الأربعاء، 10 يونيو 2009

بواكي أوباما


أثَارَتْ زيَارةُ الرَّئيس الأمريكي بَارَاك أُوْبَامَا لِمِصْرَ وخِطَابَُه فِي جَامِعَةِ القَاهِرةِ جَدَلا ًغَيْرَ مَسْبُوق ٍ تَنَوَّعَتْ فِيهِ الآرَاءُ بَيْنَ مُؤيدٍ مُتَفَائلٍ ومُعَارضٍ يَرَى أنَّه لَيْسَ ثَمَّة تَغَيرٌ يُذْكَرُ فِي الخِطَابِ الأمِريكي ، اللَّهُمَّ إلا هَذَاْ الاسْتِخْدَامُ المُفْرِطُ للحَدِيثِ العَاطِفي الذي لا ينبني عليه شيء ، وبينما رَأى أنْصارُ الفَريق ِ الأول أنَّ أُوْبَامَا بِتاريِخِه ورِحْلَةِ صُعُودِه يُمَثلُ نَذِيرًا عُرْيَانًا بِالتَّغْييرِ ، رَأى الآخَرونَ أنَّه مِثَالٌ واضحٌ لِلأزْمَةِ الأمْرِيكيةِ التي تُخَالِفُ ثَوابتَها عَلنًا ،وتؤكدُ عليها في الخَفَاءِ ، وبينما يَتَحَوَّلُ الجَدَلُ إلى مُساجَلاتٍ ومُلاسَنَاتٍ لا طائلَ من ورائِها بينَ أنصارِ الفريقين ،حيثُ مَثَّلتْ الزيارةُ بزمانها ومكانها ما اعْتََبَرهُ البعضُ دعمًا مُباشرًا لأعْتَى الأنْظِمَةِ الاستِبْدَاديةِ في المَنْطقةِ ، مما يؤكدُ تراجعًا واضحًا عَنْ التوجهِ نَحْوَ تَعْزيزِ الدِّيْمُقْرَاطِيةِ فِي الشَّرقِ الأوسط والذي لَوَّحتْ به الإدارةُ الأمريكيةُ السَّابقةُ ، وقَدْ تشي تلكَ التَّصَرُّفات أنَّ هناكَ تَغَيْرًا ما قََدْ طَََََََََََََََرَأ على السياسات الأمريكية ، ولَكِنَّ الوَاضحَ أنَّ هُنَاكَ تَخَبُطاً شديدًا ُربَّمَا يكونُ قْدْ نَتَجَ عَنْ الفَشَل الأمريكي الذَّريع على عِدةِ أصْعِدةٍ ،ليسَ آخرها الطَّلبُ الأمريكي المقدمُ لدى فَصَائل المُقَاومة الأفْغَانية لِمخاطبةِ عُقلاء طالبان ، وهولا يحملُ بالضرورةِ توجهًا جادًا نحوَ إنْهَاءِ الاحتِلال الأمريكي لأفغانستان ،بقدر ما يؤكدُ حَاجَةَ الأمريكيين إلى فرصةٍ لالتقاط الأنفاس ، وليسَ ثَمَّة شكٌ أنَّ الإدارةَ الأمريكية الجديدة تُعاني من ثقل تركةِ الإدارة الأمريكية السَّابقة ، في ظل نُدرة الخيارات المُتاحةِ للخروج من نَفَقِ الأزمةِ ، كما أنَّ هناكِ تعاميًا واضحًا عن الأسبابِ الحقيقيةِ لما تعانيه الولاياتُ المتَّحدةُ من أزماتٍ ، يرى كثيرٌ من المحللين المُنْصِفينَ أنَّ من أهم أسبابها الاستخدام المفرط للقوة في التعامل مع الأحداث التي بَدَأتْ مع بدايةِ الألفيةِ ، كما أنَّ خُُفُوتَ الأصواتِ التي نادتْ بَِرفْعِ يدِ الوصَايةِ الأمريكيةِ عَن الأنظمةِ الاستبداديةِ والتي كانتْ سببًا مباشرًا في تفشي أعمالِ العنفِ ضدَ المصالح الأمريكية في العالم ،يعدُّ مؤشرًا لركودِ الذهنية الأمريكية وعجزها عن التعامل بجديةٍ مع الحلول الإبداعيةِ للأزمة ، هنا يبدو بجلاءٍ أنَّ باراك أُوْبَامَا ما هو إلا تكريسٌ لفكرةِ الحل المجاني ، الذي يقومُ على الترويج للبلاغةِ الإنشائية التي تداعبُ العواطفَ ، عوضًا عن التغيير الحقيقي المطلوب بإلحاح والذي يبدو مكلفًا من وجهةِ نظر صُنَّاع القرارِ الأمريكي ، وفِيمَا يبدو أنَّ الوقتَ يمثلُ عاملا ًهامًا في استكشافِ الكثيرِ من الحقائق المتعلقةِ بزيارة أُوْبَامَا،طالما ظلتْ المُبَاحَثَاتُ الرئاسيةُِ المصريةُِ سراً كَهَنُوتيًا لا يجرؤُ أحدٌ على الخوض فيه ، لَكِنَّ المؤكدَ أنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ كَعَادتها قَدْ تلقتْ الثَّمنَ سلفًا ، إذْ أنَّها لا تقايضُ على شيءٍ أصبحَ في حوزتِها بالفعل ،حَسْبَ تَعْبيرِ هنري كسينجر للرَّئيسِ السَّادات عَشِيَّةَ طردِ الخبراءِ السوفييت ، ومِمَّا يدعو للدهْشَة في هذا الصددِ هي المقدرةُ الفائقةُ للنظام المصري على ابتكارِ ما يمكنُ التنازلُ عنه من أجل تحقيقِِ مَصَالحٍِ تتعلقُ بالبقاءِ لأطول فترةٍ في حُكمِ البلاد ، وتبقى العلاقاتُ الأمريكيةُ الإسرائيليةُ كما هي خطًا أحمرَ لا يجوزُ المَسَاسُ به مع التأكيد ِعلى الأساطِيرِ المُؤسسةِ للسياسات ِالإسْرائيليةِ ، ووصْم ِكلِ مَنْ يعتقدُ خِلافَ ذلك بالجهلِ والتخلفِ العقلي إذا أمْكنَ،ولا مانعَ من الحديثِ عن تحفظٍ أمريكي بشأن التوسعِ في بناءِ المستوطنات وكذلكَ الحديثِ عن الأماني الأمريكية الطامحة إلى حل الدولتين ،دون أي التزاماتٍ بالسعي الجادِّ للوصول لهذا الحل ، ويبدو الترويجُ لأُوْبَامَا السلعةِ في سوق البوار العربي ، عملاً يرسخُ للصورةِ الذهنيةِ القديمةِ للتاجر المخادع الذي يحاولُ إقناع زبائنه بشراءِ سلعةٍ يبدو احتياجهم لها محلُ شكٍ كبير ، فيما بَدَتْ نفسُ السلعةِ ذات دلالةٍ ترويجيةٍ توجه بشكل مباشر لحساب الحاجة الملحة لِتقاعدِ الأب ،وتسليم مقاليدِ الحُكم للابن الذي يَحْكمُ ويتحكمُ فعليًا منذُ سنواتٍ ، عِندَمَا تناولَ عددٌ من الكتَّاب زيارةَ أُوْبَامَا وخِطابَه بالتحليل الموضوعي ،كمحاولةٍ جادة للبحث عن آفاق التغيير المُحْتَمَلة في سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة ، كَانتْ المُحَصِلةُ عِندَ الكثيرِ مِنْهُم هي صِفر ، خََرَجَ علينا بَوَاكِي أُوْبَامَا يُدَافِعُونَ عنه بالحق وبالباطل ، مِمَّا آثارَ العجبَ وطرحَ الكثيرَ من عَلامَات الاستفهام ، وخُصُوصًا أنَّ وطناً بِأسرِهِ ..... لا بَوَاكِي له .

