الاثنين، 26 يوليو، 2010

الظل المعتم

ليس أسوأ من أن يتحول الكاتب إلى كاذب من أجل أن يُحَصِّل مغنمًا أو أن ينالَ مكانة ًلا يستحقها ، فمهما كانت المغانم التي يمكن حصدُها ، تبقى فضيلة أن تكتبَ ما تؤمن بصدقه أعز وأغلى ، ولكم تساءلت كلما قرأت أو شاهدت أحدهم وهو يدافع عن نظام الفساد والمفسدين ، كيف لنظام الرئيس مبارك أن يستعين بهؤلاء البؤساء الذين لا يستطيعون دفع الضر عن أنفسهم ناهيك عن دفع العار والفضيحة عن نظام سيادة الرئيس ؟ وكنت أسأل هل عَدِمَ النظام منافقين وموالسين من النوع الممتاز الذي يستطيع بحرفية كاملة أن يقلب الحقائق باطلاً ، وأن يزين الباطل ؛ حتى يراه الناس حقًا صراحاً ، تذكرت أحد هؤلاء المحترفين – يرقد الآن عاجزًا عن النطق والحركة – عندما كان ينطلق مدافعًا ومهاجمًا ، كارًّا وفارًّا ، مقبلاً ومدبرًا ، وكأنَّه في ساح الوغى يُجالد النِّصال ، فما تملك حياله إلا الإعجاب بعد أن تلعنه في سرك ، وعندما سألت بعض أهل الاختصاص أفادوا أن القيام بمثل هذا يحتاج إلى قدرات هائلة لا تتسنَّى لأنصاف الموهوبين ، أو من لديهم بقية من ضميرحي ، إذ أن هذا الصنف يدخل في صراع داخلي شديد ،تناوئه فيه خلاياه وتتمرد عليه أعصابه وتخونه دماؤه التي تجري في عروقه ، لذلك يبدو أداؤه دائمًا مدعاة ًللشفقة والرثاء ، تذكرت وقتها أحدهم وكان صحفيًا بارزًا من أبناء أعرق المؤسسات الصحفية في مصر، وقد عرف عنه معارضته الشديدة للنِّظام ، حتى أنَّه كان من أوائل من أثاروا قضية توريث السلطة في مصر في إحدى الصحف العربية التي تصدر في لندن ، كما كانت للرجل أيادٍ بيضاء في نشأة صحيفة خاصة حظت في عهده بانتشار هائل وكذلك في إصلاح حال صحيفة حزبية معروفة ، ثم كان أن سقط الرجل في براثن النظام وقبل الرشوة المقنعة ، واستنام لمزايا المقعد الوثير ، فماذا حدث له وهو الكاتب القدير ؟ سكت سيادته عن الكلام المباح ولم يستطع أن يكتب لفترة طويلة ، ثم بدأ بكتابة عمود هزيل بشكل أسبوعي في جريدة ناعقة بالمديح الفج لعصابة الحكم ، حتى بدت كتاباته أشبه ما تكون بالغزل غير العفيف في الرئيس ونجله ، وما لبث أن انزوى الرجل في الظل المعتم ، ولعل الرجل لم تواته الجرأة أن يستكتب بعض الغلمان كما كان يفعل آخر جثم على كرسي رئيس التحرير لنفس المؤسسة لعدة سنوات حتى قيل عنه أن من كتبوا له فاقوا قراءه عددًا ، كما يذكر أن أحد الكتاب المحترمين كان قد جمعه أحد برامج الهواء بواحد من برلماني النظام والذي اشتهر بنائب الراقصات ،فإذا بالنائب يخبر الرجل أنه يسلم للرجل ابتداءً بصحة كل ماسيقول ، ولكنَّه يرجوه ألا يحرجه أمام المشاهدين إحراجًا يتسبب له في المساءلة الحزبية . كما أذكرأيضا أنَّ أحد هؤلاء البائسين دخل في معركة مع أحد أقطاب المعارضة المعروفين بقوة المنطق والطلاقة اللغوية حول دور نظام مبارك في حصار غزة على الهواء مباشرة ، فسقط الرجل سقوطاً مدوياً وتحول الأمر إلى فضيحة صاخبة تناولتها وسائل الإعلام ، وكان أن وجِّهَ إلى الرجل بعد ذلك لوماً شديدًا بخصوص اختيار المعارك التي عليه أن يخوضها ، وكان لهذا الموقف المُشين تأثيرٌ كبيرٌ على مستوى إعداد بعض القيادات الحزبية للتصدي للمواجهات المباشرة على الهواء ، فقام الحزب الحاكم بإرسال بعض هذه القيادات ؛ لتلقي دورات مكثفة في هذا الشأن على أيدي كبار صنَّاع الميديا في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد اعتمدت هذه الدورات على فكرة السواتر السوداء التي تضع جميع الحقائق في مناطق الظل المعتم في الدماغ ؛ لتفقد تأثيرها في إعاقة الشخص عن تبني وجهات نظر لا يؤمن بمعقوليتها على الإطلاق ؛ ليدافع عنها بعد ذلك دفاع المستميت ، وقد رأيت وسمعت بعض هؤلاء فور عودتهم ، ولاحظت الفارق الهائل بين أدائهم قبل الدورة وبعدها ، ومدى ما حققوه من نجاح ، وقتها تبادرت إلى ذهني فكرة أن أقوم بمناشدة مسئولي نظامنا الراشد ، بشأن إدراج أسماء جميع من يتصدون للشأن العام في مصر ، المعارضون منهم قبل الموالسين ، في هذه الدورات ، ثم النزول إلى المستويات الأدنى حتى تصبح هذه الدورات متاحة لعامة الشعب بعد حين ، لنصبح بعد ذلك شعبا من المتوائمين مع الباطل والمدافعين عن الفساد والفاسدين بكل ما أوتينا من قوة ، وبذلك يرتاح الشعب من عناء مناوءة سياسات قاتليه ، بينما ينعم النظام وكهنته ومجرموه بالهدوء وراحة البال .

ليست هناك تعليقات: