الضئيلة ، كل هذه الظروف المناوئة تفجر لدى الإنسان طاقاته الكامنة ،وتزيد وعيه بالعالم من حوله ، فيصبح أكثر إيمانا بالحياة وأشد حرصا عليها ، وربما تكون بارقة الأمل الذي انتظرناه طويلا ،دعوة تخرج من مكان قصي يلتف حولها شعبنا العظيم : يا أقزام مصر : اتحدوا .

03 أغسطس, 2009

إنقاذ مصر

دعا المرشد العام للإخوان المسلمين عقلاء الحكومة والحزب الوطني إلى لعب دور في وقف الحملة الموجهة من قبل النظام ضد الجماعة ، وكانت الجماعة قد دعت شرفاء المصريين للحوار والتعاون من أجل مصلحة مصر ، وكان فضيلة المرشد قد وجه رسالة إلى معتقلي الجماعة جاء فيها أن أعضاء الجماعة اعتقلوا لتحقيق أهداف صهيونية أمريكية غربية تتمثل في تصفية القضية الفلسطينية، وتمرير المشروع الغربي القائم على الانفلات من الأخلاق والدين. جرت كل هذه التصريحات والدعوات خلال الأيام القليلة الماضية واللافت للنظر في تصريحات فضيلة المرشد أن هناك تضاربا واضحا بين اتهام النظام المصري بتنفيذ أجندة صهيوأمريكية متمثلة في اعتقالات أعضاء الجماعة ودعوته عقلاء الحزب والحكومة إلى لعب دور لوقف هذه الحملة ، وتزامن ذلك مع الدعوة التي وجهتها الجماعة إلى الشرفاء من أبناء مصر للحوار والتعاون من أجل مصلحة مصر فيما عرف إعلاميا بالدعوة لإنقاذ مصر ، وهنا يبدو الخلط واضحا بين ما يتهدد الجماعة من أخطار وما تعانيه البلاد من أزمات بسبب سياسات النظام المصري ، ويبدو واضحا أن جماعة الإخوان المسلمين لازالت وإلى اللحظة الراهنة تتمتع بممارسة لعبة التماهي في الدين والوطن بوصفهما كيانات يمكن دمجها في الجماعة بحيث يصبح الهجوم على الجماعة هو هجوم على الإسلام ، وتصبح الاعتقالات التي تستهدف أعضاء الجماعة هي لتصفية القضية الفلسطينية ويصبح إيقاف الحملة الموجهة لقيادات الإخوان هو السبيل لإنقاذ مصر ، وهذا إنما يسترعي انتباه الكافة إلى حجم الالتباس في فكر الجماعة ومنهجها ، وهذا ما أكده الدكتور عصام العريان في قناة الجزيرة عندما صرح أن عقلاء النظام المصري – الذي رفض أن يسميهم – مبعدون عن مراكز صنع القرار المحتكر من قبل جماعات المصالح ورجال الأعمال المقربين من نجل الرئيس ، مما يؤكد أن الحديث عن عقلاء النظام هو حديث يفتقر إلى الموضوعية ،وإن كان لا يخلو من طرافة ، فالنظام المصري الذي دأب على وصف الجماعة بالمحظورة عبر وسائل إعلامه المختلفة لم يتورع عن مغازلة الجماعة وخطب ودها في كثير من المواقف ، في مقابل ذلك التزمت الجماعة الصمت لوقت طويل تجاه الجدل الدائر حول قضية توريث السلطة في مصر ، إلى أن أعلن الدكتور محمد حبيب النائب الأول لفضيلة المرشد ((أن الإخوان المسلمين لن يعارضوا سعي جمال مبارك إلى المنصب إذا ترافق ترشيحه مع إصلاحات مثل إلغاء قانون الطوارئ وإعادة الحريات المدنية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وهي شروط قال حبيب إنه ليس من المرجح أن تفي بها مصر)). وكان الدكتور حبيب قد صرح أن خوض مواجهة مفتوحة مع النظام بشكل منفرد هو أمر تستبعده الجماعة ، ويبدو واضحا أن الجماعة تلتزم خطا يحافظ على تصنيفها كجماعة معارضة في الشارع مع الحفاظ على شعرة معاوية بينها وبين النظام والذي لا يطمح بدوره إلى إنهاء وجود الجماعة لما تمثله من قوة داعمة لبقائه واستمراره بوصفها البديل الأسوأ للنظام من وجهة النظر الصهيو أمريكية ، كما أن اختصار جميع البدائل في الجماعة يعد هو الاختيار الأكثر يسرا لقوى الداخل التي تستدعي التاريخ الدموي للإخوان بمناسبة وبدون مناسبة ، مما يؤكد أن العلاقة بين الإخوان والنظام لن تشهد حسما على المدى القريب ؛ لكون كلا الطرفين ملتزمان إلى حد كبير بشروط الصراع وآلياته ، مع وجود هامش للمناوشة بين الطرفين يوهم بالحراك ويستدعي حيوية غير حقيقية للمشهد السياسي الراكد ، وليس بعيدا عن كل ما سبق أن نستعرض موقف الجماعة من اعتقال اثنين من كبار أعضائها وهما المهندس خيرت الشاطر والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ففي حين أقامت الجماعة الدنيا ولم تقعدها لاعتقال المهندس خيرت الشاطر ، تعاملت الجماعة مع اعتقال الدكتور أبو الفتوح بفتور ، حتى تقوَّل البعض كلاما مرسلا عن نجاح الجماعة في التخلص من أبو الفتوح الذي استطاع خلال الأعوام القليلة الماضية استقطاب الكثير من شباب الجماعة نحو رؤية إصلاحية أكثر انفتاحا على الواقع ، وأذكر أن الرجل كان قد صرح أنه لم يعرض عليه برنامج حزب الإخوان ،وأنه كان قد قرأه كغيره على أحد المواقع الإلكترونية ، إن موقف الجماعة من كلا الرجلين ومن اعتقالات أعضاء الجماعة ومن الدعوة التي أطلقها المرشد يؤكد استعداد فضيلته ومن معه للعمل بكل قوة لإنقاذ مصر بشرط أن نتفق ضمنيا أن اسم مصر هو الاسم الحركي لجماعة الإخوان المسلمين .

