فِيْ لِقَائهِ مَعَ شَبَابِ الجَامِعَاتِ بالمنصورةِ صرَّحَ السيد جمال مبارك بعدةِ تصريحاتٍ رأيتُ أنَّها تستحقُ الدراسةَ والتحليلَ ليسَ لما لها من أهميةٍ بقدر ما تُفْصِحُ عنه من ابتعادِ الرجلِ عن الواقع ولجوئِه إلى استخدام الكثيرِ من التعبيرات ِالتي لم تَعُد تنتمي إلى واقِعنَا المُعَاصِرِ ، وكنتُ قَدْ انتويتُ أنْ أكتبُ مقالاً تحليليًا لخطابِ السيد جمال مبارك مراعياً فيه الموضوعيةَ ،والبعدَ عن التهكمِ والسخريةِ ، لكنني لم أستطعْ أنْ أمنعَ نفسي من الضَّحِك وأنا أطالعُ خطابَ سيادتِه ، غيرَ أنَّ النيةَ الصَّادقةَ في التحليل الموضوعي كانتْ لها الغلبةُ في النهايةِ ، وأستطيعُ أن أزعمَ أنَّ الخطابَ كان غير ذي موضوع ،إذْ اتكأ على ردةِ الفعل التي تخلو من الكياسةِ والتي قابلَ بها المسئولونَ المصريونَ ما كاله الكثيرون للنظام المصري من اتهاماتًٍ خطيرةٍ بشأن الحربِ الصهيونيةِ الأخيرةِ على غزةَ ، ومن المعروفِ للكافةِ أنَّ الرؤيةَ السياسيةَ الواضحةَ إذا غابتْ فإنَّ البعضَ يَعْمَدُ إلى الدفاعِ غيرَ المنظمِ عن ممارساتٍ ،هو نفسُه لا يحملُ قناعةً تامةً بها ، وفي حديثه عن الأمن القومي أوضحَ سيادتَه أنَّ الأمنَ القومي كلمةٌ كبيرةٌ ،وكل شخصٍ يستخدمُهَا وفْقَ ما يريدُ وأنَّه يعتقدُ أنَّ نقطةَ البدايةِ في أي أمن قومي هي اتباعُ سياسةٍ وآليات تُمَكِنُ من الحِفاظِ علي الاستقلالِ وحمايةِ الأراضي والحدودِ ، ولكم كنت أودُّ من السيد جمال أنْ يُتْحِفَنا بتعريفٍ جديدٍ للأمن القومي ، حتى نستطيعَ بعد ذلك أنْ نرصدَ كيف يحافظُ نظامُ والدِه عليه ،لَكنَّ الرجلَ خيَّب فيه رجاءنا – كعادته- وقفزَ فوقَ حاجزِ التعريفِ ، إلى السياساتِ والآلياتِ ، وأنا في هذه النقطةِ بالذات ألتمسُ له كلَ العذرِ لكونه رجلَ السياساتِ الأولِ في البلادِ ، وبوصفِه كذلكَ أحد الذينَ لا يتوقفونَ كثيرًا عندَ هذه المسائل الشكليةِ ، لكونهم غارقينَ حتى الآذان في النواحي العمليةِ والتنفيذيةِ ، والحقيقة أنَّ مفهومَ الأمنِ القومي الذي يَدْعُونَا إليه ،هو مفهومٌ من الاتساع بمكان ،إذ أنَّ السياساتِ والآلياتِ هي من الأمورِ الاختلافيةِ التي قلمَا يُتَّفقُ عليها ،مِنْ هذا المنطلق لا نستطيعُ أن نناقشّ السيد جمال مبارك في أمورٍ كاختراق المجالِ الجوي المصري من قبل ِالصهاينةِ ، ولا في مقتل ثمانيةٍ وخمسينَ مصريًا على أيدي الصهاينة منذُ إبرام المعاهدةِ ، ولا كيفَ أصبحَ إطلاقُ ((شاليط)) على رأس الأولوياتِ المصريةِ ، فالأمرُ من وجهةِ نظره- كما فهمنا- يتعلق في المقام الأول بالسياسة والآليات لا بالسيادة واحترام الاتفاقيات . وعندما تحدثَ عن الموقف المصري الذي ادَّعَى البعضُ أنَّه اهتزَّ بشدةٍ بعدَ أحداثِ غزةَ قالَ إنَّ مصرَ لها مصداقيةٌ كبيرةٌ في العالم ، وتحظي بالثقةِ في دول العالم باتساعها ، وأغلب الظَّن أنَّ السيد جمال كانّ يقصدُ دولةَ الكيان الصهيوني التي شكرَ مواطنُوها نظامَ أبيه عبرَ شاشات التلفزة وفي جميع وسائل الإعلام ، وأنا شخصيًا لا أجدُ أدنى ضررٍ في أن يتحدثَ السيد جمال عن مصداقية مصرَ وثقةِ العالم فيها ،فهذا حديثٌ يُسْعدنا جميعًا ، لكن كل الضرر قد يأتي من هذا الخطاب الذي يتسمُ بالثقةِ المفرطةِ والتعميم الذي يخالفُ أبسط أسس الخطاب الإعلامي ، فأنا شخصيًا أعرفُ دولاً وشعوبًا لا يتمتعُ النظامُ المصريُ لديها بأي مصداقيةٍ ،بل وأكاد أجزمُ أنَّ ثقتها في نظام مبارك بلغتْ الصفرَ المئوي بجدارةٍ واستحقاق ، فعن أي عالمٍ يتحدثُ السيد جمال ، كذلك فإنَّ الدورَ المحوري المصري الذي ألمحَ إليه لم يعدْ خافياً على أحدٍ ،فأي دورٍ أكبرُ من إمدادِ الكيان الصهيوني بالبترول والغاز ، وإمدادِ جيشه بالوجباتِ السريعةِ على جبهات القتال حسب ما نشرته إحدى الصحفِ المصريةِ شبه المستقلة ،مع إحكام الحصار على غزةَ وإغلاق معبر رفح أمامَ المساعدات والأطباء وأعضاءِ المنظمات الحقوقية ، وبالمخالفة الصريحة لجميع الأعرافِ والمواثيق الدوليةِ ، كان أولى بالسيد جمال مبارك أنْ يبتعدَ بخطابه عن هذه المناطق الشَّائكةِ ، والتي خسر فيها أكثرَ مما كسبَ بكثير ، لدرجةِ أنَّه عمدَ إلى تخوين من اختلفَ مع نظام والدِه أثناءَ الأزمة ،واتهمهم أنَّهم ساروا في ركاب حملةٍ منظمةٍ هدفها النيلُ من مصرَ ، وأنَّهم ما فعلوا ذلك إلا للحصول على مكاسبَ سياسيةٍ ، على حساب قضايا استراتيجية – على حد زعمه – والحقيقة أنَّ هذه الجملة بالذات هي عينُ الفكاهةِ في الخطاب ، إذْ أنََّها تطلُ علينا وقدْ ارتدتْ أبهى حلل الحكمةِ والرصانةِ اللغويةِ ، وفيها من الإحالةِ إلى عالم الغيب الكثيرَ والكثيرَ ، وقدْ تُسْرعُ بك جملةٌ فارقةٌ كهذه إلى الوصول إلى مراميك في ما تطمحُ في إيصَاله إلى سامعيك ،هذا إذا كنتَ خالصَ العزم ،صادقَ النية والتوجه كالسيد جمال ، هذه الجملةُ جمع فيها الرجلُ كلَ مناوئيه ، وأسكنهم بضربةٍ واحدةٍ في خندق العمالةِ ، والتربح على حساب قضايا الوطن الاستراتيجية ، التي يراها الرجلُ بعين بصيرته التي لا تخطئ ، وأظن أنَّ هذا ما جعله يدللُ في المسألة الإيرانية على اتساع هوة الخلاف بين نظام والده وإيران بقوله ((إنَّ إيران تختلفُ معنا, وترددُ ما يردده البعضُ بأنَّه ما كان لمصرَ أن تتوجه نحو السلام وأنَّ هذا كانَ خطأً استراتيجيًا وأنَّه كان علي مصرَ الاستمرارُ, وهذا موقفُهم وهو موقفٌ يتناقض مع الموقف المصري تجاهَ العديدِ من القضايا )) وقدْ نختلفُ أو نتفقُ حولَ حقيقةِ الدور الإيراني في المنطقةِ ، وقدْ نختلفُ أيضًا حولَ ما تريده إيران من النِّظام المصري تحديدًا ، لكن ما لا يمكنُ تجاهله في خطاب السيد جمال مبارك ،هو هذا التباينُ الواضحُ في لغةِ الخطاب التي تكتسب طابعًا فريدًا مِنَ التعميم والإجمال حينما تكونُ الحَاجةُ ملحةٌ إلى التفصيل والدقةِ ، بينما تنحو اللغةُ ذاتُها منحى ً شديدَ التطرفِ والاستعلاءِ إذا تَعَلَّقَ الأمرُ بدول بعينها ، وهذا مِمَّا يقدحُ في الخطابِ ذاته ،وفي ما قام عليه من ادعاءِ مخاصمته للتشددِ ،بارتداءِ ثوبٍ بالٍ من العقلانية المدعاة وهو ثوب يفضحُ أكثرَ بكثيرٍ مِمَّا يسترُ .الخميس، 19 فبراير 2009
قراءة في خطاب السيد جمال مبارك
فِيْ لِقَائهِ مَعَ شَبَابِ الجَامِعَاتِ بالمنصورةِ صرَّحَ السيد جمال مبارك بعدةِ تصريحاتٍ رأيتُ أنَّها تستحقُ الدراسةَ والتحليلَ ليسَ لما لها من أهميةٍ بقدر ما تُفْصِحُ عنه من ابتعادِ الرجلِ عن الواقع ولجوئِه إلى استخدام الكثيرِ من التعبيرات ِالتي لم تَعُد تنتمي إلى واقِعنَا المُعَاصِرِ ، وكنتُ قَدْ انتويتُ أنْ أكتبُ مقالاً تحليليًا لخطابِ السيد جمال مبارك مراعياً فيه الموضوعيةَ ،والبعدَ عن التهكمِ والسخريةِ ، لكنني لم أستطعْ أنْ أمنعَ نفسي من الضَّحِك وأنا أطالعُ خطابَ سيادتِه ، غيرَ أنَّ النيةَ الصَّادقةَ في التحليل الموضوعي كانتْ لها الغلبةُ في النهايةِ ، وأستطيعُ أن أزعمَ أنَّ الخطابَ كان غير ذي موضوع ،إذْ اتكأ على ردةِ الفعل التي تخلو من الكياسةِ والتي قابلَ بها المسئولونَ المصريونَ ما كاله الكثيرون للنظام المصري من اتهاماتًٍ خطيرةٍ بشأن الحربِ الصهيونيةِ الأخيرةِ على غزةَ ، ومن المعروفِ للكافةِ أنَّ الرؤيةَ السياسيةَ الواضحةَ إذا غابتْ فإنَّ البعضَ يَعْمَدُ إلى الدفاعِ غيرَ المنظمِ عن ممارساتٍ ،هو نفسُه لا يحملُ قناعةً تامةً بها ، وفي حديثه عن الأمن القومي أوضحَ سيادتَه أنَّ الأمنَ القومي كلمةٌ كبيرةٌ ،وكل شخصٍ يستخدمُهَا وفْقَ ما يريدُ وأنَّه يعتقدُ أنَّ نقطةَ البدايةِ في أي أمن قومي هي اتباعُ سياسةٍ وآليات تُمَكِنُ من الحِفاظِ علي الاستقلالِ وحمايةِ الأراضي والحدودِ ، ولكم كنت أودُّ من السيد جمال أنْ يُتْحِفَنا بتعريفٍ جديدٍ للأمن القومي ، حتى نستطيعَ بعد ذلك أنْ نرصدَ كيف يحافظُ نظامُ والدِه عليه ،لَكنَّ الرجلَ خيَّب فيه رجاءنا – كعادته- وقفزَ فوقَ حاجزِ التعريفِ ، إلى السياساتِ والآلياتِ ، وأنا في هذه