الأحد، 24 مايو 2009

تجربة الوسط

تَعَجَّبَ عَدَدٌ مِنَ المُهْتمَّينَ بِالشَّأنِ العَام مِنَ الخُطْوَةِ التي أقْدَمَ عليها مُؤسِسُو حِزْبِ الوَسَطِ ، بالتَّقَدُّمِ بِأوراقِ الحِزْبِ للَّجْنَةِ الأحْزَابِ بِمجلسِ الشُّورى للمَرةِ الرَّابعةِ ، وكَانَ مَثَارُ العَجَبِ في الأمْر ِهو كيفَ يتقدمُ مُؤسِسُو الحِزْبِ بطلبِ الحصولِ على شرعيةِ مُمَارسةِ العَمَلِ السِّياسِي من نظامٍ يعلمُ القاصي والدَّاني أنَّه فاقدٌ لأي شرعيةٍ ، والحقيقةُ وكَمَا هو معلومٌ أنَّه لا يختلفُ اثنان مِنَ المنصفينَ من أبناءِ هذه الأمةِ أنَّ الوسطَ جديرٌ بالحُصُولِ على الرُّخْصَةِ التي تؤهله للممارسةِ السِّيَاسِية الكاملةِ لكافةِ الأنشطة الحزبية ، وكَمَا هو معلومٌ فقد تعاملَ الحزبُ وقياداتُه ومنذُ يوم السادس من يناير (كانون الثاني)2007 مع بيان مجلس الدولة بِكلِ موضوعيةٍ ، وقدْ وضعَ المؤسسونَ نُصْبَ أعينِهم استيفاءَ جميع الشروطِ التي وردتْ في القانون المعدل لعام 2005 ، وكانَ تقريرُ هيئة مفوضي الدولة برئاسة المستشار فريد تناغو قد أقرَّّ بتميز الحِزبِ في برنامجه عَنْ كَافَّةِ الأحْزابِ القائمةِ ، ومِنْ ثمَّ فإنَّ التراجعَ عَنْ التَّقدمِ بالأوراقِ مع إمكانيةِ استيفاءِ هذه الشُّروط ،كان سيصبحُ بمثابةِ العودةِ إلى المربع رقم صِفر ، ومع إيمان مؤسسي الحِزْبِ أنَّ وجودَ حزبٍ سياسي يمثلُ تيار الوسطيةِ هو ضرورةٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ ، كما أنَّ الاستقراءَ الدقيقَ لواقع الأحزابِ السِّيَاسِيةِ المِصْرِيةِ يُعدُّ دافعاً إلى إحداث حالةٍ من التغيير على مستوى الرؤى والأفكار والممارسة الحزبية ، ولا أكونُ مغاليًا إذا قلتُ أنَّ التَّقَدُمَ بأوراق الحزب للمرة الرابعة كانَ فعلاً وطنيًا قُدِّم فيه العَامُ على الخاصِّ ، وكانَ القَصْدُ فيه مصلحةَ الوطنِ دونَ غيرها ، وقدْ ثَارتْ بعضُ التساؤلات حَوْلَ جدوى التقدم بالأوراق مع فرضية أن اللَّجنة المختصة ستبادرُ بالرفض ،وربما دونَ قراءةٍ متأنيةٍ لأوراق الحزب وبرنامجه ، ونحنُ هنا نُسلِّم ببعض الصِّحةِ لهذا الطرح ،ولكننا معنيون في المقام الأول بأخذ زمام المبادرة ، وفتح الطريق أمام فئة غير قليلة من المجتمع المصري ترى أنَّه لابدَّ من وجودِ الطريق الثَّالث الذي يلوذُ به المخلصونَ من أبناءِ هذا الوطن بعيداً عن التفريط والإفراط ، وأظنُّ أنَّ رؤيةَ الوسطِ قد تَبَلْورتْ في الآونةِ الأخيرةِ إزاءَ العديدِ من القضايا ، ومن أهمِها التناولُ الموضوعي لتاريخ مصرَ المعاصرِ - ما بعدَ ثورةِ يوليو- دونَ المغالاةِ في الانحيازِ لفترةٍ بعينها أو الغفرانِ التَّام لكل ما ارتُكبَ فيها من خطايا ، ومن ثمَّ إلصاق كل النقائصِ بالفترةِ التي أعقبتها أو سبقتها على حدٍ سواء ، تَبَلْورُ تلكَ الرؤيةِ حدا بالقائمينَ على الحِزبِ ممن أسْهَمُوا في وضع برنامجه ، إلى التخلص من التفكير الأحادي الذي يقومُ على الدجمائيةِ التي أوردتْ العديدَ من الأيدلوجيات مواردَ الضَّيَاع ،وقدْ حدثَ هذا في غير تغييبٍ للإطار العام الذي يحمي الفكرةَ الرَّئيسةَ ويصونها من التماهي في معتركِ الأفكار المتدافعةِ ، ومع ذلكَ فقدْ بَدَتْ الشَّجَاعةُ واضحةً في برنامج الحزبِ ، إذْ تمَّ من خلاله الإعلانَ عن رؤيةِ الحزب في قضايا شائكةٍ كالحريات الدينيةِ وولايةِ المرأةِ والأقباطِ ، والتي كان المبدأُ في التعامل معها هو مَبْدَأُ المُواطنةِ الذي يقومُ على أساس أنَّ المصريينَ جميعاً سواء أمامَ القانون لهم نفسُ الحقوقِ كما أنَّ عليهم نفسَ الواجبات ، ونحنُ إذْ نطمحُ إلى وجودٍ قانوني نَسْعى من خلاله إلى خدمةِ هذا الوطن وأبنائِه ، ندركُ أنَّ الأوضاعَ في وطننا العزيز قابلةٌ للتبدل بينِ عشيةٍ وضحاها ، عازمينَ على المضي قدمًا في طريقنا الذي بدأ قبلَ ثلاثةَ عشرَ عامًا ، مدركينَ أنَّ صوتَ العقلِ إذا علا لابد أنْ يُسْمَعَ ، وأنَّ البابَ الذي يُطْرقُ باستمرارٍ لابدَّ أنْ يُفْتَحَ ، وليسَ في ما نقولُ ونعملُ تعلقٌ بخيوطٍ واهنةٍ للأمل بقدرِ ما هو الشعورُ بالتفاؤلِ القائمِ على حبِّ هذا الوطنِ ، والإيمانِ بحقه في العيشِ الحرِّ الكريمِ . إنَّ التجاربَ السِّيَاسِية لَيْسَتْ حِكرًا على أصحابها ،بل هي جزء من سياقاتِ التاريخ الذي من خلالِه تتطورُ الأممُ ،ومن دروسه تعي الشعوبُ أدوارها حتى تؤثرُ في رسمِ مستقبل الوطن ، فَمَنْ يمَْلِكُ المصادرةَ على هذه التجاربِ ، ومن يتجرأُ على إيقافها في لحظة ٍتكونُ البلادُ فيها أحوجُ ما تكونُ للجهودِ المُخْلِصَةِ مِنْ كَافَّة أبْنَائِها .