07 يوليو, 2009

هكذا تموت الأشجار


تدفعك أمور كثيرة لا يمكن حصرها للكتابة عن الدكتور عبد الوهاب المسيري ، وتدخلك ذات الأمور متاهة الحيرة ، ومكمن الحيرة هنا عن أي جانب من جوانب هذه الشخصية ستكتب ، فأنت أمام عالم موسوعي أعاد صياغة كثير من الأفكار التي استمرت لزمن طويل ، حتى رسخت في الأذهان وهو أيضا تلك القامة الشمَّاء التي أعادت للمصريين الأمل في مواجهة جبال اليأس والتأزم التي أرساها نظام ناصبهم العداء على مدى قرابة الثلاثة عقود ،حين نزل إلى الشارع وقاد الاحتجاجات والمظاهرات متناسيا حالته الصحية الخطرة ،ضاربا المثل للمثقفين الذين أدمنوا سكنى الأبراج العاجية ، كان الرجل بإيمانه الفلسفي العميق وبروحه الوثابة استثناء يجل عن الوصف ، ويتأبى على الحصر يصنع البهجة أينما حل ويدهشك بعفويته التي تثبت لك أن هذا الشيخ لم يغادر أرض طفولته بعد ، تدخلك إحدى عباراته الرشيقة إلى عالم من الوجد المعرفي لتعيد قراءة نفسك من جديد ، فتراه وهو الباحث الأكاديمي المرموق يخاصم المعلوماتية ،و يقاوم الذئاب الهيجلية ، ويخلق نماذجه الإدراكية والتفسيرية ويوضح الفرق بين الموضوعية و الموضوعاتية ،وهو في خضم ذلك لا يفوته أن يرفه عن روحك باستعراض أزمة الشخصية المصرية الممزقة بين أصالتها وحداثتها في تحليل فارق لفيلم سبعيني أو أغنية مصورة ، ويجيب عندما يسأل ماذا بقي لديك من الماركسية ؟ لا شيء وكل شيء ، فيجعلك بجملة كهذه تخلع نظرتك الحدية وتضعها جانبا ؛ لتعيد تقييم التجربة بعين الإنصاف ، ويقول : لو خلقت فلاحا في حقل أو حتى كناسا لمارست عملي بنفس الدرجة من الإتقان والمتعة ، فالكتابة التي تقوم على الإخلاص للمبدأ لا تمنح الكاتب فخرا ولا تورثه تعاليا ،بل تدفعه دفعا ليكون بين آحاد الناس ، ليحتفظ ببراءته ودهشته تجاه الأشياء الجميلة حتى آخر أيام حياته والتي كان فيها صانعا ماهرا للأمل والتفاؤل ومحاربا مجيدا لكل صنوف اليأس والقنوط ، قطع المسيري رحلته الفكرية كما أسماها عبر محطات جسدت إيمانه العميق بالإنسان الذي هو مركز الكون وظل منشغلا بهذه القضية منذ بداياته الأولى وتفتح وعيه على الفكرة الفلسفية التي قامت على اعتبار أن الإنسان مقولة مستقلة عن العالم ، قال الدكتور المسيري عن هذا الأمر أنه عندما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤيا المنامية سأله هذا السؤال : هل الإنسان هو مركز الكون ؟ وكانت الإجابة بنعم . لا أكون مغاليا إذا زعمت أن ذروة عطاء الراحل العظيم من وجهة نظري تكمن في ما كتب عن منهجية الأبنية المعرفية الإنسانية ، وعوامل التغير والثبات فيها ، وما تخضع له هذه الأبنية المعرفية من تأثيرات التضليل والتعمية ، فعل الدكتور المسيري ذلك من خلال تشريح دقيق للأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية ،وعصور استنارتها المظلمة ،وتحررها من القيم ، وانتهائها إلى معاداة الإنسان ودخولها تيه ما بعد الحداثة ، كما كانت رؤية المسيري لإشكالية التحيز محاولة أخرى من محاولاته لاستقراء أهم الأسباب والدوافع التي حدت ببعض مفكري الغرب إلى تبني فكرة صدام الحضارات ونهاية التاريخ ، واعتماد مبدأ العداء في التعامل مع العرب والمسلمين ودعم الأنظمة الاستبدادية ؛ لنخلص من ذلك إلى أن العقل الغربي لازال يعيش أسيرا لعقلية السيد المسيطر على كل شيء ، والذي لا يرى في الآخر إلا عبدا ينتظر الإحسان من سيده ، قدم الدكتور المسيري خلال رحلته الدنيوية أجل الخدمات للبشرية ، والتي ربما ستحتاج منا إلى وقت طويل حتى نستفيد منها بالقدر الذي يرضي هذا العالم المجدد الذي كانت حياته بتقلبات صروفها أبلغ تعبير عن رحلة الإنسان الحقيقي لبلوغ الإجابة عن تلك الأسئلة المصيرية التي يعرض عنها كثير من الناس ، ولا ينشغل بها إلا من كان في قامة المسيري ،فيفتح الله به أفئدة دأبها معرفة الحق و اتباعه ، ويضل به قلوبا غلفا لا تمل اتباع الهوى وإن طال بها الزمن ... رحم الله العالم عبد الوهاب المسيري وجزاه عنا خير الجزاء .