النقطةِ بالذات ألتمسُ له كلَ العذرِ لكونه رجلَ السياساتِ الأولِ في البلادِ ، وبوصفِه كذلكَ أحد الذينَ لا يتوقفونَ كثيرًا عندَ هذه المسائل الشكليةِ ، لكونهم غارقينَ حتى الآذان في النواحي العمليةِ والتنفيذيةِ ، والحقيقة أنَّ مفهومَ الأمنِ القومي الذي يَدْعُونَا إليه ،هو مفهومٌ من الاتساع بمكان ،إذ أنَّ السياساتِ والآلياتِ هي من الأمورِ الاختلافيةِ التي قلمَا يُتَّفقُ عليها ،مِنْ هذا المنطلق لا نستطيعُ أن نناقشّ السيد جمال مبارك في أمورٍ كاختراق المجالِ الجوي المصري من قبل ِالصهاينةِ ، ولا في مقتل ثمانيةٍ وخمسينَ مصريًا على أيدي الصهاينة منذُ إبرام المعاهدةِ ، ولا كيفَ أصبحَ إطلاقُ ((شاليط)) على رأس الأولوياتِ المصريةِ ، فالأمرُ من وجهةِ نظره- كما فهمنا- يتعلق في المقام الأول بالسياسة والآليات لا بالسيادة واحترام الاتفاقيات . وعندما تحدثَ عن الموقف المصري الذي ادَّعَى البعضُ أنَّه اهتزَّ بشدةٍ بعدَ أحداثِ غزةَ قالَ إنَّ مصرَ لها مصداقيةٌ كبيرةٌ في العالم ، وتحظي بالثقةِ في دول العالم باتساعها ، وأغلب الظَّن أنَّ السيد جمال كانّ يقصدُ دولةَ الكيان الصهيوني التي شكرَ مواطنُوها نظامَ أبيه عبرَ شاشات التلفزة وفي جميع وسائل الإعلام ، وأنا شخصيًا لا أجدُ أدنى ضررٍ في أن يتحدثَ السيد جمال عن مصداقية مصرَ وثقةِ العالم فيها ،فهذا حديثٌ يُسْعدنا جميعًا ، لكن كل الضرر قد يأتي من هذا الخطاب الذي يتسمُ بالثقةِ المفرطةِ والتعميم الذي يخالفُ أبسط أسس الخطاب الإعلامي ، فأنا شخصيًا أعرفُ دولاً وشعوبًا لا يتمتعُ النظامُ المصريُ لديها بأي مصداقيةٍ ،بل وأكاد أجزمُ أنَّ ثقتها في نظام مبارك بلغتْ الصفرَ المئوي بجدارةٍ واستحقاق ، فعن أي عالمٍ يتحدثُ السيد جمال ، كذلك فإنَّ الدورَ المحوري المصري الذي ألمحَ إليه لم يعدْ خافياً على أحدٍ ،فأي دورٍ أكبرُ من إمدادِ الكيان الصهيوني بالبترول والغاز ، وإمدادِ جيشه بالوجباتِ السريعةِ على جبهات القتال حسب ما نشرته إحدى الصحفِ المصريةِ شبه المستقلة ،مع إحكام الحصار على غزةَ وإغلاق معبر رفح أمامَ المساعدات والأطباء وأعضاءِ المنظمات الحقوقية ، وبالمخالفة الصريحة لجميع الأعرافِ والمواثيق الدوليةِ ، كان أولى بالسيد جمال مبارك أنْ يبتعدَ بخطابه عن هذه المناطق الشَّائكةِ ، والتي خسر فيها أكثرَ مما كسبَ بكثير ، لدرجةِ أنَّه عمدَ إلى تخوين من اختلفَ مع نظام والدِه أثناءَ الأزمة ،واتهمهم أنَّهم ساروا في ركاب حملةٍ منظمةٍ هدفها النيلُ من مصرَ ، وأنَّهم ما فعلوا ذلك إلا للحصول على مكاسبَ سياسيةٍ ، على حساب قضايا استراتيجية – على حد زعمه – والحقيقة أنَّ هذه الجملة بالذات هي عينُ الفكاهةِ في الخطاب ، إذْ أنََّها تطلُ علينا وقدْ ارتدتْ أبهى حلل الحكمةِ والرصانةِ اللغويةِ ، وفيها من الإحالةِ إلى عالم الغيب الكثيرَ والكثيرَ ، وقدْ تُسْرعُ بك جملةٌ فارقةٌ كهذه إلى الوصول إلى مراميك في ما تطمحُ في إيصَاله إلى سامعيك ،هذا إذا كنتَ خالصَ العزم ،صادقَ النية والتوجه كالسيد جمال ، هذه الجملةُ جمع فيها الرجلُ كلَ مناوئيه ، وأسكنهم بضربةٍ واحدةٍ في خندق العمالةِ ، والتربح على حساب قضايا الوطن الاستراتيجية ، التي يراها الرجلُ بعين بصيرته التي لا تخطئ ، وأظن أنَّ هذا ما جعله يدللُ في المسألة الإيرانية على اتساع هوة الخلاف بين نظام والده وإيران بقوله ((إنَّ إيران تختلفُ معنا, وترددُ ما يردده البعضُ بأنَّه ما كان لمصرَ أن تتوجه نحو السلام وأنَّ هذا كانَ خطأً استراتيجيًا وأنَّه كان علي مصرَ الاستمرارُ, وهذا موقفُهم وهو موقفٌ يتناقض مع الموقف المصري تجاهَ العديدِ من القضايا )) وقدْ نختلفُ أو نتفقُ حولَ حقيقةِ الدور الإيراني في المنطقةِ ، وقدْ نختلفُ أيضًا حولَ ما تريده إيران من النِّظام المصري تحديدًا ، لكن ما لا يمكنُ تجاهله في خطاب السيد جمال مبارك ،هو هذا التباينُ الواضحُ في لغةِ الخطاب التي تكتسب طابعًا فريدًا مِنَ التعميم والإجمال حينما تكونُ الحَاجةُ ملحةٌ إلى التفصيل والدقةِ ، بينما تنحو اللغةُ ذاتُها منحى ً شديدَ التطرفِ والاستعلاءِ إذا تَعَلَّقَ الأمرُ بدول بعينها ، وهذا مِمَّا يقدحُ في الخطابِ ذاته ،وفي ما قام عليه من ادعاءِ مخاصمته للتشددِ ،بارتداءِ ثوبٍ بالٍ من العقلانية المدعاة وهو ثوب يفضحُ أكثرَ بكثيرٍ مِمَّا يسترُ .الثلاثاء، 13 يناير 2009