مصر بين زيارتين


منذُ أيام ٍودَّعت مصرُ الرسمية ُرئيسَ الوزراءِ الصهيوني بنيامين نتنياهو بعدَ زيارة ٍاستمرت لعدةِ ساعات ٍالتقى خلالها الرئيسَ المصري وجرتْ المباحثاتُ فيما بينهما حولَ العلاقات ِالثنائية بينَ مصرَ ودولةِ الكيان الصهيوني ،مما أنتجَ تطابقاً في الرؤى ووجهاتِ النظر بخصوص ِ الخطرِ الإيراني الذي أصبحَ وشيكاً ، مما يلزمُ شركاءَ السلام بسرعةِ التحرك المبني على التنسيق الكامل ، والذي لا يقبلُ المفاجآت ، وهذه بالذات كانت أولى أمنيات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حينَ سمعَ عن تطابق وجهة النظر الصهيونية ووجهات النظر لدى أطرافٍ عربيةٍ ( مصر والأردن ) حولَ الخطر الإيراني حيثُ قال أنَّه يرجو ألا تفاجئ إسرائيل العالمَ بضربةٍ استباقيةٍ موجهةٍ إلى إيران ، وبالطبع فإنَّ الولايات المتحدة لنْ تفاجأ بأي ضربات استباقية أو التحاقية إنْ جازَ التعبيرُ ، لأنَّه من الواضح أنَّ تنسيقاً ما يتمُ بشكلٍ مكثفٍ للإعدادِ لهذه الضربةِ بينَ إسرائيل والولايات المتحدة وأطرافٍ عربيةٍ ( مجموعة ما يسمى بدول الاعتدال ) و لا أشك للحظة أنَّ اجتماعات سرية قد عُقِدَتْ وجمعتْ مسئولينَ إسرائيليينَ ومسئولينَ رفيعي المستوي ينتمونَ إلى دولٍ نفطيةٍ تتطابقُ رؤيتها للخطرِ الإيراني مع وجهةِ النظر الصهيو أمريكية ، إذن نحنُ أمامَ حالةٍ من التفاهم التَّام بين عدةِ أطرافٍ ما كان لها أنْ تتفقَ بهذا الشكل بعيدًا عن دوافعَ أصيلةٍ تحركُ كلَ طرفٍ صوبَ بغيته ، فإذا كانتْ الأهدافُ الصهيونيةُ واضحةً لا لبسَ فيها ، وإنْ تعددت ما بينَ محاولةِ إجهاض المشروع النووي الإيراني ، ومن كونها تعتبرُ حرباً بالوكالة لصالح الولايات المتحدة والتي لمْ تعدْ مؤهلةً في الوقت الراهن لدخول حربٍ على جبهة جديدة بعد المستنقع العراقي ، كما تسعى إسرائيلُ لإضعاف إيران الداعم ِالأكبر لسوريا التي لا زالتْ تشكلُ رافدًا رئيساً لدعم المقاومة الفلسطينية ، ولا ننسى أنَّ الهزيمةَ المخجلةَ التي نالتها إسرائيلُ في حرب تموز 2006 على يد حزب الله كانت بدعم إيراني غيرَ محدودٍ ، ويبدو أنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ لها مبرراتها أيضا فمن ناحيةٍ هي لا تريدُ أن تخلعَ قناعَها الجديدَ الآن ، غيرَ أنَّها ربما تكون قد أدركتْ حقيقةَ الدور الإيراني في العراق ،والذي كانَ سبباً مباشرًا في تردي الأوضاع ، وساهمَ في صنع جزءٍ كبيرٍ من المأزق الأمريكي هناك ، ولا شكَ أنَّ الأطراف العربية المشاركة في هذا التحالف لها أهدافـُها الخاصَّة جدًا ، فمصرُ تسعى من خلال هذا التنسيق إلى تقديم أوراق اعتمادها للإدارة الأمريكية الجديدة بشكل يختلف عن ذي قبل ، فهذه هي المرة الأولى التي لا يخجل فيها نظام الرئيس مبارك من تطابق رؤيته مع رؤية الكيان الصهيوني ، ومعنى ذلك أنَّ الحربَ على إيران ستكون مصر فيها طرفاً صريحًا ، وساعتها لن تضطرَ مصرُ لإجراءات مثلَ قطع التَّيَّار الكهربي عن مدن القناة لعبور القطع الحربية الأمريكية ، كما أنَّ مصرَ والتي كانت قد فجرتْ قضيةََ حزبِ الله في الوقت المناسب تماماً ، رغم أنَّ أعضاء التنظيم كان قد أعلن عن القبض عليهم في أواخر العام الماضي وقُبيلَ العدوان على غزة ، وأسدت إلى إسرائيل أجل الخدمات بهذا الإعلان – حسب الصحف الإسرائيلية- لابد أن هدفها كان واضحًا ،وإنْ لم يكن معلنًا ، فمع قربِ الاستحقاق الرئاسي القادم يتوجبُ على الرئيس مبارك أنْ يسارعَ بحسم مسألة التوريث ، والتي لنْ تُحْسَمَ إلا بالرضا الأمريكي الكامل ، وكانت الترتيبات قدْ تمتْ لزيارة الرئيس المصري للبيت الأبيض ، تلا ذلك الإعلانُ عن زيارة أوباما لمصرَ في الرابع من يونيو وتوجيهه خطاباً للعالمين العربي والإسلامي ، زعمَ البعضُ أنَّه سيكون من داخل الأزهر الشريف ، وقدْ ترجمَ المسئولونَ المصريونَ هذه الزيارة ترجمةً فوريةً ، أكدتْ أنَّ نظامَ الرئيس مبارك يحظى بدعم وتأييد الإدارة الأمريكية الجديدة ، وهذا الحكم وإنْ كان سابقاً لأوانه ، إلا أنَّ هناك من الدلائل ما يشيرُ إلى أنَّ النِّظامَ المصري - وفي أقل من مئة يوم- استطاعَ أنْ يُقْنِعَ الأمريكيين بضرورة بقائه كحارس أمين لحدود الدولةِ العبرية ، مع القيام بالدور ذاته في حصار المقاومة عبر إغلاق المنافذ ، وعبرَ الضغطِ المباشرِ على حركةِ حماس للقبول بما فرضته إسرائيل على السلطة ورئيسها المنتهية ولايته ، بينما سيمارسُ الكيانُ الصهيوني ابتزازه الدائمَ لجميع الأطرافِ ، معتمدًا على الدعم الأمريكي ، ومشروعيةِ نظامه الديمقراطي ، وسطَ دولٍ استبداديةٍ ترفض الديمقراطية و تراوح مابين تزوير إرادة ِالشعوبِ وآمالِ التوريث .

السبت، 2 مايو 2009

ماذا بعد ؟


في كثير ٍ من الأحيان يتصورُ البعضُ أنَّه ليسَ هناكَ ثِمَّة أملٌ في تحسن ِ الأوضاع ِالسياسيةِ والاقتصاديةِ في مصرَ ، في ظل ِ نهم ٍ غير طبيعي للنهبِ المنظم ِ والعشوائي الذي تمارسُهُ الطغمة ُ الحاكمة ُ في مصرَ ، ولعلَّ استقراءَ التاريخ ِ في هذا الظرفِ الراهن ِ يعدُّ ترفاً لدى الكثيرين ، إذْ أصبحَ الحديثُ عن سقوطِ هذه الطغمةِ أقربَ إلى الأماني منه إلى الآمال القابلةِ للتحقق ، هنا تصبحُ جميعُ الممارسات المناوئةِ لسياسات هذه الطغمةِ كالاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات أقربَ إلى الطقوس ِ اليوميةِ العبثيةِ منها إلى الفعل ِالإيجابي الحقيقي ، يحدثُ ذلكَ في ظل استغراق ٍ تام ٍ من قبل أصحابِ الأقلام ِ الوطنيةِ في توصيف ِ الواقع ِالراهنِ ومدى ترديه ،دونَ اقتراح أيةِ حلول ٍ للخروج من هذا النفق ِ المظلم ِ ، مما يدعمُ رأي البعض في أنَّ كتابات هؤلاءِ أصبحت عملاً ارتزاقياً ليسَ إلا ، بينما يغيبُ الشعبُُ المصريُ عن دوره الفاعل منشغلاً بمعالجة أسبابِ الحياة التي جعلتها سياسات المتحكمين شبهَ مستحيلةٍ ، وللعجب أنَّ هذا الشعبَ الذي يفلحُ دائمًا وأبدًا في ابتكار أسبابِ لغيابهِ ونكوصهِ وسلبيتهِ ، يكونُ على استعدادٍ تام للحضور للمشاركةِ في جدل ٍ عقيم حولَ توافه الأحداثِ و سفاسفِ الأمور ، مما حدا بالبعض أنْ يلجأ للتحليل النفسي للشخصيةِ المصريةِ التي تستجيبُ عندما تكونُ الاستجابة غير مجديةٍ بينما تغيب عندما يكونُ الغيابُ جريمة ً ، ومن العجيبِ أيضا أنْ تسمعَ بين بعض أوساطِ المنشغلينَ بالشأن العام لآراءٍ تقول بقدرية التغيير ؛ مستشهدة بالأحداث العالميةِ الأخيرةِ كالأزمةِ الاقتصاديةِ أو صعودِ أوباما أو ظهور الأوبئةِ التي تهددُ وجودَ البشرية ،معولة ًعلى أنَّ التغيير يمكن أن يأتي بشكل قدري لا دخلَ للشعب الخانع فيه ، وكأنَّ ما حدثَ لم يكن نتيجة ً حتمية ً لممارسات بشريةٍ قصديةٍ ، حركتها دوافعُ ترومُ غاياتٍ وأهدافاً ، وليست عنْ طريق الصدفةِ المبرَّأةِ ، لا أشك أبدًا في أنَّ كثيرًا مما نعانيه من أزماتٍ كان بسبب الفرديةِ والأناماليةِ والانكفاءِ على الذات التي كرستْ لها كثيرٌ من الأفكارِ والنظريات والفلسفات التي ارتبطتْ ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية المتوحشة والنظرةِ الماديةِ المنغلقةِ لكثير من الأمور ، وربما تخلقُ هذه الأزمات الكونية إحساساً جديدًا لدى البشر ِ ينحو منحى مختلفاً في اتجاه العمل الجماعي ، ويؤصل للمفاهيمِ الراسخةِ المتعلقةِ بأهميةِ الانضواءِ تحتَ لواءٍ يعلنُ أهدافاً واضحةً ويسعى نحوَ الإصلاح بكل قوته ، إنَّ آفة الفرديةِ تكمنُ في تأجيل التعامل مع المشكلات حتى آخر لحظةٍ ، بزعم أنَّها لم تحتكْ بعدُ بشكل مباشر مع المصلحة الشخصية ، وحينما تحينُ هذه اللحظة يكونُ الإنسانُ قدْ فقدَ قدرتَه على المواجهةِ ، ومن ثَمَّ فإنَّه لا يصبح قادرًا إلا على اختلاق مزيد من الأعذار التي تتيحُ له مزيدًا من السلبيةِ والتخاذل والقدرة غير المحدودة على تقديم التنازلات الواحد تلو الآخر ، إلى أنْ يصيرَ البقاءُ على قيد الحياة هو غايةُ المرادِ من رب العباد ، ولا شك أنَّ السلامَ الزائفَ مع النفس والذي تروجُ له الكثيرُ من الأبواق التي تعتمد الغيبيات منهجاً وحيداً للتعامل مع أحداث الواقع بقصد الإحالة والإرجاءِ لكل ما ينجمُ من ظواهر ومشكلات ، يمثل معادلاً غير موضوعي – في حقيقته – لكل ما يعانيه الإنسانُ المصري من ذل وهوان في كافة مناحي حياته . علينا إذن أن نترجم كثيرا من الأقوال إلى أفعال ، علينا أن نؤمن بالإنسان وبقدراته وطاقاته ، علينا أنْ نستلهمَ دروساً تفتح لنا آفاقاً أخرى تعتمدُ النضالَ ضد أعداء الحياة منهجاً راسخاً يقومُ على أساس ٍواضح ٍغير ملتبسٍ للعمل على إزاحةِ هذه الطغمة الباغية من على كواهلنا ، علينا أنْ ندعو للقطيعة التامة مع من ناصبوا المصريينَ العداءَ ، ونزلوا بقدر مصر إلى مستوى المفعول به لا الفاعل ، علينا أيضا أنْ نُلْقِمَ أفواه الكاذبينَ والمنافقينَ وحملةِ الأبواق والمباخر ، أحجاراً بحجم الهرم الأكبر ، علينا أن نقول للداعين إلى إرجاء الحساب إلى يوم الدين كفاكم كذبا على الله ، وأخيرا علينا أنْ نكونَ مستعدينَ لتقديم التضحيات ،لأن إزاحة الظالمين والمستبدين والطغاة لم تحدث في أي مكانٍ في العالم وعبرَ التاريخ الإنساني كلِه دونَ تقديم تضحياتٍ هائلةٍ ، إنَّ السعيَ الحثيثَ نحو الهدفِ أفضل من المراوحة ، وإلا فإن القادم أسوأ بكثير مما يظنُ أحدٌ .

الاثنين، 23 مارس 2009

رجماً بالغيب


يبدو أن أمانة التثقيف بالحزب الوطني الديمقراطي قد ارتأت أن تدخل ضمن برنامجها التثقيفي لأعضاء الحزب دورات تدريبية حتى يصبحوا مؤهلين للقيام بأعمال تتعلق بقراءة الطالع والرجم بالغيب ، ويبدو أيضا أن هذه الدورات التدريبية قد أجريت بشكل لا يفتقر إلى الكفاءة –على غير العادة – وكان من نتيجة ذلك أن هذه الدورات قد آتت أكلها وأثمرت ثمرا يانعا و ظهرت بشائره بشكل جلي على بعض أعضاء الحزب ، وكان ممن نال النصيب الوافر من نتاج هذا العمل هو السيد أمين التثقيف والتدريب بالحزب ، ويبدو أن أمارات نبوغه حدت بالمسئولين في الحزب إلى سرعة إرساله إلى الولايات المتحدة الأمريكية موكلة له عدة مهام من بينها التمهيد للزيارة المزمعة للرئيس المصري إلى واشنطن ، ومحاولة مد جسور التواصل مع الإدارة الأمريكية الجديدة ، ولابد أن برنامج الزيارة قد اشتمل على لقاءات هامة ومباحثات خطيرة حدت بالرجل ألا ينتظر العودة حتى يصرح بالنتائج التي توصل إليها بعد جهود مضنية بذلها سيادته في إقناع المسئولين الأمريكيين بديمقراطية النظام المصري ،وحرصه الدءوب على إرساء دعائم الحرية واحترام حقوق الإنسان ، ومن الواضح أن المسئولين الأمريكيين قد وقعوا أسرى لسحر الخطاب السياسي الذي استخدمه السيد أمين التثقيف ،والذي أبرز فيه كل مواهبه في الحجة والإقناع ،حتى أنه ليخيل إليَّ أني رأيت الدموع تتلألأ في عيني عضو الكونجرس الأمريكي((فرانك وولف)) الذي دأب منذ فترة على تقديم مشروعات قرارات اتسمت بالعداء لنظام الرئيس مبارك ، وكأني به أيضا وقد اختلى بنفسه في إحدى ردهات الكونجرس مكفكفا دمعه ، مؤنبا لنفسه على ما اكتسبت يداه من أفعال العداء تجاه نظام هو في الحقيقة راعي الديمقراطية والإصلاح في المنطقة العربية والشرق الأوسط ، بعد أن كشف له السيد أمين التثقيف الحقيقة جلية ناصعة ، بعد هذه الجهود المحمــــودة رأى د. كمال أن الوقت قد آن لاستخدام القدرات الخاصة بقراءة الطالع والرجم بالغيب ، فأعمل الرجل عقله فيما سمع ورأى خلال زيارته ، فاستقر في ضميره أنه حقق النجاح كاملا فيما ذهب إليه ، واجتاحته موجة من التفاؤل هائلة ،فخرج على وسائل الإعلام في زينته وصرح بأن الحملة التي تشنها بعض المنظمات والأفراد على مصر في واشنطن قد فشلت فشلا تاما ، ووصف الرجل هؤلاء بأنهم جوقة من المنتفعين الذين حققوا مكاسب شخصية في ظل السياسة الخاطئة التي كانت الإدارة السابقة تنتهجها كما وصف محاولات هذه المنظمات بأنها يائسة وعقيمة ... ويبدو أن الرجل قد استبدت به النشوة فوقع رغما عنه في المحظور ظنا منه أن تغير الإدارات في الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى تغيير السياسات بشكل جذري ،وكم كان الرجل غير موفق حين وصف سياسات الإدارة الأمريكية في عهد بوش بالخاطئة وهو اجتراء ولا شك لا تقبل به الإدارة الحالية التي لم يبد منها إلى الآن اختلاف يذكر عن سياسات الإدارة السابقة ، ولا شك أيضا أن حكمه على محاولات تلك المنظمات بالفشل واليأس والعقم البات والنهائي هو من ثمار دورات قراءة الطالع التي أشرنا إليها سلفا ، وأضاف أن تكتل هذه المنظمات والأفراد وراء خطاب قدموه لأوباما يدعونه فيه إلى تغيير نهجه في قضية نشر الديمقراطية والإصلاح في الشرق الأوسط في مستهل توليه الرئاسة بمثابة النفس الأخير لدى هذه المجموعات لمحاولة تغيير توجهات هذه الإدارة ..... ومن العجيب أن يتكلم السيد أمين التثقيف بكل هذه الثقة والأمر يتعلق بمحاولات مجموعات مختلفة التوجهات تعمل على تغيير السياسات الأمريكية تجاه الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ، فهل أبلغوا سيادته بشكل شخصي أن الخطاب الموجه لأوباما هو آخر المطاف ، وهل أبلغوه أيضا أنهم سيدخلون الثلاجة لمدة أربعة سنوات قادمة فور إرسال الخطاب ، أم أن هذا الكلام كان نتاج جلسة مطولة لاستقراء الغيب قضاها د. كمال مع أعضاء الوفد المنافق لسيادته وآخرين ... ولا يمكن بحال أن ينتهي كلام من هذا النوع بغير توجيه عدة نصائح للإدارة الجديدة التي دعاها الأمين إلى انتهاج سياسة الحوافز الإيجابية بعد أن أخفقت الإدارة السابقة في تطبيق أسلوب العقوبات والمشروطيات ،وأوضح أن هذه الحوافز تتمثل في الإشادة المستحقة بجهود الإصلاح الإيجابية وعدم اللجوء إلى أي نوع من المشروطيات وتشجيع وتنمية العلاقات التجارية .......... وما كان لخفة ظل الرجل أن تختفي لأكثر من هذا ، لولا شغفه الواضح بالمشارط والذي يؤكد أمنية قديمة لديه أن يكون جراحا ، وليس من الغريب أن يدعو الرجل واشنطن لانتهاج سياسة الحوافز ، فالرجل مهما بلغ شأنه لا ينسى أنه موظف لدى الدولة يحب الحافز ويهيم عشقا بالعلاوة ،ولكن الغريب أن ينسى الرجل أبسط قواعد التعامل بين الكيانات والأفراد وهي أن من يملك الثواب يملك العقاب أيضا .. هؤلاء هم رجال النظام وهذا هو منطقهم ،وهذا هو مستوى تفكيرهم .... بالله عليكم ألا يستحقون الرثاء .

