الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

ثغرة التحول


دعنا نسلم جدلاً أنَّ جميع آفاق التغيير في مصر قد سُدَّت منافذها بفعل فاعل معلوم ، شاء له الهوى أن يحول مصر إلى عزبة مرهونة برسم البيع أحياناً وبرسم التوريث أحياناً ،وبرسم النهب والسلب الممنهج والعشوائي دائماً، دعنا نسلم جدلا أيضاً أنَّ المصريين فقدوا القدوة والمثل الأعلى وأصبحوا يشكون في أصابع أيديهم ،ولم يعد لهم ثمة أمل في شيء ، وأنَّ جل مطامحهم أن تتدخل الأقدار بتغييب وجوه جثمت على روح مصر حتى كادت تصعد إلى بارئها – إذا لم تسلم معي بما مضى فأنصحك بعدم إكمال المقال – ونحن عندما نتحدث عن انسداد آفاق التغيير ومن ثم استحالة الإصلاح ، فإنَّه ليس من العقل أو المنطق أن نبحث عن مسالك أو دروب نسير فيها نحو الخروج من هذه الهوة السحيقة - هذا شبه مستحيل- كل ما يمكن أن نفعله أن نبحث عن ثغرة ينفذ منها بصيص ضوء ؛ حتى نهتدي به في هذه الحلكة التامة المثبتة ، وطالما أن السمكة لا زالت تصر على أن تفسد من رأسها ، فإننا لسنا معنيين بالحديث عن الرءوس ولا الأذناب – بطبيعة الحال – ولكننا مَعْنيون بالحديث عن الجسد الهامد الذي يسمونه الشعب ،وقبل أن نحاول الإجابة عن أسئلة تبحث في ضياع الحال وسوء المآل ، ولهذا أسبابه العديدة ، وطالما أننا نريد الخروج من هذه الأزمة ،علينا أن نتعامل مع فظائع الواقع بوصفها معطيات لابد لنا أن نتحرك من خلالها نحو ما نريد- لاحظ أن ظاهر العبارة يبدو صادما- فإذا كانت الآلة الإعلامية تعمل ليل نهار على تغييب الوعي العام أو تخريبه أو تزييفه – التخريب والتزييف يحدثان حين حضور الوعي على حين غرة- ويحدث ذلك من خلال تمرير مفاهيم الأنامالية والحلول الفردية وانتظار ضربات الحظ الفارقة ، مما يرَسُخَها في الأذهان ويحولها إلى حقائق ومُسلَّمات ، في ظل وجود مناخ عام من الشك والريبة والخوف من بطش كل ذي سلطان ، مما جعل جل المصريين يعانون من الانكفاء على الذات أو رفض الواقع والهروب منه إلى دروب التغييب على تنوعها ، وكان من شأن كل ذلك أن يهوى بمعدلات الثقة بالنفس عند عموم المصريين إلى أدنى الدرجات ، مما تسبب بشكل مباشر في إهدار الطاقات الخلاقة والمبدعة وحكم على غالبية الشعب بالعيش البليد وقضاء الأيام في ظل الملل القاتل في انتظار الخلاص الذي لن يهبط من السماء , أخلص من كل ما سبق إلى التسليم بأن هذا الركام من الإحباطات يمكن أن نجد فيه هذه الثغرة المبتغاة التي تمكننا من الانتقال بالوعي العام من مرحلة التخدير إلى مشارف مرحلة التثوير- على مستوى الأفكار فحسب أرجو أن يكون ذلك واضحا- فلماذا لا يتوجه كل الكتاب والمفكرين والباحثين المعنيين المؤمنين بهذا الوطن بجهودهم إلى إعادة بناء الثقة لدى الإنسان المصري ، لماذا لا يخطو المخلصون من أبناء هذا الشعب خطوات نحو إيجاد السبل من أجل تفجير طاقات هذه الأجيال الصاعدة – الهابطة فعليا- ولو من نفس المنطلق البرجماتي الذي يروج له أبواق الميديا المغرضة ، لماذا لا يكون الطريق نحو بعث الروح المصرية هو إعادة إيمان المصري بذاته ؟ ثم لماذا لا يتبنى أصحاب الخطاب الديني الأرضي و الفضائي هذا الطرح بعد أن ثَبُتَ بما لا يدع مجالا للشك أنَّ خطابهم لم يوفق في إعادة المجتمع المصري إلى حسن الخلق و جادة الصواب ؟ وإذا كان الطفل المصري هو الأذكى في مرحلة ما قبل المدرسة وقبل أن تغتال عقله مناهج وزارة التعليم ، فلماذا لا يعمل خبراء مخلصون على وضع برامج تعمل كمضدات الأكسدة للحفاظ على هذا المعدل المرتفع للذكاء . إن اعتماد منهج يقوم على توفير الطاقات المهدرة في ساحات التنظير الجدلي بين الفرقاء في مختلف المجالات سيسهم ولا شك في دفع عجلة التغيير بصورة أو بأخرى فلن يتحقق لنا أي نجاح مادمنا مصرين على قضاء الوقت في البكاء على المجد الضائع – ومتى كان لنا مجد حتى يضيع – إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سيفتح – ولا شك – آفاقا جديدة للعمل بعيدا عن روح الاستسلام التي سادت بين جموع المصريين ، وإذا كانت خطابات التحريض والتغريب والإحالة والإعزاء والانعزال والعودة إلى القرون الأولى قد سجلت فشلا ذريعا وبامتياز في بعثنا من الثُبَات العميق ،فإنَّ الحاجة تكون أكثر إلحاحا إلى وسيلة إيقاظ سريعة وناجعة ،حتى لا يصدق فينا قــــول القائل : لقد أسمعت إن ناديت حيا ولَكِن لا حياة لمن تنادي.

الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

رؤى مسبقة


عندما يتعين علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية ( أعترف أن الحقيقة هي وجهة نظر في المقام الأول ) والتي يمكن أيضا أن نصفها بالموضوعية - لما آل إليه حالنا من التردي والانحطاط فإن جميع السبل تذهب بنا إلى طريق واحد – ربما عدة طرق فلست دجمائيا - وهو كيف تكون طريقتنا في التعامل مع المواقف على اختلافها ؟ هل نتبصرها بإعمال العقل أم نغض الطرف عنها مفضلين عليها رؤية مسبقة تريحنا من عناء التفكير( لدي رؤية مسبقة وحاكمة أننا دائما نجنح نحو الاختيار الثاني ) في الغالب تقوم الرؤى المسبقة التي تراكمت لدينا عبر خبرات لم يتيسر لها الوقت ولا المعرفة الحقة كي تنضج وتعرف طريق الاكتمال - بدورها في إزاحة العقل أو إحكام السيطرة عليه عبر قيود صارمة تتشكل كالغيوم الكثيفة فتحجب الرؤية الواضحة أو تصيبها بالقصور الشديد على أحسن الأحوال ، وكل هذا من شأنه أن يحول الآراء إلى حقائق ومسلمات بغض النظر عما أحاط هذه الآراء من ظروف وملابسات ووقائع تباعدت ببعد الزمان والمكان ( لاحظ أنه لا أحد فينا يستطيع أن يتبرأ من هذه التهم ) ، ولا تقف تلك الرؤى بمفردها منبتة الصلة عن موروثها الموغل في القدم وهي تنزع إلى تلك الحالة المرضية من الحزن على ما مضى مع الحنين الشــــديد إليه ومن ثم البكاء والعويل عليه ( نوستولوجيا ) فلك أن تتصور نفوسا تقعي على حالها من التخبط بين آساها على ما فات وبين رفضها لراهنها البائس ، كيف يكون تعاملها مع ما يطرأ على واقعها من متغيرات ، هنا لا سبيل إلى البحث عن حلول ،وليس ثمة ما يطرح سوى إرجاء أو إعزاء وكلاهما- في الحقيقة- لا حاجة لنا إليه ،فأما الإرجاء فهو تلك الحالة الإحالية التي نحياها ونبحر فيها مستقلين قوارب التسويف التي نأمل أن تحركها رياح الأمل الراكدة " فلا نأيها يسلي ولا أنت تصبر" ، وأما الإعزاء فهو تخفف من أثقال التسبب والتعلل وإلصاقها بالآخرين ( لاحظ أننا جميعا نتقن ذلك ) ؛ لذا تتحول أبسط مشكلاتنا إلى طلاسم تستعصي على الحل. وكان الحل كما اعتقد البعض في تأليه العقل( هكذا مرة واحدة ) مما جعل الكثير من محاولاتهم