ماذا تريد إسرائيل من الحرب ؟

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008
استربتيز سياسي وإعلامي

الخميس، 11 ديسمبر 2008
فضيلة الموظف الأكبر

الأربعاء، 10 ديسمبر 2008
وقائع مصرية

الوصول إلى الغايات لا يكون إلا بتقديم التضحيات، والواقع المأزوم الذي تعيشه مصر بسبب سياسات نظام مبارك يكاد يصل بالبلاد إلى حافة الهاوية ، يحدث هذا في ظل إحجام كامل من الجميع عن تقديم أي تضحيات من أجل إزاحة نظام مبارك ، والحيلولة دون إتمام عملية التوريث ، ويعتبر عام 2009 هو العام الحاسم بالنسبة لقوى الضغط وقدرتها على إنهاء مأساة الشعب المصري بإزاحة نظام مبارك ، والحقيقة أن نظام مبارك يستمد عافيته المتوهمة بالترويج لعدد من المفاهيم غير الحقيقية التي تبالغ في قوته ، وتكرس لما يمكن تسميته بسطوة الدولة وسيطرة الأجهزة الأمنية على الأمور بشكل كامل وهذه النقطة بالذات غير صحيحة على الإطلاق إذا وضعنا في الاعتبار الترهل الذي طال جميع قطاعات الدولة بشكل عام ولا يمكن تصور أن الأجهزة الأمنية بما تعانيه من مشكلات تكدس جميع ملفات الدولة لديها بمنأى عن هذا الترهل ناهيك عما أصابها بفعل الفساد ، وانخفاض معدلات مستوى الكفاءة المهنية ، وبقراءة سريعة للأحداث الأخيرة سيتضح أن هناك حالة من الانفلات الأمني غير المسبوق تمثلت في حدوث جرائم قتل تمت على أيدي ضباط شرطة ضد مواطنين في وضح النهار ،فما دلالة هذه الأحداث المتتابعة ؟ إن خروج كثير من هؤلاء عن السيطرة ،وارتكابهم للجرائم بهذه الطريقة يعنى أن هناك ضغطا شديدا يعانون منه ،مع الإحساس بتضخم الذات الذي يشكل مرضا خطيرا يعاني منه عدد كبير ممن يمتهنون هذه المهنة ،كما أن الشعور بالعزلة وعدم الانتماء للمجتمع ،يسهم بشكل كبير في عدم الإحساس بالأمان أثناء التعامل مع المواطنين ،ربما لا يبرر ذلك ردود الأفعال المبالغ فيها من قبل هؤلاء ،أو ما يمكن تسميته الاستخدام المفرط للقوة – حسب تعبير وسائل الإعلام الحكومية عن الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين- ولا يمكن أن يكون ذلك مبررا أيضا لما يمارس من تعذيب داخل أقسام الشرطة ،رغم تقديم البعض منهم للمحاكمة وصدور أحكام بالعزل من الوظيفة ، بل والسجن ، وما يمكن أن نتصوره أن العديد من هؤلاء أصبحوا على حافة الانهيار العصبي ، وليس معنى ذلك أن تأخذنا بهم شفقة أو رحمة ،فهم على أي حال مجرمون لابد أن ينالوا عقابهم عاجلا أو آجلا ، فإجرام هؤلاء فاق كل تصور ، ولا أشك أنهم سيدقون المسمار الأخير في نعش نظام مبارك بما يقترفون من آثام في حق هذا الشعب ،وليس بجديد أن نذكر أن أحداث المحلة اندلعت بسبب صفعة وجهها ضابط شرطة لأحد المواطنين ، فماذا يعني ذلك ؟ببساطة الجهاز الأمني الذي يظن سدنة النظام أنه حامي الحمى ، هو بالتأكيد من أوهن حلقات السلسة الجهنمية التي يقيدون بها الشعب المصري ،كما أن وجود ما يربو على المليون ونصف المليون من جنود الأمن المركزي ،وما يعانونه من ظلم وظروف معيشية صعبة ،تؤكد أن كثيرا من الولاءات يمكن أن تنقلب في أي لحظة بفعل الفوضى ، مع الوضع في الاعتبار أن هذا العداء السافر من قبل أجهزة الأمن يقابل بالعنف المضاد من المواطنين كما حدث في سيناء و المنيا وغيرهما ، كما أن وسائل الإعلام التي تجد في هذه الأحداث مادة شديدة الجاذبية ،أصبحت تشكل ضغطا آخر على رجال هذه الأجهزة ،وخصوصا أن كثيرا منهم ما زال يعيش بعقلية الأزمنة السحيقة ، فمتى يفيق هؤلاء ؟ لا شك أنهم سوف يفيقون – كالعادة- بعد وقوع الكارثة .
