الأربعاء، 26 نوفمبر 2008

الإحلال وليس الإصلاح

في الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات كثيرة محسوبة على قوي المعارضة السياسية ،تقول بأنه ليس في قدرة أي فصيل من فصائل القوى الوطنية أن يتحمل تبعة ما أحدثه نظام الرئيس مبارك من فساد وإفساد طال جميع مناحي الحياة في مصر ،وهذا صحيح من جانب وغير صحيح من عدة جوانب ،فالشاهد أن حال البلاد قد وصلت إلى وضع لا ينفع معه أي إصلاح ،وربما أصبح الحديث عن الإصلاح الآن بمثابة نكتة لا تضحك أحدا ،خاصة أن من يلوكون هذه الكلمة صباح مساء هم أصل الفساد ومنبعه ، أما السخف عينه ،فهو أن هؤلاء - نقصد سدنة الفكر الجديد- لا يتورعون عن الانتقال من أقصى اليميــن ( بيع شركات القطاع العام ) إلى أقصى اليسار (تمليك ممتلكات الدولة للشعب ) وهم لا يفعلون ذلك إلا لزيادة جرعة التضليل الإعلامي ،وممارسة الدجل على جموع المصريين من أجل كسب الوقت للحصول على المزيد من ثروات الوطن المنهوب،وليس فيما سبق جديد، ولكن الجديد أن تركة النظام الحالي لن تكون ثقيلة على أحد إذا وضعت الأسس الصحيحة لإزالة آثار عدوان النظام الحالي على مصر طيلة ثلاث عقود حدث خلال سنواتها إخلال خطير بالتركيبة الطبقية للمجتمع ،ليصبح المجتمع المصري بامتياز هو مجتمع النصف في المائة ،ولسنا بصدد سرد إحصائيات تتحدث عن توزيع الدخل القومي على المصريين ،كما أنا لسنا بصدد الحديث عن جملة القوانين التي صنعت لتكرس الظلم الاجتماعي ،ما نحن بصدد الحديث عنه هو الإحلال وليس الإصلاح ،فالإصلاح لا يصح مع المنظومات الاجتماعية والاقتصادية التي أصابها الخلل بشكل شبه كامل ، وهذا الإحلال لا يتأتى إلا بقرارات جذرية لا تمثل انتقالا غير محسوب العواقب ،بقدر ما تمثل تصحيحا طبيعيا للأوضاع التي طال زمان فسادها ،وليس من نافلة القول أن نذكر أن التأميم الذي قامت به ثورة يوليو كان ذا بعد اجتماعي لا يخفى أثره على أحد ،خصوصا ،ونحن نعلم جيدا كيف تمت عمليات بيع ممتلكات الدولة بشكل مشبوه وغير عادل على الإطلاق ، وإذا كان الحزب الحاكم قد أطلق مبادرة الفكر الجديد في محاولة يائسة لإخفاء ما اقترفه في حق البلاد والعباد من جرائم ، فإننا نستطيع أن نقول أن الإحلال لا يحتاج إلى فكر بقدر ما يحتاج إلى سواعد قادرة على التنفيذ الدقيق ،لما يتخذ من قرارات ، ويمكن أن تؤتي هذه التجربة ثمارها في فترة زمنية قصيرة ،إذا ما صلحت النوايا ، كما أن الأفكار الجديدة التي يمكن أن تطرح في هذا الشأن لن تكون ذات فاعلية كبيرة لدى جموع الشعب ،قياسا إلى الفعل المباشر ذي المردود الإيجابي على المواطن المصري البسيط ، ويمكن من خلال الإجابة على عدة أسئلة أن نصل إلى نتائج مرضية ، مثلا ما حجم ما تنفقه الدولة على الحراسات الخاصة لكبار المسئولين فيها ؟ما حجم ما يتم إهداره من أموال الشعب سنويا على التهنئة والتبريكات والنعي والمواساة ،ما حجم ما يتم إهداره من أموال على من يشغلون وظيفة مستشار في الوزارات المختلفة ؟ ما حجم ما يتم إهداره من أموال بسبب غياب التنسيق بين الوزارات المختلفة والذي تسبب في تشويه وتكسير معظم شوارع مصر؟ ما حجم ما تنفقه الدولة على المكاتبات الورقية والخطابات الرسمية ويذكر أن إحدى المصالح الحكومية كانت قد أرسلت خطابات إنذار بالدفع على مدي عدة سنوات لمواطن كان مدينا لهذه الجهة برسم قدره خمسون قرشا، وقد تكلفت هذه الخطابات عشرات الجنيهات ؟! ثم ماذا لو أوقف النهب في مصر لمدة عام ؟ إن ما يهدره نظام مبارك من أموال إهمالا ونهبا واستغلالا واستغفالا للشعب المصري في عام يكفي لإصلاح أحوال عموم المصريين ،وقد قدرت إحدى مؤسسات الشفافية الدولية حجم الأموال التي نهبت خلال فترة حكم الرئيس مبارك بنصف تريليون دولار ناهيك عما تم إنفاقه في غير موضعه،وما تم منحه لأشخاص دون وجه حق وغير ذلك من أشكال تبديد المال العام والاحتيال للحصول عليه ، إن الجزء الأكبر من الحل يكمن في وقف نهب مصر ، أما عن آليات وقف النهب ، فهناك الكثير من الطرق التي يمكن استخدامها في هذا الشأن أولها بل وأهمها إلغاء صالة المغادرة المخصصة لكبار الزوار في ، مطار القاهرة وجميع المطارات المصرية .

الخميس، 13 نوفمبر 2008

الكتابة عبر التدوين


في يوم16/6/2006 نشر أول مقال لي على موقع حزب الوسط الجديد وكان بعنوان تنافي الأجيال ومن يومها وأنا أداوم على الكتابة ، ومنذ نحو العام وتحديدا يوم 24/1/2008 بدأت الكتابة عبر المدونات ،وكان ذلك في مدونة على جيران ،اشتركت وصديق لي في التدوين على صفحاتها،ثم تلى ذلك تجربة ملفات مصرية 71 وكان ذلك في أبريل نيسان الماضي ،وقد أحصيت على صفحاتها 22 مقال شديد الجدية ،ربما إلى درجة السخف ،وكنت أظن - ولازلت - أني بعيد كل البعد عن روح الكتابة التدوينية التي تحررت من قيود الكتابة التقليدية إلى أشكال أخرى بعضها جديد ،وبعضها يعتبر من قبيل كتابة الخواطر أو اليوميات أو الانطباعات أو التسجيل المباشر لمواقف الحياة اليومية ، وكثيرا ما فكرت في التخلي عن الكتابة عبر المدونات ،وكثيرا ما كنت أقول لنفسي أن الكتابة التدوينية تحتاج إلى روح أخرى غير التي بين جنبي، أو أنها جاءت متأخرة عشر سنوات على الأقل ،وكثيرا ما كنت أحسب نفسي متطفلا على عالم المدونين ، ولم يكن لدي إصرار حقيقي لمواصلة رحلة التدوين ، وخصوصا بعد أن هجرت مدونتي على جيران ، ولم يكن مدونو البلوج سبوت قد عرفوا طريقهم بعد إلى ملفات مصرية ، وظلت المسألة بداخلي لا تستقر على حال حتى بعد أن تلقيت تعليقات على ما أكتبه ، لكن سؤال الجدوى ،كان لازال يطرح نفسه بقوة ،ما هي درجة أهمية ما أكتب ؟وإلى من يصل ؟وما مدى الاستفادة التي يمكن أن تتحقق منه ؟ خصوصا أن ما أكتب لا ينتمي إلى عالم التدوين - حسب زعمي - فأنا أكتب ما أظنه مقال سياسي ، وهي كتابة كما قلت ليس لها سوق رائجة في عالم التدوين ، كما أني لاحظت أن رؤيتي والتي تتبدى بوضوح من خلال ما أكتب ،تخالف كثيرا من الرؤى التي تحمل قلقا خاصا وتميز كتابات عدد غير قليل من المدونين الجادين ، لذلك فقد أصبح الفعل التدويني المنبت عن أصله ،والمنسوب إلى غير أهله في آن فعلا ثقيلا ، زاد إلى أعبائي عبئا جديدا ،فلا أنا بالمستمر ولاأنا بالمنقطع ، وأحببت أن أطرح ما يدور برأسي على المتابعين علهم يساعدوني بآرائهم في الوصول إلى حل ...... هذا كل ما هنالك .

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

أزمة التعليم في مصر

تشهد العملية التعليمية في مصر ترديا هائلا طال جميع عناصرها ، بدءا بالمناهج التعليمية ومرورا بالطالب ،وليس انتهاء بالمعلم ، والمؤكد أن أزمة التعليم في مصر سوف تشتد ، طالما بقيت سياسات التعليم محكومة بالعشوائية والتخبط والتجريب الذي ما يلبث أن يثبت فشلا بعد فشل ، والحقيقة أن إصلاح التعليم في مصر أصبح في غاية الصعوبة ؛ والسبب في ذلك أن هناك إفسادا متعمدا طال العملية التعليمية في مصر ،واستمر لأكثر من ثلاثة عقود ،واتخذ أشكالا متعددة ،وتسمى بمسميات خادعة ،كالتطوير والتحديث ،واعتمد بشكل كبير على استيراد التجارب التعليمية الأجنبية دون النظر إلى مدى توافقها وملاءمتها للمجتمع المصري وخصوصيته الحضارية والثقافية ،كما لم يراع القائمون على وضع سياسات التعليم في مصر كثيرا من الأولويات المتعلقة بالمؤسسات التعليمية القائمة من حيث كونها تفتقر - في غالبيتها - إلى إمكانات التطبيق الجاد لخطط التطوير والتحديث المزعومة ،مما أحدث ارتباكا هائلا بين العاملين في الحقل التعليمي ،وهم ممن يتعاملون بشكل مباشر مع المستهدفين بهذه العمليات من الطلاب ، ولا شك أن هذا الارتباك الحادث كان نتيجة طبيعية لتلك الفجوة الهائلة التي نتجت عن الإعراض التام من قبل العاملين على وضع هذه السياسات عن التشاور مع العاملين بالحقل التعليمي حول النهوض بالعملية التعليمية ،ومن ثم لم يقف هؤلاء على المشكلات الحقيقية التي تعترض طريق التقدم المأمول ،ولا شك أن من نتيجة هذا الاستعلاء من قبل واضعي سياسات التعليم في مصر أن كان العاملون في حقل التعليم من المعلمين والمربين عقبة أخرى في طريق التطوير والتحديث ،بدلا من أن يكونوا أول الداعمين له ، ولهذا أسباب كثيرة من أهمها عدم الاقتناع بجدوى عمليات التطوير والتي كانت في معظمها منبتة الصلة عن واقع المعلم والمتعلم ، وكذلك فإن انعدام الثقة في النظام السياسي انعكس بشكل كبير على مدى تفاعل قطاعات واسعة من المعلمين ،والذين رأوا أن التطوير في حقيقته ما هو إلا تخريب منظم للعملية التعليمية ،ناهيك عن سوء أحوال المعلم والتي لا تكفل له سبل العيش الكريم ، مما جعله زاهدا في تحصيل مختلف الخبرات والمعارف الجديدة ،والتي يرى كثير من المعلمين أنها لن تضيف إليهم شيئا ، وكان من أسباب العشوائية التي اتخذت منهجا لدى القائمين على وضع سياسات التعليم في مصر ، أن فرغت المناهج الدراسية من مضامينها بحجة محاولة البعد عن الحشو الذي يؤدي إلى عزوف الطلاب عن الدراسة ،فتم تبسيط كثير من العلوم حتى وصل هذا التبسيط حد الإخلال ، واستحدثت بعض المواد الدراسية كمادة القيم والأخلاق ؛لتحل فيما بعد كبديل للتربية الدينية ، والتي خرجت أصوات كثيرة ليست فوق مستوى الشبهات تنعق بضرورة استبعادها من المناهج الدراسية ،ولم يكن كل ذلك ببعيد عن الضغوط التي مورست على الدول الإسلامية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، ومما يدعم الرأي الذي يقول بأن عمليات التطوير التي حدثت على مدى العقدين الأخيرين تحديدا لم تكن بعيدة عن الإفساد المتعمد ، أن الدول التي تم اجتزاء تجاربها لتطبيقها في مصر ،كالولايات المتحدة واليابان مثلا تضع شروطا صارمة للنظم التعليمية بها تتعلق بالإطار العام للتعليم والذي لا يجوز المساس به ، كما أن هذه الدول تولي اهتماما غير عادي لتعليم اللغة الأم وتدريسها لدرجة أن اليابان مثلا لا تدرس بها لغة أجنبية في المرحلة الابتدائية والإعدادية -حتى سن السادسة عشرة - حتى يستوعب الطالب لغته الأم استيعابا كاملا ،بينما نرى اللغات الأجنبية في مصر يتم تدريسها بدءا من مرحلة رياض الأطفال ، ولا يخفى مغزى ذلك على أحد ،وليس أدل على استهداف اللغة العربية في التعليم المصري من الشعار الذي رفعته الوزارة وكان عبارة عن جملة عامية من الركاكة بمكان تقول (( إيدك في إيدنا نطور تعليم ولادنا ))وكأن اللغة العربية الفصيحة قد عقمت عن أن تنجب جملة تؤدي الغرض دون إخلال بالمضمون ، فكيف نرجو خيرا من سياسات تعليمية تستهدف لغة الأمة بالإقصاء تارة ،وبالتسفيه تارة أخرى وتدعمها في ذلك وسائل الإعلام التي دأبت ومنذ عقود طويلة على السخرية من اللغة العربية ومعلميها ... والأخطر من كل ما سبق هو فتح الباب على مصراعيه أمام المدارس الأجنبية ، والخاصة على تنوع مسمياتها ومراميها واختلاف مناهجها ،مما أوجد حالة من الالتباس الشديد لدى الأجيال الجديدة بشأن كثير من المفاهيم التي كنا نعدها من قبل من الثوابت ،مثل قيم الانتماء والاعتزاز بالعروبة وغير ذلك ، ولا شك أن توحيد التعليم العام خاصة في مرحلة ما يسمى بالتعليم الأساسي ،لهو من أهم دعائم بناء الشخصية المصرية ،وإعدادها لمواجهة تحديات المستقبل ، ويبدو أن كل ذلك خارج عن اهتمامات الدولة المصرية الآن والتي تصب الآن جل اهتمامها لتحرير الجندي الإسرائيلي الأسير ((جلعاد شاليط )) .

الخميس، 16 أكتوبر 2008

اللحاق بركب الحضارة

منذ ُأن كنَّا صغارًا ونحن نسمع عن ضرورة اللحاق بركب الحضارة ، والحضارة المقصودة هنا - بالطبع- هي الحضارة الغربية ،وعلى طريقة ما تكرر تقرر ،فقد أصبحت الجملة بمعناها ومبناها من المسلمات،إلى أن فاجأنا الدكتور المسيري - رحمه الله- في إحدى الندوات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب منذ سنواتٍ بمقولته الصادمة (( إنَّ الدولة التي تجعل مشروعها الوطني هو اللحاق بركب الحضارة الغربية ،عليها أن تعي أنَّها إذا أدركت بغيتها ، فإنَّها سوف تكون في ذيل الركب )) والسؤال الذي تطرحه المقولة الصادمة هو كيف لدولة ظلت لسنوات طويلة رأساً للحضارة في منطقتها، أن ترتضي أن تكون في حضارة أخرى بمثابة الذيل ؟ كيف لهذه الدولة أن تتخلى عن دورها طواعية ولحساب من ؟ وهل توجهها لحضارة أخرى مغايرة تماما ،ومحاولة اللحاق بركبها يتم بنوايا حسنة ،بعيدًا عن العمل لصالح كيانات بعينها تعمل بشكل دائم ومستمر ضد المصالح الإستراتيجية لهذه الدولة والأمة التي تنتمي إليها؟ لماذا لا يتبادر إلى ذهن من يتناول هذا التوجه بالتحليل والدراسة ،أنَّ الداعمين لهذا التوجه من مسئولي هذه الدولة ما هم إلا طابور خامس يعمل ضد مصالح بلاده ومستقبل أمته ؟ هل يخطئ المستقرئ لأحوال هذه الدولة وما وصلت إليه من فشل ٍذريع ٍفي كافة المجالات في إدراك أن ما تم من انسلاخ ٍعن مسئوليات القيادة وتبعات الريادة للأمة وللمنطقة ،إنَّما تم لحساب أعداء الأمة والمتربصين بها ، دون اللحاق بركب أي حضارة مهما صَغُرَ شأنها ،وانكشفت سوأتها على أيدي أبنائها أنفسهم ؟ والحقيقة أنَّ هؤلاء الذين لا يزالون ينعقون في الفراغ ،وينادون بتفوق المشروع الفكري الغربي ، وضرورة اعتناقه ،كطريق ٍواحد ٍللخلاص من الأزمات ، ويتعامون عما انتاب هذا المشروع من صدوع ٍتُؤذِن بانهياره ،هم واهمون ومنهزمون ،بل ومنسحقون بالكلية أمام هذا المشروع ،بعد أن أشْرِبُوه في قلوبهم ،فصار عجلهم المعبود ، ولأنَّ هؤلاء وبفعل العادة يصيرون في أغلب الأحوال ملكيين أكثر من الملك ، فإنَّهم وكلما رأوا هذا المشروع الغربي ينهار على المستوى التطبيقي ،يسارعون بالزعم بأن ما حدث لا يعدو كونه خطأ تسبب فيه الانحراف الطفيف عن النظرية التي قام عليها المشروع بأكمله ،متجاهلين عن عمد أنَّ الأسس الفكرية التي قام عليها المشروع الغربي والتي ارتكزت على النفعية الآنية والتحرر من القيم ،والتي تحمل في داخلها بذور زواله وفنائه ، هي السبب المباشر فيما حدث من انهيار،إذْ يقوم المشروع في جانبه الاقتصادي على التجاوز الشديد في حق المجموع لحساب أطماع الفرد ،وتطلعه نحو تحقيق الثروة العاجلة دون ضوابط أو شروط ، وهذه هي آفة العلمانية الشاملة التي قامت عليها الحضارة الغربية إذ ألغت كل مرجعية ،وجعلت مرجعية الإنسان هي ذاته فحسب ، وهذا ما لا يصلح بأي حال من الأحوال في مجتمعاتنا التي يشكل فيها المعتقد والموروث ركنًا ركينًا في تركيب الشخصية ،وتشكيل الهوية ،وكأنَّ هؤلاء المنادين بالتبعية للمشروع الغربي ومحاولة اللحاق بركبه يطلبون منَّا أن نخلع عنَّا تراثاً تليدًا مستقرًا في وجداننا ، لِنَتبَعهم في سعيهم خلفَ السراب ، وليس من نافلة القول أن نقول أنَّ كثيرين ممن وقعوا أسرى هوى الفكر الغربي على اختلاف أهوائهم ومشاربهم ، انطلقوا من منطلق واحد ،هو كراهية هذه الأمة تراثا ودينا وفكرا وعقيدة وتاريخا ومنهجا ،وهم - فيما يبدوا- لديهم هذه القدرة الفائقة على التلون الأيدلوجي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ،غير أنَّهم لا يراهنون أبدًا على التخلي عن مرتكزهم الأوحد والوحيد ألا وهو العداء السافر والمستتر لمشروع الأمة الحضاري القائم على التمايز والداعم للخصوصية الثقافية والمدرك لحقائق الواقع ،ومعطياته ،بما لا يتعارض مع ثوابت الأمة ومنهجها الراسخ ، والعجب كل العجب من دأب هؤلاء وجلدهم ،رغم أنَّهم لم يبرحوا مواطئ أقدامهم منذ بدءوا ،إلا تراجعا وخيبة وانكفاء ،فمتى يرجع هؤلاء عن الغي الذي هم فيه سادرون ؟

الجمعة، 3 أكتوبر 2008

بيننا وبينهم الجنائز

كنت قد انتويت أن أكتب عن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته ، ولكني انشغلت بالكتابة عن جرائم نظام مبارك المتتالية والتي لا تترك للمرء وقتا للكتابة عن غيرها ، فلقد استمرت حرائق النظام ،فتلى حريق المسرح القومي ،حريق الشورى ، وتبع اختطاف السياح الأجانب، اختطاف البحارة المصريين من قبل القراصنة الصوماليين ، ثم ما تلا ذلك من أكاذيب ساقها المسئولون المصريون عن بطولات مزعومة في تحرير السياح والبحارة المصريين ، ما لبثت أن فضحتها وسائل الإعلام العربية والغربية ، وفي أول أيام عيد الفطر المبارك ، شاهدت الحلقة الأخيرة من مسلسل ناصر ، فعاودني الحنين من جديد للكتابة عن الزعيم الرمز ، وكنت قد طالعت الأحدالماضي في جريدة العربي مقالة الصديق المهندس أبو العلا ماضي عن الراحل الكريم ، وقمت بقراءتها مجددا اليوم على موقع حزب الوسط المصري ، وأعجبت بالمقال أيما إعجاب ورأيت أنه من الواجب على أن أضع هذا المقال الرائع على هذه المدونة اعترافا مني بفضل الرجلين ، حيث أنني أدين بالفضل لكلا الرجلين ، فالزعيم العظيم جمال عبد الناصر ، هو رائد الوطنية الحقيقية ،وناصر الفقراء ، وسيبقى بإذن الله رمزا خالدا رغم أنف المتطاولين ، أما الكاتب المهندس أبو العلا ماضي ، فالحديث عن فضله لايتسع له المقام ، لا أريدأن أطيل عليكم ، وإليكم المقال :-

بيننا وبينهم الجنائز

في يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970 تنبه كاتب هذه السطور وهو لم يكمل بعد عامه الثالث عشر على صوت والده يصرخ بأعلى صوته "يا أبويا" فسألت فزعًا وأنا أعرف أن جدي قد توفاه الله قبل أن أُولد فعلمت أن الرئيس جمال عبد الناصر قد مات وبكى والدي وبكينا معه بحزن حقيقي، وخرجت مع أقراني مسرعًا إلى شوارع مدينتنا "المنيا" في صعيد مصر فإذا بطوفان يضم عمالا وفلاحين ومهنيين والأغلبية الكاسحة منهم من الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى ساروا جميعًا في جنازات مهيبة تطوف شوارع المدينة وتملؤها عن آخرها وهى تردد كلمات مازالت تتردد في أذني "الوداع يا جمال.. يا حبيب الملايين"، وظل الحال كذلك حتى حل ظلام الليل علينا، أمواج من البشر تبكى وتسير بغير هدى حزنًا على فقيدها الزعيم جمال عبد الناصر، وقد تكرر هذا المشهد كما علمنا بعد ذلك في كل مدن مصر وقراها ومحافظاتها، ناهيك عما جرى في العاصمة القاهرة التي زحفت إليها الجماهير بكل أنواع المواصلات وخاصة القطارات لتشارك في وداع الزعيم ناصر.

ومرت السنون فأضافت لعمر الصبي وقرأ في شبابه وتابع الصراع الذي دار حول قيمة وأثر الرئيس جمال عبد الناصر وتأثر سلبًا بمواقف خصومه التاريخيين في الحركة الإسلامية ثم ما لبث في مرحلة نضجه أن تأمل في تاريخ تلك المرحلة بعين مستقلة فاعتدل الميزان مرة أخرى ليعترف بفضل الرجل وأثره على مصر والأمة العربية وأماكن مختلفة من العالم.

وقد كانت نقطة البداية من الثقافة الإسلامية التي تدرسها أيضًا الحركة الإسلامية فقد تأملت الصراع الذي دار بين الإمام احمد بن حنبل وخصومه حول قضية خلق القرآن، وكيف ثبت الإمام أحمد في وجه التعذيب والسجن والأذى، وفيما قاله الإمام حين سأله ابنه حينما شاهد صولجان خصومه وسأل أباه الإمام عن رأيه في هذه المواكب والهيبة المصنوعة قال الإمام أحمد مقولته الشهيرة لا تغتر يا بني بهذه المشاهد "فبيننا وبينهم الجنائز" وقد صدق الإمام فحين مات خصمه اللدود أحمد بن أبى دؤاده حمل نعشه أربعة أفراد فقط ولم يسر في جنازته أحد في حين عندما مات الإمام أحمد خرج كل أهل بغداد وما حولها لتشييع جنازته في موكب ومشهد مهيب ندر أن يتكرر بهذا الحجم في زمانه بل ظل الناس يأتون للصلاة على قبره من جميع أنحاء الأمة لعدة شهور، ولهذا السبب تحرص الحركات الإسلامية وخاصة تلك التي خاصمت الرئيس عبد الناصر على أن تحشد في جنازات رموزها أعدادًا كبيرة لتستدل على صواب موقفها وأن الحق معها مسترشدة بمقولة الإمام أحمد بن حنبل الشهيرة، وحين تأملت هذا الموقف تذكرت جنازة الرئيس عبد الناصر ومقولة الإمام أحمد وقلت لنفسي بهذا المعيار خروج الملايين في جنازة الرئيس عبد الناصر هي شهادة لصالح الرجل واستفتاء في آن واحد، فكل هؤلاء الناس أو كل الملايين التي عشت بين جزء منهم في جنازة رمزية في بلدنا خرجوا بشكل تلقائي وبحب حقيقي لم يدفعهم إليه أحد ولم يوجههم أحد ولو كان حدث ما كانت الاستجابة بهذا الشكل غير المسبوق، والطريف أنني كنت في الولايات المتحدة الأمريكية بصحبة الأستاذ الدكتور عماد رمزي في عام 2004 وكنا نحاضر معًا في جامعة أنديانا فإذا بسيدة عجوز تأتى إلينا بعد المحاضرة مرحبة بنا وقالت إنني أحب مصر جدًا وأحب الزعيم جمال عبد الناصر وأخرجت من حقيبتها نسخة من جريدة الأهرام في اليوم التالي للجنازة وقد صورت الجريدة مشاهد من هذه التجمعات الضخمة التي شاركت في الجنازة ومنهم من اعتلى أعمدة الإنارة حتى آخرها وشرفات المنازل والأسطح وهى تحتفظ بهذا العدد وتفتخر بهذا المشهد، فابتسمنا على هذا الشعور النبيل من هذه السيدة الأمريكية التي أكدت هذه الصورة غير المسبوقة لجنازة بهذا الحجم في القرن العشرين كله.