الثلاثاء، 3 مارس 2009

من الدولة الراعية إلى الدولة الجابية


تمر الدول بأطوار متعددة تتراوح ما بين القوة والضعف ، ويمكن رصد حالة الدولة المصرية عبر السنوات الخمسين الماضية ، وكيف تحولت من دور الدولة الراعية التي تقوم بدورها تجاه مواطنيها من منطلق ما تبنته من سياسات تعتمد المبادئ الاشتراكية ، إلى دور الدولة الجابية التي لا هم لها إلا جمع الأموال مستخدمة في ذلك كل أشكال النهب المنظم والمقنن بل والعشوائي أيضا في أحيان كثيرة ، في غياب سياسات واضحة المعالم ،تستورد من كل ما هو قائم من النظم الاقتصادية أسوأ ما فيها ، حتى أنه قد يخيل للبعض أن النظام ينهي المرحلة بنفسه في أكبر عمليات النهب الممنهج في تاريخ مصر ، وأظن أن مصر عبر تاريخها قد لعبت أدوارا عديدة يمكن القول أنها تحركت فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس ،وكانت هذه الأدوار تقوم في بعضها على الادعاء تارة وعلى الإيمان بالدور الرائد وانطلاقا من تحمل المسئولية تارة أخرى ، والواضح أن هناك من المؤشرات ما يؤكد على حقيقة أن مصر كلما اضطلعت بدورها تجاه أمتها العربية ودورها الإقليمي ،كلما كانت في طور الدولة الراعية بالنسبة لأبنائها ،وأنها كلما انكفأت على ذاتها متخلية عن مسئوليتها تجاه عروبتها كلما دخلت في طور الدولة الجابية ،ما يؤكد هذا ما حدث بعد حرب العبور ، والتي قيل وقتها أنها آخر الحروب ، وقتها ردد الكثيرون أنه قد آن لمصر أن تعرف الرخاء والسلام الذي تنعم به غيرها من الدول العربية غير وثيقة الصلة بالصراع ، ومنذ أن قيل هذا الكلام ومصر من سيئ إلى أسوأ ، فبدءًا من سياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجتها مصر في السبعينات وأدت إلى إحداث تغيرات خطيرة في بنية المجتمع المصري ، وما ترتب على هذه السياسات أيضا من سيادة ثقافة الاستهلاك ، وتراجع قيم بعينها كاحترام العمل ودعم القوى المنتجة في المجتمع ،كما تزامن ذلك مع شيوع الروح الانهزامية وضياع الانتماء بين فئات المجتمع ،وخاصة الشباب ،والذي أدى فيما بعد إلى مغادرة أعداد كبيرة من الشباب أرض الوطن ؛ باحثين عن تحقيق الحلم في دول النفط أو الدول الأوربية ، وما ترتب على ذلك من استلهام ثقافات مغايرة زادت فيما بعد من تشرذم المجتمع ، وانقسامه على ذاته ، ومن خلال رصد هذه الظواهر نستطيع أن نخلص إلى أن الأزمة التي يعانيها المجتمع المصري ترجع إلى ما يمكن تسميته بالاغتراب عن الهوية المصرية ، فحين تتراجع قيم الثقافة الوطنية ، فإنها تفسح المجال للفساد بكل أشكاله ، وكما هو معلوم فإن الفساد إذا ساد – كما هو حادث الآن- فإن هدم الثوابت الوطنية يصبح من أهم دعائم بقائه واستمرار وجوده ، إذ يصبح كل شيء خاضع لقانون السوق ، حيث يتم تسليع كل شيء ، وتشيئ الإنسان ذاته ، وإذا نظرنا إلى كل هذه المتغيرات سنجد أنه ربما لا يكون فيما سبق أي جديد إذ أن الدول تمر بمثل هذه الفترات على مر تاريخها ،وتستطيع من خلال الإصلاح والتعديل أن تتجاوز مراحل الضعف ،لتبدأ من جديد ،لكن هذه التفسيرات ربما لا تصبح دقيقة بالنسبة لمصر ،إذ وضعنا في الاعتبار أن مصر بكاملها قد انسحبت عن عمد من أهم أدوارها في الخارج (ريادة الأمة العربية وقيادتها )وفي الداخل التخلي عن دور الدولة الراعية انتقالا إلى دور الدولة الجابية ،بل والناهبة في أحيان كثيرة ،عندما نرى جميعا أن كل هذا يحدث لصالح أفراد بعينهم ربما لا يتعدون العشرات ،لا بد أن يستقر في وعينا جميعا أن ما يحدث لمصر هو شكل من أشكال الاستلاب وليس شكلا من أشكال الحكم الشمولي أو الديكتاتورية لأننا نعلم جميعا أن الأنظمة الشمولية كانت تتمسك دائما بأدوار الدولة الراعية ، بينما في مصر تقوم الأمور على أشياء أخرى كالإهدار والإفقار والإمراض والإرهاب وهذا هو شأن المستخرب الذي تنشد الأمة بأسرها خلاصها في نهايته ..... فمتى ؟