الأربعاء، 26 نوفمبر 2008
الإحلال وليس الإصلاح
في الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات كثيرة محسوبة على قوي المعارضة السياسية ،تقول بأنه ليس في قدرة أي فصيل من فصائل القوى الوطنية أن يتحمل تبعة ما أحدثه نظام الرئيس مبارك من فساد وإفساد طال جميع مناحي الحياة في مصر ،وهذا صحيح من جانب وغير صحيح من عدة جوانب ،فالشاهد أن حال البلاد قد وصلت إلى وضع لا ينفع معه أي إصلاح ،وربما أصبح الحديث عن الإصلاح الآن بمثابة نكتة لا تضحك أحدا ،خاصة أن من يلوكون هذه الكلمة صباح مساء هم أصل الفساد ومنبعه ، أما السخف عينه ،فهو أن هؤلاء - نقصد سدنة الفكر الجديد- لا يتورعون عن الانتقال من أقصى اليميــن ( بيع شركات القطاع العام ) إلى أقصى اليسار (تمليك ممتلكات الدولة للشعب ) وهم لا يفعلون ذلك إلا لزيادة جرعة التضليل الإعلامي ،وممارسة الدجل على جموع المصريين من أجل كسب الوقت للحصول على المزيد من ثروات الوطن المنهوب،وليس فيما سبق جديد، ولكن الجديد أن تركة النظام الحالي لن تكون ثقيلة على أحد إذا وضعت الأسس الصحيحة لإزالة آثار عدوان النظام الحالي على مصر طيلة ثلاث عقود حدث خلال سنواتها إخلال خطير بالتركيبة الطبقية للمجتمع ،ليصبح المجتمع المصري بامتياز هو مجتمع النصف في المائة ،ولسنا بصدد سرد إحصائيات تتحدث عن توزيع الدخل القومي على المصريين ،كما أنا لسنا بصدد الحديث عن جملة القوانين التي صنعت لتكرس الظلم الاجتماعي ،ما نحن بصدد الحديث عنه هو الإحلال وليس الإصلاح ،فالإصلاح لا يصح مع المنظومات الاجتماعية والاقتصادية التي أصابها الخلل بشكل شبه كامل ، وهذا الإحلال لا يتأتى إلا بقرارات جذرية لا تمثل انتقالا غير محسوب العواقب ،بقدر ما تمثل تصحيحا طبيعيا للأوضاع التي طال زمان فسادها ،وليس من نافلة القول أن نذكر أن التأميم الذي قامت به ثورة يوليو كان ذا بعد اجتماعي لا يخفى أثره على أحد ،خصوصا ،ونحن نعلم جيدا كيف تمت عمليات بيع ممتلكات الدولة بشكل مشبوه وغير عادل على الإطلاق ، وإذا كان الحزب الحاكم قد أطلق مبادرة الفكر الجديد في محاولة يائسة لإخفاء ما اقترفه في حق البلاد والعباد من جرائم ، فإننا نستطيع أن نقول أن الإحلال لا يحتاج إلى فكر بقدر ما يحتاج إلى سواعد قادرة على التنفيذ الدقيق ،لما يتخذ من قرارات ، ويمكن أن تؤتي هذه التجربة ثمارها في فترة زمنية قصيرة ،إذا ما صلحت النوايا ، كما أن الأفكار الجديدة التي يمكن أن تطرح في هذا الشأن لن تكون ذات فاعلية كبيرة لدى جموع الشعب ،قياسا إلى الفعل المباشر ذي المردود الإيجابي على المواطن المصري البسيط ، ويمكن من خلال الإجابة على عدة أسئلة أن نصل إلى نتائج مرضية ، مثلا ما حجم ما تنفقه الدولة على الحراسات الخاصة لكبار المسئولين فيها ؟ما حجم ما يتم إهداره من أموال الشعب سنويا على التهنئة والتبريكات والنعي والمواساة ،ما حجم ما يتم إهداره من أموال على من يشغلون وظيفة مستشار في الوزارات المختلفة ؟ ما حجم ما يتم إهداره من أموال بسبب غياب التنسيق بين الوزارات المختلفة والذي تسبب في تشويه وتكسير معظم شوارع مصر؟ ما حجم ما تنفقه الدولة على المكاتبات الورقية والخطابات الرسمية ويذكر أن إحدى المصالح الحكومية كانت قد أرسلت خطابات إنذار بالدفع على مدي عدة سنوات لمواطن كان مدينا لهذه الجهة برسم قدره خمسون قرشا، وقد تكلفت هذه الخطابات عشرات الجنيهات ؟! ثم ماذا لو أوقف النهب في مصر لمدة عام ؟ إن ما يهدره نظام مبارك من أموال إهمالا ونهبا واستغلالا واستغفالا للشعب المصري في عام يكفي لإصلاح أحوال عموم المصريين ،وقد قدرت إحدى مؤسسات الشفافية الدولية حجم الأموال التي نهبت خلال فترة حكم الرئيس مبارك بنصف تريليون دولار ناهيك عما تم إنفاقه في غير موضعه،وما تم منحه لأشخاص دون وجه حق وغير ذلك من أشكال تبديد المال العام والاحتيال للحصول عليه ، إن الجزء الأكبر من الحل يكمن في وقف نهب مصر ، أما عن آليات وقف النهب ، فهناك الكثير من الطرق التي يمكن استخدامها في هذا الشأن أولها بل وأهمها إلغاء صالة المغادرة المخصصة لكبار الزوار في ، مطار القاهرة وجميع المطارات المصرية .الخميس، 13 نوفمبر 2008
الكتابة عبر التدوين

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008
أزمة التعليم في مصر