فاعتبرت أن مشهد الجنازة هو رد اعتبار للرجل والزعيم بمقياس الإسلاميين أنفسهم، وأنه بالرغم من تقييمه الذي قد يختلف الناس حوله سواء في إيجابياته أو سلبياته إلا أن خروج الملايين لجنازته بهذا الشكل هو استفتاء شعبي حقيقي على حب هذا الرجل وتطبيقًا لمقولة الإمام أحمد "بيننا وبينهم الجنائز".

الأحد، 28 سبتمبر 2008

القومي يلحق بالشورى


في الحقيقة أني كنت قد انتويت أن أترك الحديث عن جرائم النظام المصري غير المسبوقة لبعض الوقت ،لأتحدث في موضوعات أخرى شغلتني في الفترة الحالية ،كالهجوم على مولانا فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بسبب ما صرح به عن المد الشيعي ، ووجوب مواجهته ، ورأيه في ما يعتقد الشيعة الإمامية من عقائد ، تصل بهم إلى حد الابتداع غير المخرج من الملة ، ولكن يبدو أن الحديث عن ذلك سوف يؤجل ، كما كنت أنوي أن أكتب عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته ، وما أثاره مسلسل ناصر من ردود أفعال واسعة ، خاصة لدى جماعة الإخوان والذين يرون أن التاريخ لابد أن يكتب وفق أهوائهم ، لكن خبر حريق المسرح القومي أخرجني من ذلك كله وأعادني إلى الحديث عن جرائم نظام مبارك ،والتي لا تنتهي ، فلا زالت الانهيارات في المقطم مستمرة ، وما ارتكبه نظام مبارك في حق الضحايا وأهاليهم يدخل في إطار جرائم الإبادة الجماعية ،خصوصا إذا علمنا أن الانهيارات حدثت بسبب مشروعات شركة إعمار في المقطم ، وتسرب كميات هائلة من المياه التي تروي ملاعب الجولف إلى داخل الجبل ، وإذا عدنا إلى حريق المسرح القومي والذي أعلن أنه حدث بسبب ماس كهربي ، نجد أن أركان جريمة الإهمال متوافرة ، قصور شديد في عوامل الأمن والسلامة ، تباطؤ لا يصدق في التحرك للسيطرة على الموقف ، لا مبالاة واضحة في التعامل مع الحدث وكأنه كارثة طبيعية ، والواضح أن مبارك ونظامه قد فقد مصداقيته التي لم تكن موجودة أصلا ،لدى جموع المصريين ، حتى فيما يفترض فيه النزاهة من ظاهر الأفعال كإحالة هشام طلعت مصطفى إلى الجنايات ،نجد الكثيرين يتحدثون عن تصفية حسابات ، وصراع على الأنصبة الكبرى في سوق العقارات ، وانصياع تام لدولة تهدد بسحب الاستثمارات التي تتجاوز العشرين مليارا من الدولارات ، والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كان نظام مبارك لم يفلح في التعامل مع حريق محدود في مجلس الشورى أو في المسرح القومي ،فماذا سيفعل إذا شب حريق- لا قدر الله- في منشأة صناعية ذات خطورة كمحطات إسالة الغاز في دمياط وإدكو ، ماذا سيفعل النظام الذي يبخل بأدنى عوامل الأمن والسلامة على مرافقه الحيوية ، لتتكدس في قصور الرئاسة ، واستراحات الأسرة المالكة ؟ لا يمكن أن يقول عاقل أن نظام مبارك يهوي إلى هذا الدرك ، وبهذه السرعة وفق هواه ، والحقيقة أن انهيار النظام يحدث بشكل تلقائي بفعل عوامل الضعف والتحلل بسبب طول الأمد الذي ماج بالفساد ،وامتد بعوامل الاستبداد ، بقي أن نقول أن الصمت على ما يحدث في مصر خطأ لا يعدله خطأ ، وهو يرقى إلى حد التواطؤ مع مجرمي نظام مبارك ،وقد ألمح لهذا المعنى الدكتور محمد سليم العوا في حديث له على إحدى القنوات الفضائية ،مشيرا إلا أن بسطاء الناس إذا ارتضوا الظلم ، ومشوا في ركاب الظالمين ،وباعوا أنفسهم بالبخس ، يوشك الله تبارك وتعالى أن يعمهم بعذاب من عنده وصدق ربنا العظيم إذ يقول ((وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )) سورة الأنفال آية 25