الخميس، 19 فبراير 2009

قراءة في خطاب السيد جمال مبارك

فِيْ لِقَائهِ مَعَ شَبَابِ الجَامِعَاتِ بالمنصورةِ صرَّحَ السيد جمال مبارك بعدةِ تصريحاتٍ رأيتُ أنَّها تستحقُ الدراسةَ والتحليلَ ليسَ لما لها من أهميةٍ بقدر ما تُفْصِحُ عنه من ابتعادِ الرجلِ عن الواقع ولجوئِه إلى استخدام الكثيرِ من التعبيرات ِالتي لم تَعُد تنتمي إلى واقِعنَا المُعَاصِرِ ، وكنتُ قَدْ انتويتُ أنْ أكتبُ مقالاً تحليليًا لخطابِ السيد جمال مبارك مراعياً فيه الموضوعيةَ ،والبعدَ عن التهكمِ والسخريةِ ، لكنني لم أستطعْ أنْ أمنعَ نفسي من الضَّحِك وأنا أطالعُ خطابَ سيادتِه ، غيرَ أنَّ النيةَ الصَّادقةَ في التحليل الموضوعي كانتْ لها الغلبةُ في النهايةِ ، وأستطيعُ أن أزعمَ أنَّ الخطابَ كان غير ذي موضوع ،إذْ اتكأ على ردةِ الفعل التي تخلو من الكياسةِ والتي قابلَ بها المسئولونَ المصريونَ ما كاله الكثيرون للنظام المصري من اتهاماتًٍ خطيرةٍ بشأن الحربِ الصهيونيةِ الأخيرةِ على غزةَ ، ومن المعروفِ للكافةِ أنَّ الرؤيةَ السياسيةَ الواضحةَ إذا غابتْ فإنَّ البعضَ يَعْمَدُ إلى الدفاعِ غيرَ المنظمِ عن ممارساتٍ ،هو نفسُه لا يحملُ قناعةً تامةً بها ، وفي حديثه عن الأمن القومي أوضحَ سيادتَه أنَّ الأمنَ القومي كلمةٌ كبيرةٌ ،وكل شخصٍ يستخدمُهَا وفْقَ ما يريدُ وأنَّه يعتقدُ أنَّ نقطةَ البدايةِ في أي أمن قومي هي اتباعُ سياسةٍ وآليات تُمَكِنُ من الحِفاظِ علي الاستقلالِ وحمايةِ الأراضي والحدودِ ، ولكم كنت أودُّ من السيد جمال أنْ يُتْحِفَنا بتعريفٍ جديدٍ للأمن القومي ، حتى نستطيعَ بعد ذلك أنْ نرصدَ كيف يحافظُ نظامُ والدِه عليه ،لَكنَّ الرجلَ خيَّب فيه رجاءنا – كعادته- وقفزَ فوقَ حاجزِ التعريفِ ، إلى السياساتِ والآلياتِ ، وأنا في هذه النقطةِ بالذات ألتمسُ له كلَ العذرِ لكونه رجلَ السياساتِ الأولِ في البلادِ ، وبوصفِه كذلكَ أحد الذينَ لا يتوقفونَ كثيرًا عندَ هذه المسائل الشكليةِ ، لكونهم غارقينَ حتى الآذان في النواحي العمليةِ والتنفيذيةِ ، والحقيقة أنَّ مفهومَ الأمنِ القومي الذي يَدْعُونَا إليه ،هو مفهومٌ من الاتساع بمكان ،إذ أنَّ السياساتِ والآلياتِ هي من الأمورِ الاختلافيةِ التي قلمَا يُتَّفقُ عليها ،مِنْ هذا المنطلق لا نستطيعُ أن نناقشّ السيد جمال مبارك في أمورٍ كاختراق المجالِ الجوي المصري من قبل ِالصهاينةِ ، ولا في مقتل ثمانيةٍ وخمسينَ مصريًا على أيدي الصهاينة منذُ إبرام المعاهدةِ ، ولا كيفَ أصبحَ إطلاقُ ((شاليط)) على رأس الأولوياتِ المصريةِ ، فالأمرُ من وجهةِ نظره- كما فهمنا- يتعلق في المقام الأول بالسياسة والآليات لا بالسيادة واحترام الاتفاقيات . وعندما تحدثَ عن الموقف المصري الذي ادَّعَى البعضُ أنَّه اهتزَّ بشدةٍ بعدَ أحداثِ غزةَ قالَ إنَّ مصرَ لها مصداقيةٌ كبيرةٌ في العالم ، وتحظي بالثقةِ في دول العالم باتساعها ، وأغلب الظَّن أنَّ السيد جمال كانّ يقصدُ دولةَ الكيان الصهيوني التي شكرَ مواطنُوها نظامَ أبيه عبرَ شاشات التلفزة وفي جميع وسائل الإعلام ، وأنا شخصيًا لا أجدُ أدنى ضررٍ في أن يتحدثَ السيد جمال عن مصداقية مصرَ وثقةِ العالم فيها ،فهذا حديثٌ يُسْعدنا جميعًا ، لكن كل الضرر قد يأتي من هذا الخطاب الذي يتسمُ بالثقةِ المفرطةِ والتعميم الذي يخالفُ أبسط أسس الخطاب الإعلامي ، فأنا شخصيًا أعرفُ دولاً وشعوبًا لا يتمتعُ النظامُ المصريُ لديها بأي مصداقيةٍ ،بل وأكاد أجزمُ أنَّ ثقتها في نظام مبارك بلغتْ الصفرَ المئوي بجدارةٍ واستحقاق ، فعن أي عالمٍ يتحدثُ السيد جمال ، كذلك فإنَّ الدورَ المحوري المصري الذي ألمحَ إليه لم يعدْ خافياً على أحدٍ ،فأي دورٍ أكبرُ من إمدادِ الكيان الصهيوني بالبترول والغاز ، وإمدادِ جيشه بالوجباتِ السريعةِ على جبهات القتال حسب ما نشرته إحدى الصحفِ المصريةِ شبه المستقلة ،مع إحكام الحصار على غزةَ وإغلاق معبر رفح أمامَ المساعدات والأطباء وأعضاءِ المنظمات الحقوقية ، وبالمخالفة الصريحة لجميع الأعرافِ والمواثيق الدوليةِ ، كان أولى بالسيد جمال مبارك أنْ يبتعدَ بخطابه عن هذه المناطق الشَّائكةِ ، والتي خسر فيها أكثرَ مما كسبَ بكثير ، لدرجةِ أنَّه عمدَ إلى تخوين من اختلفَ مع نظام والدِه أثناءَ الأزمة ،واتهمهم أنَّهم ساروا في ركاب حملةٍ منظمةٍ هدفها النيلُ من مصرَ ، وأنَّهم ما فعلوا ذلك إلا للحصول على مكاسبَ سياسيةٍ ، على حساب قضايا استراتيجية – على حد زعمه – والحقيقة أنَّ هذه الجملة بالذات هي عينُ الفكاهةِ في الخطاب ، إذْ أنََّها تطلُ علينا وقدْ ارتدتْ أبهى حلل الحكمةِ والرصانةِ اللغويةِ ، وفيها من الإحالةِ إلى عالم الغيب الكثيرَ والكثيرَ ، وقدْ تُسْرعُ بك جملةٌ فارقةٌ كهذه إلى الوصول إلى مراميك في ما تطمحُ في إيصَاله إلى سامعيك ،هذا إذا كنتَ خالصَ العزم ،صادقَ النية والتوجه كالسيد جمال ، هذه الجملةُ جمع فيها الرجلُ كلَ مناوئيه ، وأسكنهم بضربةٍ واحدةٍ في خندق العمالةِ ، والتربح على حساب قضايا الوطن الاستراتيجية ، التي يراها الرجلُ بعين بصيرته التي لا تخطئ ، وأظن أنَّ هذا ما جعله يدللُ في المسألة الإيرانية على اتساع هوة الخلاف بين نظام والده وإيران بقوله ((إنَّ إيران تختلفُ معنا‏,‏ وترددُ ما يردده البعضُ بأنَّه ما كان لمصرَ أن تتوجه نحو السلام وأنَّ هذا كانَ خطأً استراتيجيًا وأنَّه كان علي مصرَ الاستمرارُ‏,‏ وهذا موقفُهم وهو موقفٌ يتناقض مع الموقف المصري تجاهَ العديدِ من القضايا‏ )) وقدْ نختلفُ أو نتفقُ حولَ حقيقةِ الدور الإيراني في المنطقةِ ، وقدْ نختلفُ أيضًا حولَ ما تريده إيران من النِّظام المصري تحديدًا ، لكن ما لا يمكنُ تجاهله في خطاب السيد جمال مبارك ،هو هذا التباينُ الواضحُ في لغةِ الخطاب التي تكتسب طابعًا فريدًا مِنَ التعميم والإجمال حينما تكونُ الحَاجةُ ملحةٌ إلى التفصيل والدقةِ ، بينما تنحو اللغةُ ذاتُها منحى ً شديدَ التطرفِ والاستعلاءِ إذا تَعَلَّقَ الأمرُ بدول بعينها ، وهذا مِمَّا يقدحُ في الخطابِ ذاته ،وفي ما قام عليه من ادعاءِ مخاصمته للتشددِ ،بارتداءِ ثوبٍ بالٍ من العقلانية المدعاة وهو ثوب يفضحُ أكثرَ بكثيرٍ مِمَّا يسترُ .