تشهد العملية التعليمية في مصر ترديا هائلا طال جميع عناصرها ، بدءا بالمناهج التعليمية ومرورا بالطالب ،وليس انتهاء بالمعلم ، والمؤكد أن أزمة التعليم في مصر سوف تشتد ، طالما بقيت سياسات التعليم محكومة بالعشوائية والتخبط والتجريب الذي ما يلبث أن يثبت فشلا بعد فشل ، والحقيقة أن إصلاح التعليم في مصر أصبح في غاية الصعوبة ؛ والسبب في ذلك أن هناك إفسادا متعمدا طال العملية التعليمية في مصر ،واستمر لأكثر من ثلاثة عقود ،واتخذ أشكالا متعددة ،وتسمى بمسميات خادعة ،كالتطوير والتحديث ،واعتمد بشكل كبير على استيراد التجارب التعليمية الأجنبية دون النظر إلى مدى توافقها وملاءمتها للمجتمع المصري وخصوصيته الحضارية والثقافية ،كما لم يراع القائمون على وضع سياسات التعليم في مصر كثيرا من الأولويات المتعلقة بالمؤسسات التعليمية القائمة من حيث كونها تفتقر - في غالبيتها - إلى إمكانات التطبيق الجاد لخطط التطوير والتحديث المزعومة ،مما أحدث ارتباكا هائلا بين العاملين في الحقل التعليمي ،وهم ممن يتعاملون بشكل مباشر مع المستهدفين بهذه العمليات من الطلاب ، ولا شك أن هذا الارتباك الحادث كان نتيجة طبيعية لتلك الفجوة الهائلة التي نتجت عن الإعراض التام من قبل العاملين على وضع هذه السياسات عن التشاور مع العاملين بالحقل التعليمي حول النهوض بالعملية التعليمية ،ومن ثم لم يقف هؤلاء على المشكلات الحقيقية التي تعترض طريق التقدم المأمول ،ولا شك أن من نتيجة هذا الاستعلاء من قبل واضعي سياسات التعليم في مصر أن كان العاملون في حقل التعليم من المعلمين والمربين عقبة أخرى في طريق التطوير والتحديث ،بدلا من أن يكونوا أول الداعمين له ، ولهذا أسباب كثيرة من أهمها عدم الاقتناع بجدوى عمليات التطوير والتي كانت في معظمها منبتة الصلة عن واقع المعلم والمتعلم ، وكذلك فإن انعدام الثقة في النظام السياسي انعكس بشكل كبير على مدى تفاعل قطاعات واسعة من المعلمين ،والذين رأوا أن التطوير في حقيقته ما هو إلا تخريب منظم للعملية التعليمية ،ناهيك عن سوء أحوال المعلم والتي لا تكفل له سبل العيش الكريم ، مما جعله زاهدا في تحصيل مختلف الخبرات والمعارف الجديدة ،والتي يرى كثير من المعلمين أنها لن تضيف إليهم شيئا ، وكان من أسباب العشوائية التي اتخذت منهجا لدى القائمين على وضع سياسات التعليم في مصر ، أن فرغت المناهج الدراسية من مضامينها بحجة محاولة البعد عن الحشو الذي يؤدي إلى عزوف الطلاب عن الدراسة ،فتم تبسيط كثير من العلوم حتى وصل هذا التبسيط حد الإخلال ، واستحدثت بعض المواد الدراسية كمادة القيم والأخلاق ؛لتحل فيما بعد كبديل للتربية الدينية ، والتي خرجت أصوات كثيرة ليست فوق مستوى الشبهات تنعق بضرورة استبعادها من المناهج الدراسية ،ولم يكن كل ذلك ببعيد عن الضغوط التي مورست على الدول الإسلامية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، ومما يدعم الرأي الذي يقول بأن عمليات التطوير التي حدثت على مدى العقدين الأخيرين تحديدا لم تكن بعيدة عن الإفساد المتعمد ، أن الدول التي تم اجتزاء تجاربها لتطبيقها في مصر ،كالولايات المتحدة واليابان مثلا تضع شروطا صارمة للنظم التعليمية بها تتعلق بالإطار العام للتعليم والذي لا يجوز المساس به ، كما أن هذه الدول تولي اهتماما غير عادي لتعليم اللغة الأم وتدريسها لدرجة أن اليابان مثلا لا تدرس بها لغة أجنبية في المرحلة الابتدائية والإعدادية -حتى سن السادسة عشرة - حتى يستوعب الطالب لغته الأم استيعابا كاملا ،بينما نرى اللغات الأجنبية في مصر يتم تدريسها بدءا من مرحلة رياض الأطفال ، ولا يخفى مغزى ذلك على أحد ،وليس أدل على استهداف اللغة العربية في التعليم المصري من الشعار الذي رفعته الوزارة وكان عبارة عن جملة عامية من الركاكة بمكان تقول (( إيدك في إيدنا نطور تعليم ولادنا ))وكأن اللغة العربية الفصيحة قد عقمت عن أن تنجب جملة تؤدي الغرض دون إخلال بالمضمون ، فكيف نرجو خيرا من سياسات تعليمية تستهدف لغة الأمة بالإقصاء تارة ،وبالتسفيه تارة أخرى وتدعمها في ذلك وسائل الإعلام التي دأبت ومنذ عقود طويلة على السخرية من اللغة العربية ومعلميها ... والأخطر من كل ما سبق هو فتح الباب على مصراعيه أمام المدارس الأجنبية ، والخاصة على تنوع مسمياتها ومراميها واختلاف مناهجها ،مما أوجد حالة من الالتباس الشديد لدى الأجيال الجديدة بشأن كثير من المفاهيم التي كنا نعدها من قبل من الثوابت ،مثل قيم الانتماء والاعتزاز بالعروبة وغير ذلك ، ولا شك أن توحيد التعليم العام خاصة في مرحلة ما يسمى بالتعليم الأساسي ،لهو من أهم دعائم بناء الشخصية المصرية ،وإعدادها لمواجهة تحديات المستقبل ، ويبدو أن كل ذلك خارج عن اهتمامات الدولة المصرية الآن والتي تصب الآن جل اهتمامها لتحرير الجندي الإسرائيلي الأسير ((جلعاد شاليط )) .