السبت، 27 سبتمبر 2008

رياح التغيير

إنَّ الأصلَ في الدولةِ هو التداولُ وهو في المعنى انتقالُ الشيءِ من يدٍ إلى أخرى ، والأممُ التي لا تعرفُ للسلطةِ تداولاً تشيخُ وتفنى ، وتصبحُ بمرور ِ الزمن دولاً موجودةً على سبيل ِ الاعتبار ِ لا الحقيقيةِ ،وما يحدثُ في مصرَ اليومَ هو صورةٌ من أبشع ِ صور ِ الوجودِ الاعتباري للدولةِ ، إذ ْ تقزمَ دورُ مصرَ على المستوى الإقليمي والدولي ، ورضيتْ بأدوار ٍ هي أقلُ بكثير ٍ من وزنها باعتبار ِ التاريخ ِ وحساباتِ الموقع ِ، مفسحة ً الطريقَ أمامَ دول ٍ لم تكن ذاتَ أدوار ٍ تذكرُ حتى وقتٍ قريبٍ ، وآفة ُ احتكار ِ السلطةِ تكمنُ في الجمودِ الذي لا ينتجُ سوى التخلفِ ، إذ ْ يعمدُ محتكرو السلطةِ إلى ارتكابِ كل ِ ما من شأنه إحكامُ السيطرةِ على كل مناحي الحياة ؛ للحيلولةِ دونَ ظهور ِ قوى مناوئةٍ حقيقيةٍ ،تستطيعُ أنْ تدفعَ عجلة َ التغيير ِ خطوة ً واحدة ً للأمام ، وهمْ في طريقهم لتحقيق ِ هذا الهدفِ يرتكبونَ كلَ جريمةٍ ،ويقترفونَ كلَ إثم ٍ ،دونَ مراعاةٍِ لأبسط قواعدِ اللعبةِ السياسيةِ ، والتي تصبحُ دونَ أدنى قيمةٍ في ظل انسدادِ آفاق ِ التغيير ِ ،وغيابِ قنواتِه الشرعيةِ ،مما يصيبُ قطاعاتٍ المجتمع ِ وخاصةَ النخب باليأس ِ جراءَ ممارساتِ السلطةِ ، والتي تتسمُ دائمًا وأبدًا بالغشم والبطش ، والتي تحول دائمًا دونَ ظهور أي بارقة أملْ ، وبمرور ِ الزمن ِ تصبح كافة ُ الفعاليات التي تقومُ بها قوى المعارضةِ ، طقوسًا يومية تمارسُ بشكل ٍ يخلو من الحيويةِ ،ويركنُ إلى التنفيس عن الكبتِ ، وبالتالي تفقدُ هذه الفعالياتُ أهمَ أهدافِها وتصبحُ عديمة َ الجدوى ، ولقدْ حفلتْ التجربة ُ الإنسانية ُ بكثير ٍ من النماذج التي يمكنُ أن تُسْتَلهَمَ في مثل هذه الظروف التي تمرُ بها مصرُ ، كمحاولةِ التوصل إلى توافق وطني بين جميع ألوان الطيف السياسي ، يثمرُ برنامجًا يتمُ طرحُه على الرأي العام ، ومن ثـَمَّ العمل إلى الوصول لما يشبه الإجماع عليه ،ولكن ذلك يستلزم كثيرا من الإخلاص ِ وإنكار ِ الذات ،واللذين لا يتوفرا بشكل ٍ كبيرٍ بين القوى الموجودةِ على الساحةِ والتي تقدمُ أجنداتها الخاصة َ في كثير ٍ من أحيان على مصلحة الوطن ، لَكِنَّ اللافتَ للنظر أنَّ الحركات الاحتجاجية التي ظهرتْ خلال العامين الأخيرين ، وتم التعاملُ معها من قبل النظام بسياسة تعتمد مبدأ المراوحة والنفس الطويل ، قد أثبتتْ أنَّ حركة التغيير آتية ٌ لا محالة ،وأنَّها سوف تتجاوز أشكالَ المعارضةِ التقليدية متمثلة ً في الأحزاب السياسية المسنة والجماعة الراديكالية ، وحتى حركات المعارضة التي ظهرت منذ سنوات وأسهمت بدور فاعل في رفع سقف الحريات ،إلا أنها اسْتُنْفِذَتْ بسرعةٍ ،إذ ْ لم يكنْ لديها مقوماتُ البقاءِ والاستمرار، مما دفعَ بعضَ قيادات هذه الحركاتِ إلى محاولة دعمِها عن طريق التواصل مع مجموعات الشباب ونُشَطاء الانترنت ، وفي الآونة الأخيرة ظهرت العديد من المؤشرات التي تدعم قرب أوان التغيير ،ومنها انكسار هيبة النظام بتعرض آلته الأمنية لاعتداءات مباشرة من قبل الأهالي في أكثر من واقعة ، كما أن هناك شواهد عديدة تقول بأنَّ النِّظامَ المصري أصبحَ شبه عاريًا أمامَ المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وغيرها ، والتي باتتْ تستعدي مؤسساتٍ ذاتَ ثقل على النظام المصري ،كالاتحاد الأوربي ، والذي أدان منذ فترةٍ ممارسات النظام المصري في مجال حقوق الإنسان ، بل وطالبه بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين ، مع الوضع في الاعتبار أنَّ هناك مؤشرات تؤكدُ أنَّ السياسة الأمريكية في المنطقة سوف تشهدُ تغيرًا ما في الفترة المقبلة ،مما يستلزم مرونة ما في التعامل مع الإدارة الأمريكية ، يفتقرُ النظامُ المصري إلى أدنى حدٍ منها بسبب وضعِه الراهن ،وممارساتِه الإجرامية ، وانعدام الكفاءة لدى معظم مسئوليه من المستبدين وناهبي المال العام ، والشاهدُ من كل ما تقدم أن نظام مبارك مات إكلينيكيا ، وبقي فقط أن يتم فصله عن أجهزة الحياة المتوهمة ، فمن يفعلها ؟

