الجمعة، 25 ديسمبر، 2009

الجدار الفولاذي

يبدو أن هناك حمى أصابت النظام المصري يمكن تسميتها بحمى بناء الجدر ،على اختلاف أنواعها ، فبعد أن ساهم نظام الرئيس مبارك في بناء الجدار العازل الذي أقامه الصهاينة لحماية مناطق الوجود الصهيوني في الضفة الغربية ، وذلك بتقديمه للحديد والأسمنت المصري بأسعار لا تقبل المنافسة ، ها هو ذا يتطوع مأجورا ببناء الجدار الفولاذي على الحدود المصرية مع قطاع غزة ، مما يؤكد أن النظام المصري يسعى إلى تبني سياسة بناء الجدر حتى تصبح لمصر شهرة عالمية فيها ، مما يفتح مجالا أرحب لدعم الاقتصاد الوطني ، ولا إشارة هنا للإملاءات الصهيوأمريكية ، ولا إلى تنفيذ أجندة تهدف إلى خنق حماس والقضاء عليها ، فكما صرح الرئيس المصري مرارا وتكرارا بأن مصر تقف على الحياد ولا تساند طرفا على حساب الآخر لإيمانها العميق أن السلام الذي تؤمن به القيادة المصرية كخيار استراتيجي يمكن أن يقوم على العدل كما يمكن أن يقوم من النوم متأخرا ، واللطيف في الأمر أن القيادة المصرية الرشيدة ارتأت أن يبدأ العمل في الجدار الفولاذي تحت جنح الظلام وفي سرية تامة ، حتى يفاجأ الناس في رفح ذات يوم بوجود الجدار ، فيثوبوا إلى رشدهم ويعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وللأسف ولأننا في بلد تحب الكلام فيما لا يعنيها ، تناثرت الأخبار هنا وهناك عن إقامة الجدار الذي سينهي مأساة الأنفاق التي شكلت صداعا مزمنا للصهاينة والنظام المصري في آن ، مما جعل وجهات النظر بينهما تصل إلى حد التطابق – وهذا لا يحدث غالبا – في ضرورة إقامة هذا الجدار على وجه السرعة وذلك بعد تراجع الكيان الصهيوني عن شق قناة مائية بمحاذاة محور صلاح الدين ، بعدما أثبتت الدراسات والأبحاث خطورة شق هذه القناة على التربة والمياه الجوفية تحتها ، ولعل الكيان الصهيوني الذي لم يتورع عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا في حرب غزة الأخيرة رغم ما تتركه من آثار مدمرة على الإنسان والبيئة ،قد أصغى أخيرا إلى صوت العقل المصري ، فآثر الرضوخ للمطلب المصري باستبدال الجدار بالقناة ، ولكن يبدو أن النظام المصري قد فاته أن الأنفاق لم توجد إلا بسبب غلق المعابر ، وأن التهريب الذي يغطي ثلثي احتياجات سكان القطاع ،لم يكن إلا وسيلة لمواجهة تعنت الجانب المصري ، والطريف أيضا أن تسريب الأخبار الأولى عن بناء الجدار تمت عبر الصحف الصهيونية ، التي دأبت على إحراج نظام الرئيس مبارك رغم ما يقدمه للكيان الصهيوني من خدمات جليلة ، ولأن الأمور تتعلق بحياة قرابة المليوني نسمة ، فإن أمر الجدار الذي يسعى كلا الطرفان لجعله أمرا واقعا ،لن يقابل بالاستسلام الكامل من قبل المتضررين ، ولذلك فقد قامت الجماعات المسلحة في القطاع بقصف معدات الحفر ، كما قامت حركة حماس بمظاهرات قرب الحدود المصرية ، مما جعل النظام المصري يقف على أهبة الاستعداد ؛ تحسبا لاجتياح غزاوي جديد للأراضي المصرية ، وما كان للميديا الحكومية المصرية أن تغيب عن الحفل ، فما هي إلا دقائق ،وقد صدرت الأوامر لجوقة الكتبة ، بالتغني بالحكمة المصرية التي رأت تشييد الجدار الذي أصبح – بقدرة قادر – حصن الأمان المتين ضد تنفيذ المخططات الرامية إلى توطين الفلسطينيين في سيناء ، ناهيك عن دوره الأخلاقي الرائد في إيقاف تجارة المخدرات والرقيق الأبيض بين مصر والقطاع ، وكذلك إيقاف هذا الاستغلال البشع الذي يقوم به المتحكمون في الأنفاق لشعب غزة المسكين المغلوب على أمره ، مع الإشارة إلى تنبيه الغافل إلى أن حماس لا تسيطر فعليا إلا على 10% فقط من الأنفاق ، أما بقية الأنفاق فتستخدم في تجارة محرمة تستغل الناس وتفسدهم ، وتغضب الله العلي القدير على مصر المؤمنة ، إن الجدار الفولاذي لن يعزل غزة عن مناصريها ولن يمنع وصول الإمدادات إليها ، لأن الطرق في هذا السبيل لم تنعدم بعد ، لكن هذا الجدار بالتأكيد سيدعم عزل مصر عن محيطاها العربي ، وسيزيد الهوة السحيقة بين مصر التي كانت ومصر التي هانت ، فأي نظام هذا الذي يحرص على قطع وشائج الصلة مع أشقاء مصر غربا وشرقا ، وهو يتغنى بتاريخ ناصع لمصر العربية لا دخل له فيه ولم يشارك في صنعه بأقل القليل ، ثم هو يذكي نيران الشعوبية ويدعم دعاوى الانكفاء على الذات وقطع أواصر الإخوة ، وكل ذلك من أجل أمر واحد يسعى إلى تحقيقه ، وهو يدرك أنه بات بعيد المنال .