الخميس، 16 أكتوبر 2008
اللحاق بركب الحضارة
منذ ُأن كنَّا صغارًا ونحن نسمع عن ضرورة اللحاق بركب الحضارة ، والحضارة المقصودة هنا - بالطبع- هي الحضارة الغربية ،وعلى طريقة ما تكرر تقرر ،فقد أصبحت الجملة بمعناها ومبناها من المسلمات،إلى أن فاجأنا الدكتور المسيري - رحمه الله- في إحدى الندوات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب منذ سنواتٍ بمقولته الصادمة (( إنَّ الدولة التي تجعل مشروعها الوطني هو اللحاق بركب الحضارة الغربية ،عليها أن تعي أنَّها إذا أدركت بغيتها ، فإنَّها سوف تكون في ذيل الركب )) والسؤال الذي تطرحه المقولة الصادمة هو كيف لدولة ظلت لسنوات طويلة رأساً للحضارة في منطقتها، أن ترتضي أن تكون في حضارة أخرى بمثابة الذيل ؟ كيف لهذه الدولة أن تتخلى عن دورها طواعية ولحساب من ؟ وهل توجهها لحضارة أخرى مغايرة تماما ،ومحاولة اللحاق بركبها يتم بنوايا حسنة ،بعيدًا عن العمل لصالح كيانات بعينها تعمل بشكل دائم ومستمر ضد المصالح الإستراتيجية لهذه الدولة والأمة التي تنتمي إليها؟ لماذا لا يتبادر إلى ذهن من يتناول هذا التوجه بالتحليل والدراسة ،أنَّ الداعمين لهذا التوجه من مسئولي هذه الدولة ما هم إلا طابور خامس يعمل ضد مصالح بلاده ومستقبل أمته ؟ هل يخطئ المستقرئ لأحوال هذه الدولة وما وصلت إليه من فشل ٍذريع ٍفي كافة المجالات في إدراك أن ما تم من انسلاخ ٍعن مسئوليات القيادة وتبعات الريادة للأمة وللمنطقة ،إنَّما تم لحساب أعداء الأمة والمتربصين بها ، دون اللحاق بركب أي حضارة مهما صَغُرَ شأنها ،وانكشفت سوأتها على أيدي أبنائها أنفسهم ؟ والحقيقة أنَّ هؤلاء الذين لا يزالون ينعقون في الفراغ ،وينادون بتفوق المشروع الفكري الغربي ، وضرورة اعتناقه ،كطريق ٍواحد ٍللخلاص من الأزمات ، ويتعامون عما انتاب هذا المشروع من صدوع ٍتُؤذِن بانهياره ،هم واهمون ومنهزمون ،بل ومنسحقون بالكلية أمام هذا المشروع ،بعد أن أشْرِبُوه في قلوبهم ،فصار عجلهم المعبود ، ولأنَّ هؤلاء وبفعل العادة يصيرون في أغلب الأحوال ملكيين أكثر من الملك ، فإنَّهم وكلما رأوا هذا المشروع الغربي ينهار على المستوى التطبيقي ،يسارعون بالزعم بأن ما حدث لا يعدو كونه خطأ تسبب فيه الانحراف الطفيف عن النظرية التي قام عليها المشروع بأكمله ،متجاهلين عن عمد أنَّ الأسس الفكرية التي قام عليها المشروع الغربي والتي ارتكزت على النفعية الآنية والتحرر من القيم ،والتي تحمل في داخلها بذور زواله وفنائه ، هي السبب المباشر فيما حدث من انهيار،إذْ يقوم المشروع في جانبه الاقتصادي على التجاوز الشديد في حق المجموع لحساب أطماع الفرد ،وتطلعه نحو تحقيق الثروة العاجلة دون ضوابط أو شروط ، وهذه هي آفة العلمانية الشاملة التي قامت عليها الحضارة الغربية إذ ألغت كل مرجعية ،وجعلت مرجعية الإنسان هي ذاته فحسب ، وهذا ما لا يصلح بأي حال من الأحوال في مجتمعاتنا التي يشكل فيها المعتقد والموروث ركنًا ركينًا في تركيب الشخصية ،وتشكيل الهوية ،وكأنَّ هؤلاء المنادين بالتبعية للمشروع الغربي ومحاولة اللحاق بركبه يطلبون منَّا أن نخلع عنَّا تراثاً تليدًا مستقرًا في وجداننا ، لِنَتبَعهم في سعيهم خلفَ السراب ، وليس من نافلة القول أن نقول أنَّ كثيرين ممن وقعوا أسرى هوى الفكر الغربي على اختلاف أهوائهم ومشاربهم ، انطلقوا من منطلق واحد ،هو كراهية هذه الأمة تراثا ودينا وفكرا وعقيدة وتاريخا ومنهجا ،وهم - فيما يبدوا- لديهم هذه القدرة الفائقة على التلون الأيدلوجي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ،غير أنَّهم لا يراهنون أبدًا على التخلي عن مرتكزهم الأوحد والوحيد ألا وهو العداء السافر والمستتر لمشروع الأمة الحضاري القائم على التمايز والداعم للخصوصية الثقافية والمدرك لحقائق الواقع ،ومعطياته ،بما لا يتعارض مع ثوابت الأمة ومنهجها الراسخ ، والعجب كل العجب من دأب هؤلاء وجلدهم ،رغم أنَّهم لم يبرحوا مواطئ أقدامهم منذ بدءوا ،إلا تراجعا وخيبة وانكفاء ،فمتى يرجع هؤلاء عن الغي الذي هم فيه سادرون ؟
الجمعة، 3 أكتوبر 2008
بيننا وبينهم الجنائز
كنت قد انتويت أن أكتب عن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته ، ولكني انشغلت بالكتابة عن جرائم نظام مبارك المتتالية والتي لا تترك للمرء وقتا للكتابة عن غيرها ، فلقد استمرت حرائق النظام ،فتلى حريق المسرح القومي ،حريق الشورى ، وتبع اختطاف السياح الأجانب، اختطاف البحارة المصريين من قبل القراصنة الصوماليين ، ثم ما تلا ذلك من أكاذيب ساقها المسئولون المصريون عن بطولات مزعومة في تحرير السياح والبحارة المصريين ، ما لبثت أن فضحتها وسائل الإعلام العربية والغربية ، وفي أول أيام عيد الفطر المبارك ، شاهدت الحلقة الأخيرة من مسلسل ناصر ، فعاودني الحنين من جديد للكتابة عن الزعيم الرمز ، وكنت قد طالعت الأحدالماضي في جريدة العربي مقالة الصديق المهندس أبو العلا ماضي عن الراحل الكريم ، وقمت بقراءتها مجددا اليوم على موقع حزب الوسط المصري ، وأعجبت بالمقال أيما إعجاب ورأيت أنه من الواجب على أن أضع هذا المقال الرائع على هذه المدونة اعترافا مني بفضل الرجلين ، حيث أنني أدين بالفضل لكلا الرجلين ، فالزعيم العظيم جمال عبد الناصر ، هو رائد الوطنية الحقيقية ،وناصر الفقراء ، وسيبقى بإذن الله رمزا خالدا رغم أنف المتطاولين ، أما الكاتب المهندس أبو العلا ماضي ، فالحديث عن فضله لايتسع له المقام ، لا أريدأن أطيل عليكم ، وإليكم المقال :-