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2008

الدعوة السلفية والإخوان

ردا على مقال " السلفية البديل الأسوأ للإخوان " للكاتب نبيل شرف الدين المصري اليوم 16 سبتمبر2008.
يَتَصَدَّى الكثيرُ من الكتابِ للحديثِ عن الجماعاتِ الإسلاميةِ ،وما يسمى بالإسلام ِالسياسي ، دونَ أنْ يكونَ لديهم أدْنَى معرفةٍ بتاريخ هذه الجماعات ،وما تُؤْمنُ به من أفكار ٍ، وأظنُ أنَّ بعضهم يستقي معلوماته من الأفلام ِ التي أنتجتها السينما المصرية عن هذه الجماعات ،والتي تمثل إدانة ً لصانعيها ،لما تحويه من كذب ٍوافتراءٍ واجتراءٍ على الإسلام نفسِه ،ولا يقومُ دليلٌ واحدٌ على صحةِ ما جاءَ فيها ،غيرَ أنَّها عَبَّرَتْ وبشكل ٍأمين عن حقدٍ أسودَ على الإسلام وأهله ، ولنعدْ إلى هؤلاء الكُتَّابِ ،ومنهم الأستاذ نبيل شرف الدين والذي يَعْمَدُ دائما إلى خلط ِالأوراق؛ للخروج بنتيجةٍ ترضي رؤيتَه المُسْبَقـَة َ ،والتي َتَحْكُمُ دائمًا على ما يكتبُ بالبعدِ عن الموضوعية والإغراق في الجدل العقيم ، ويستلزمُ ذلك دائمًا منه اللجوءَ إلى وضع الافتراضات التي تُخَاصمُ الحقيقة َوتخالفُ الواقعَ ،وهو دائمًَا ما يضطر في سبيل ذلك إلى ذكر معلوماتٍ غيرَ صحيحةٍ على الإطلاق ، فالدعوة السَّلَفِيَة التي تفضل بالحديث عنها ظهرتْ في مصرَ منذ أوائل السبعينات ، والسَّلَفِيَة ُالمصرية ُ- إذا جازَ التعبيرُ- لم تعرف منذ هذا التاريخ استخدامًا للعنف أو مواجهة ً للنظام ، فالمرجعية ُ السلفية ُ التقليدية ُترى أنَّ الخروجَ على الحاكم ِغيرَ جائز ٍ في كافة أشكاله وصوره ، ويرون أنَّ الحاكمَ الظالمَ المغتصبَ للسلطةِ ،له شرعية ُ الغالب ِ، ويجبُ له السمعُ ،كما تجبُ له الطاعة ُ ، كما أنَّهم يذهبونَ إلى أنَّ من خلعَ بَيْعَتَه- أي الحاكم- ماتَ ميتة ًجاهلية ً، والواضحُ أنَّ أ/نبيل شرف الدين لم يقرأ في كتب الفكر السلفي ، وربما اطلع على بعض الكتابات عنه ، ومما يثيرُ الأسفَ أن يخلط َالكاتبُ بعد ذلك بينَ جماعةِ الجهادِ والجماعةِ الإسلاميةِ في قضيةِ المراجعات على ما بينهما من تباين ٍفي التوجهِ وطرائق ِالاجتهاد الفقهي ،والتطبيق ِالعملي لما يؤمنون به من أفكار ٍومعتقدات ٍ، وأودُ أنْ أسوقَ فقرةً مما كتب أ/نبيل في مقاله ، وأرجو من القارئ العزيز أنْ يُعْمِلَ التفكيرَ فيها ،عَـلَّه يصلُ لشيءٍٍ يقول :-
وبعد مرور عشر سنوات علي مراجعات قادة «الجماعة الإسلامية» لمعتقداتهم الراديكالية، وإعلانهم التخلي عن العنف، قفز الإخوان علي الساحة في انتهازية تمثل تراثاً سياسياً لدي الجماعة منذ نشأتها، لهذا بحثت دوائر التفكير داخل النظام عن معالجة إستراتيجية لهذا المدّ الإخواني، الذي يشكل بالفعل خطراً داهماً علي الأمن القومي لبلد متعدد الأديان والثقافات كالمجتمع المصري.
ومن المعروف أن مراجعات الجهاد بدأت في أواخر التسعينات ، وتم تداولها على نطاق واسع مع بداية الألفية ، ولم تلق هذه المراجعات قبولا لأسباب عديدة منها أنها كتبت تحت وطأة عصا الجلادين ،لتكون خلاصا من لجج السجون ، غير أنها خرجت من طور المراجعة إلى شكل من أشكال الردة الكاملة عن الأفكار والمعتقدات والأفعال ، ولست الآن بصدد تقييمها ، لكن النكتة أن الكاتب يربط بين ظهور المراجعات ، وقفز الإخوان الانتهازي إلى مسرح الأحداث ، فهل يقول بذلك عاقل ؟
ثم النكتة الأهم عن دوائر التفكير داخل النظام ،والمعالجة الإستراتيجية للمد الإخواني ، ويبدو أن الكاتب لم يعد ينزل إلى الشارع ،ليرى بنفسه انحسار وجود الجماعة والرفض الشعبي لها ، ناهيك عن اتهامه للنظام بأنه يفكر ويضع الإستراتيجيات لاستخدام السلفيين لوقف المد الإخواني ، وهذا ربما ظهر بشكل جلي على مستوى الإعلام ، وهذا مما لا يستطيع النظام المستبد ردعه في زمن السموات المفتوحة ، نهاية لابد أن أوضح للكاتب أن الدعوة السلفية لا تعترف بالتنظيم ولا تقره ،وتراه شرا مستطيرا ، لا يجب اللجوء إليه مهما كانت الأسباب ، كما أن السلفيين - في مجموعهم - لا يهتمون بمتابعة الشأن العام ولا يطالعون الصحف ، بل ويذهب فريق غير قليل منهم إلى حرمة اقتناء أجهزة التلفزة ، وهم لذلك لا يعيرون النظام أدنى اهتمام مع إقرارهم بأن الهلاك هو مصير من يخالف شرع الله وسنة رسوله ، والأدهى والأمر من ذلك هو قولهم في الوطنية حيث يرون أنها جاهلية ،وأنها صورة من صور العصبية التي نهى عنها الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، والحديث عن الفكر السلفي وغيره من الأفكار هو ما يجب أن يكون موضوع الحديث ، لا هذه الترهات التي يطرحها الكاتب ومن هم على شاكلته .

