الخميس، 29 أبريل، 2010

مصر التي في الترانزيت

مدهشة هي تلك الحالة التي تعيشها مصر هذه الايام ،إذ تتجلى فيها حقائق الحاجة الملحة إلى الانتقال إلى فترة تالية دون أدنى قدرة حقيقية تدعم هذا الانتقال ، بينما تشتد الرغبة نحو التغيير ، تتزايد وبشكل مطرد تلك المؤشرات التي تلمح إلى أنه لا سبيل إلى التغيير- اللهم إلا للأسوأ - وكأن مصر المرتهنة منذ عقود قد ألفت –حد الوله- ضياعها وانكسارها وتقلص دورها ناهيك عن بؤس أحوال شعبها ، ولا شك أن عامل الوقت يشكل عنصرا مهما في معادلة الاستبداد المنغمس في الفساد والرابض حتى آخر الأنفاس فوق جثة هذا الوطن التعيس ، فعامل الوقت الذي يترتب عليه بفعل التقادم حالات من الاعتياد ما تلبث أن تتحول إلى حالة من التبلد واستمراء الهوان، يدعم وبشكل حاسم بقاء نظام الرئيس مبارك جاثما فوق أرواح المصريين إلى أبد الآبدين ، ولاتمثل عوامل الانهيار الداخلي وانعدام كفاءة أعمدة النظام قيمة تذكر في المعادلة ، طالما حافظ هؤلاء على القدر المعقول من مساحيق التجمل التي تزري بهم أكثر مما تجمل ، معتمدين على كريم الخصال التي يتمتع بها الشعب المصري والتي تجبره على تقبل أبشع الأكاذيب من باب أنهم وإن دأبوا على الكذب والتزييف ،فلربما كانت لديهم بقية من حياء تحول بينهم وبين التبجح ، ولعلها تردعهم يوما عن غيهم الذي هم فيه سادرون ،إذن فقد تشيع هذه الأكاذيب التي لايتوقف المسئولون في هذا البلد عن ترويجها حالة من الرضى في نفوس المصريين ،وتلهمهم حالة من الوجود غير الاعتباري ، وتسهم إلى حدكبير في التخلص من مخزون الغضب الشعبي ، وبهذا لا يحدث التراكم الذي يؤدي غالبا إلى الثورات الشعبية ،في هذه الحال تبقى كل أشكال المعارضة الحقيقية لنظام الرئيس مبارك دربا من دروب التمني أقرب منها إلى الفعل الجاد ،مما يدفع النظام إلى تجريب كافة اشكال التصدي لهذه المعارضة بدءً من المنع البات مرورًا بالسماح الحذر، وليس انتهاء بالتلويح بالقتل المجاني ، طالما أن الوقت في صالحهم والملعب ملعبهم،وتبدو أحيانا عمليات التجمل التي يقوم بها نظام الرئيس مبارك مكلفة وغير ذات جدوى في بعض الأحيان، وبل وغير قابلة للتسويق على المستوى الدولي ، فيسفر عن وجهه القبيح متذرعا بأن الشأن الداخلي خط أحمر لن يسمح بالتدخل فيه ،لأي من قوى المجتمع الدولي ، بالرغم من أنه ضالع وبشكل فاضح في كم من التنازلات لا يقبل به عاقل مهما كانت درجة غبائه واستبداده ، يصاحب مثل هذه الممارسات – دائما- ظواهر صوتية تصدر عن الكتبة وحملة المباخروقوادي المرحلة ، تتغنى بأزهى عصور التصاوت المجاني في فضاء الصمم النظامي ، مما يثير الشفقة ويؤكد أن نظام الرئيس مبارك ليس السبب الأهم في كارثة الأمة المصرية فحسب ، بل هو أحد مشاهد هذه المأساة المروعة بامتياز،حتى عندما يتساقط قاتلوه ومهربوه ومقامروه ومحتكروه ومهرجوه ، فإنهم يبدون في حالة تثير الرثاء بحق ، ويبدون أيضا كجزء لا يتجزأ من فصول المسرحية الهزلية التي يعرضها النظام بهدف الإلهاء والتسلية وتزجية أوقات الفراغ ، فما السبيل ؟ تبدو مصر في هذه الظروف المأساوية كالمسافر الذي فقد كل أمل له في تحديد اتجاه رحلته ، وضاعت أمتعته وجواز سفره وتذكرته ، فظل مصلوبا في صالة الترانزيت ، نعم إذا كان الزمن الذي تغنى فيه المصريون بـ (( مصر التي في خاطري وفي فمي )) قد مضى وانتهى ، فحق لنا نحن أبناء هذا الجيل أن نتغنى بـ (( مصر التي في الترانزيت )) مصر التي فقدت بوصلة تحديداتجاه المستقبل ، وهي أيضا التي لا تدري من تفاصيل حاضرها شيئا ، مصر الغائبة بامتياز ، والمريضة بداء الاستبداد الذي لا يُبْرَأ منه ، ولا يقضي عليها ، ولا من سبيل سوى انتظار الأقدار التي تبخل بالمجيء ،وإن كانت تناور بسقوط العديد من عمد النظام بفعل الفناء الذي لا يعتبر به أحد .

هناك تعليق واحد:

الكحيان يقول...

الأستاذ ماهر الشيال تحية طيبة... الأمور ليست بالسوء كل ما في الأمر أن حالة التكلس والبلادة التي وصل إليها الشعب من تراكم الاستبداد جعلت الرؤية غائمة لدى الشعب فهو يظن أن النظام قوي وعفي باطش ولا يدري أن النظام في الرمق الأخير يحتاج إلى أشخاص عاديين يلقون حجرا في اليم للتنبيه أو دويبة صغيرة تنهش الذرة الأخيرة لتؤكد لهم أن المتكئ على العصا فارق الحياة من أمد بعيد. الكرة في ملعب الشعب والجهد المطلوب والتضحية المطلوبة لن تكون أفدح مما قدم