بيننا وبينهم الجنائز
في يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970 تنبه كاتب هذه السطور وهو لم يكمل بعد عامه الثالث عشر على صوت والده يصرخ بأعلى صوته "يا أبويا" فسألت فزعًا وأنا أعرف أن جدي قد توفاه الله قبل أن أُولد فعلمت أن الرئيس جمال عبد الناصر قد مات وبكى والدي وبكينا معه بحزن حقيقي، وخرجت مع أقراني مسرعًا إلى شوارع مدينتنا "المنيا" في صعيد مصر فإذا بطوفان يضم عمالا وفلاحين ومهنيين والأغلبية الكاسحة منهم من الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى ساروا جميعًا في جنازات مهيبة تطوف شوارع المدينة وتملؤها عن آخرها وهى تردد كلمات مازالت تتردد في أذني "الوداع يا جمال.. يا حبيب الملايين"، وظل الحال كذلك حتى حل ظلام الليل علينا، أمواج من البشر تبكى وتسير بغير هدى حزنًا على فقيدها الزعيم جمال عبد الناصر، وقد تكرر هذا المشهد كما علمنا بعد ذلك في كل مدن مصر وقراها ومحافظاتها، ناهيك عما جرى في العاصمة القاهرة التي زحفت إليها الجماهير بكل أنواع المواصلات وخاصة القطارات لتشارك في وداع الزعيم ناصر.
ومرت السنون فأضافت لعمر الصبي وقرأ في شبابه وتابع الصراع الذي دار حول قيمة وأثر الرئيس جمال عبد الناصر وتأثر سلبًا بمواقف خصومه التاريخيين في الحركة الإسلامية ثم ما لبث في مرحلة نضجه أن تأمل في تاريخ تلك المرحلة بعين مستقلة فاعتدل الميزان مرة أخرى ليعترف بفضل الرجل وأثره على مصر والأمة العربية وأماكن مختلفة من العالم.
وقد كانت نقطة البداية من الثقافة الإسلامية التي تدرسها أيضًا الحركة الإسلامية فقد تأملت الصراع الذي دار بين الإمام احمد بن حنبل وخصومه حول قضية خلق القرآن، وكيف ثبت الإمام أحمد في وجه التعذيب والسجن والأذى، وفيما قاله الإمام حين سأله ابنه حينما شاهد صولجان خصومه وسأل أباه الإمام عن رأيه في هذه المواكب والهيبة المصنوعة قال الإمام أحمد مقولته الشهيرة لا تغتر يا بني بهذه المشاهد "فبيننا وبينهم الجنائز" وقد صدق الإمام فحين مات خصمه اللدود أحمد بن أبى دؤاده حمل نعشه أربعة أفراد فقط ولم يسر في جنازته أحد في حين عندما مات الإمام أحمد خرج كل أهل بغداد وما حولها لتشييع جنازته في موكب ومشهد مهيب ندر أن يتكرر بهذا الحجم في زمانه بل ظل الناس يأتون للصلاة على قبره من جميع أنحاء الأمة لعدة شهور، ولهذا السبب تحرص الحركات الإسلامية وخاصة تلك التي خاصمت الرئيس عبد الناصر على أن تحشد في جنازات رموزها أعدادًا كبيرة لتستدل على صواب موقفها وأن الحق معها مسترشدة بمقولة الإمام أحمد بن حنبل الشهيرة، وحين تأملت هذا الموقف تذكرت جنازة الرئيس عبد الناصر ومقولة الإمام أحمد وقلت لنفسي بهذا المعيار خروج الملايين في جنازة الرئيس عبد الناصر هي شهادة لصالح الرجل واستفتاء في آن واحد، فكل هؤلاء الناس أو كل الملايين التي عشت بين جزء منهم في جنازة رمزية في بلدنا خرجوا بشكل تلقائي وبحب حقيقي لم يدفعهم إليه أحد ولم يوجههم أحد ولو كان حدث ما كانت الاستجابة بهذا الشكل غير المسبوق، والطريف أنني كنت في الولايات المتحدة الأمريكية بصحبة الأستاذ الدكتور عماد رمزي في عام 2004 وكنا نحاضر معًا في جامعة أنديانا فإذا بسيدة عجوز تأتى إلينا بعد المحاضرة مرحبة بنا وقالت إنني أحب مصر جدًا وأحب الزعيم جمال عبد الناصر وأخرجت من حقيبتها نسخة من جريدة الأهرام في اليوم التالي للجنازة وقد صورت الجريدة مشاهد من هذه التجمعات الضخمة التي شاركت في الجنازة ومنهم من اعتلى أعمدة الإنارة حتى آخرها وشرفات المنازل والأسطح وهى تحتفظ بهذا العدد وتفتخر بهذا المشهد، فابتسمنا على هذا الشعور النبيل من هذه السيدة الأمريكية التي أكدت هذه الصورة غير المسبوقة لجنازة بهذا الحجم في القرن العشرين كله.
فاعتبرت أن مشهد الجنازة هو رد اعتبار للرجل والزعيم بمقياس الإسلاميين أنفسهم، وأنه بالرغم من تقييمه الذي قد يختلف الناس حوله سواء في إيجابياته أو سلبياته إلا أن خروج الملايين لجنازته بهذا الشكل هو استفتاء شعبي حقيقي على حب هذا الرجل وتطبيقًا لمقولة الإمام أحمد "بيننا وبينهم الجنائز".