الأحد، 14 سبتمبر 2008

النظام الكارثة

لازالَ النظامُ الحاكمُ في مصرَ يسجلُ - وبتفوق ٍ غيرَ مسبوق ٍ- اسمَه في سجل ِ أكثر ِالأنظمةِ الاستبداديةِ في العالم ِغباءً وغشمًا وإجرامًا ، فقلما نجدُ له نظيرًا من كثرةِ ما اقترفَ في حق ِالشعب ِالمصري من خطايا تستعصي على الحصر ،بل إنّ هذه الخطايا فاضت لتطالَ شعوبًا أخرى كالشعبِ الفلسطيني الذي يمارسُ نظامُ مبارك عليه حصارًا لا إنسانيًا في قطاع غزة ،استجابة ًللإملاءات الإسرائيلية وطمعًا في الرضا الأمريكي ، الذي بقي معلقاً بأوهام الدعم ِالعسكري وشروط ِالمعونة ،رُغمَ الدور غير الشريف الذي لعبه نظام مبارك في احتلال العراق ، والذي وصل حد السماح للقطع البحرية الأمريكية والتي تعمل بالطاقة النووية بالعبور من القناة ،وبالمخالفة الصريحة لمعاهدة اسطنبول والتي تحظر مرور السفن التي تعمل بالطاقة النووية من قناة السويس هذا غير فتح المطارات المصرية ؛ لتزويد الطائرات الأمريكية المقاتلة بالوقود ،واستباحة هذه الطائرات للأجواء المصرية دون حسيب أو رقيب ،برغم ما تشكله هذه الممارسات من خطر على الأمن القومي المصري ، ويبدو أن أمن مصرَ يأتي في ذيل قائمة اهتمامات نظام مبارك ،هذا إذا كان موجودا على القائمة أصلا ،ومما لا يمكن إغفال الحديث عنه هو دور النظام المصري في دعم الكيان الصهيوني في حربه على لبنان في صيف 2006 حتى أن الطائرة المصرية الوحيدة التي هبطت في مطار بيروت ، وكانت تقل نجل الرئيس كانت قد طارت في حماية طائرات العدو بعد أخذ الإذن من تل أبيب ، هذا غير إغضاء الطرف عن ممارسات الكيان الصهيوني في القرن الإفريقي ، والعمل وفق أجندة تقسيم السودان ، فأي نظام هذا الذي يحكم مصر؟ وإلى أي حد من العمالة والخيانة ذهب ؟ وما مقابل كل ما يقومُ به النظام المصري من جرائمَ لصالح قوى الإمبريالية والصهيونية العالمية ؟ لاشك أنّ المقابلَ هو البقاءُ في السلطة مهما بلغ حجم الاستبداد والفساد والإهدار لثروات الوطن الطبيعية وبيعها بأبخس الأثمان للصهاينة ، وفق عقود تثير الضحك من كثرة ما فيها من عوار ومخالفة لأبسط قواعد العقود والاتفاقيات الدولية ، كذلك وبدعوى جذب الاستثمارات فتح نظام مبارك أبواب البلاد على مصراعيها أمامَ الشركات المتعددة الجنسيات ، لتعيث في الأرض فسادًا وتحصل على كل شيء تريده مقابل عمولات ورشا تذهب إلى جيوب كبار المسئولين مباشرة دون مساءلةٍ ، حتى بعد الإعلان عن ذلك من قبل مسئولي هذه الشركات ، وسفراء دول يعملون بالوكالة كسماسرة لدى هذه الشركات ، كل هذا الإجرام غير المسبوق يرتكبه نظام مبارك في حق مصر والمصريين ،ولا يكتفي به ، فيقوم باتخاذ كافة التدابير التي من شأنها إخلاء مصر من المصريين ،وذلك بنشر الأمراض القاتلة فيما بينهم ،وذلك عن طريق تلويث الهواء وسرطنة الطعام والقضاء على أي رعاية طبية حقيقية يمكن أن تقدم لهذا الشعب،ناهيك عن أكذوبة البنى التحتية التي أصبحت أثرًا بعد عين ، كما لجأ النظام إلى سن ِجميع القوانين التي من شأنها جعل الحياة في بر مصر شبه مستحيلة بالنسبة لجموع المصريين ، فأي شرعية تبقى لنظام ِحكم ٍارتكب كل هذه الجرائم واقترفَ كل هذه الآثام ، إنها شرعية الغالب التي يروج لها علماء السلطان وأشياعهم من دعاة السلفية التقليدية ، والتي يفسح لهم النظام المجال للإسهام بدور فاعل في تغييب المصريين وإطفاء روح المقاومة لديهم ، فإلى أي هاوية سحيقة تهوي مصر ؟ الحقيقة أننا كلنا جميعا لا ندري .

الأحد، 31 أغسطس 2008

الجمعيات الأهلية بين مطرقة الأمن وسندان التضامن

تعاني الجمعيات الأهلية في مصر من واقع مرير ،حيث تعمل معظم الجمعيات في ظروف بالغة الصعوبة ،تتمثل في ضعف التمويل ،وأحيانا انعدامه ، وتضطر كثير من الجمعيات إلى الاعتماد على التبرعات من أجل تغطية النفقات ،في حين لا يكف موظفو وزارة التضامن عن ملاحقة هذه الجمعيات منذ أن تحصل على الترخيص بعد مشوار صعب وشاق وزاخر بالتعقيدات والملاحقة الأمنية والتفتيش في الضمائر والحصول على الموافقات التي لانهاية لها بداية من موافقة مباحث أمن الدولة والتي بيدها مقاليد الأمور ومرورا بالوزارات المعنية وغير المعنية وليس انتهاء بوزارة التضامن ،التي تبدأ بعد الحصول على الترخيص صفحة جديدة من الإجراءات بدءً من الزيارات المفاجئة للمقار وإحصاء كل ما فيها من أثاث وكتب ومنقولات ، والتي تعتبرها وزارة التضامن ملكا خاصا لها ، تستطيع في أي وقت أن تتهم المسئولين عن الجمعية بالتبديد إذا لم تجد هذه الأشياء داخل المقر في أي زيارة مفاجئة ، حيث لا يمل موظفو هذه الوزارة عن لعب دور الرقيب والحسيب والمفتش ، وفي كثير من الأحيان ما تدور الأحاديث بين مسئولي الجمعيات وموظفي وزارة التضامن عن أسباب هذه الملاحقات وتلك الزيارات وتكون الإجابة إن معظم هذه الزيارات يكون بتوجيه مباشر من مباحث أمن الدولة ،وهذه حقيقة واقعة لا تزييف فيها ولا إدعاء فوزارة التضامن ليست أقل شأنا من وزارة الأوقاف التي وضعت المساجد في قبضة أمن الدولة وكذلك فعلت وزارة التضامن في الجمعيات الأهلية، وكأن حق القبول والرفض الذي منحه القانون المعيب لهذه الوزارة ،كحق أصيل عند تأسيس الجمعيات لا يكفي للسيطرة عليها ، حتى تقوم أجهزة الأمن بالتدخل على هذا الوجه السافر لتقضي على البقية الباقية من روح الحياة في الجمعيات الأهلية ،حتى أنها تلجأ في بعض الأحيان لأساليب غاية في السخف مثل الامتناع عن الموافقة بسبب أن أحد الأعضاء المؤسسين تم اعتقاله سياسيا من قبل، وتشترط إبعاده حتى تتم الموافقة ، إلى غير ذلك من متهافت الأسباب ،والحقيقةأن ما تقوم به وزارة التضامن الاجتماعي في حق الجمعيات الأهلية بدعوى الإشراف ما هو إلا إتلاف متعمد لهذه الجمعيات ،وذلك لإبعادها عن القيام بدورها الحقيقي والفاعل في تقدم المجتمع وتطوره ،جنبا إلي جنب مع باقي منظمات المجتمع المدني التي يشن عليها النظام المستبد حربا لا هوادة فيها بالممانعة مرة ،وبالاختراق مرة وبالإفساد المتعمد مرات ومرات .