تبدو سقيمة ومجانبة للصواب ، فباعتماد العقل مرجعا واحدا أحدا ، ندفع به ليقف عاريا في مواجهة الأحداث ، مستعيدا بدايات الانطلاق نحو قراءة متبصرة للواقع ، متصورا أنه ليس ثمة حدود يمكن أن تحده بينما هو قاصر عن تحليل الكثير من الظواهر ، وفي ظل هذا الغرور تقترف أبشع الجرائم الفكرية حيث يتم تجاوز الفعل إلى القول وفي مرحلة تالية يتم مجاوزة القول ذاته إلى ما وراءه ،وليس وراءه سوى التيه والحيرة والتخبط بين الاحتمالات التي لا تنتهي ،فتتعدد الرؤى المنتقصة دون الوصول إلى حقيقة ،بعد أن نقتل الأحداث بحثا ، وندفنها في أكفـــان التحليـل الجدلي – يبدو أن الجنوح نحو الاكتمال أمر لا مناص منه رغم صعوبة ذلك - وهذه مصيبة نعاينها في واقعنا بشكل لا يمكن تصوره فحتى الأفعال التي تنطوي على أسمى المشاعر الإنسانية يمكن أن تفسر عبر رحلة جامحة من التفسيرات والتأويلات بأبشع ما يمكن أن يتصوره عقل ، فيجهد العقل في البحث عن الدوافع والغايات ويهمل الحدث ذاته ، وكأنه عارض لا يجب الالتفات إليه بينما هو في الحقيقة ذروة الأمر ، إن إعمال العقل في ما مضى من أحداث أمر مطلوب ، بشرط ألا تتحكم فيه الرؤى المسبقة القائمة على روح العداء التي ترى أن الأزمة الراهنة هي نتاج تراكمي لإخفاقات الأجيال السابقة ،وكأننا مبرءون من كل إثم - وبشرط ألا يكون مانعا من استشراف المستقبل والعبور إليه عبر طريــق واضحة تفهم الواقــع وتلبي حاجاته وتحافظ على أواصـــر الصلة بينه وبين المستقبـل – إذا كانت لديك رؤى مسبقة برجاء مراعاة الاشتراطات السابقة- وإذا كنا لا نري أي أمل في الإصلاح إلا من خلال إعمال العقل والتزام المنهج العلمي ، فإننا نرى أيضا أن ذلك لا يجب أن يتحول إلى مخاصمة للتراث والتاريخ باعتبارهما ماضيا لابد من نبذه ونسيانه وذلك بعد تمزيقه وإلصاق كل نقيصة به معتبرين ذلك سبيلا إلى التقدم ؛ اقتداءً بالعقل الغربي الذي تجاوز محنته الخاصة مرات وتعثر مرات وتراجع مرات – خاتمة لا بد منها - بما لا يقاس مع محنة العقل العربي التي لا تعدلها محنة ،والتي هي عند الحل تتأبى على الوارد والوافد وتطلب حلا أصيلا يراعي الخصوصية ولا يخاصم الواقع . فهل تجد ؟ أنا شخصيا أشك .