الثلاثاء، 13 يناير 2009

ماذا تريد إسرائيل من الحرب ؟


الآن وبعد مرور قرابة الأسابيع الثلاث من الحرب الصهيونية على غزة هل يمكن لنا أن نحاول فهم دوافع هذه الحرب غير المسبوقة ومراميها وهل كان الهدف الوحيد منها هو القضاء على حماس ؟ أم أن هناك دوافع أخرى وأسبابا خفية دفعت آلة الحرب الصهيونية للتحرك بهذا الشكل ؟ هناك أقاويل كثيرة داخل إسرائيل تتردد حول أن إيهود أولمرت هو المعني بمواصلة القتال لكي يتم تأجيل موعد الانتخابات ، ومن ثم دعم موقف حكومته ،بينما يرى آخرون أن الجنرال يواف جالانط قائد المنطقة الجنوبية هو الذي يدفع باتجاه التصعيد والشروع بالمرحلة الثالثة من خطته العسكرية التي عكف على إعدادها لثلاث سنوات، وفقاً لمصادر إسرائيلية،كما اعتبر هو نفسهً أن عدم اتخاذ مثل هذا القرار(قرار التصعيد) هو خطأ تاريخي. ، كما صرح شمعون بيريز في كلمة ألقاها أمام جنود احتياط في قاعدة التدريبات العسكرية في تسئيليم، أن الدول العربية ترغب في أن تحقق إسرائيل النصر في قطاع غزة، ليس محبة لها بل لأنها لا ترغب في أن يسيطر 35 مليون إيراني على 350 مليون عربي. ويمكن القول أن دوافع الحرب على غزة غير واضحة حتى داخل إسرائيل نفسها ، وليس القضاء على حماس ، لما تثيره من مخاوف لدى إسرائيل و بعض دول الجوار العربي ، هو الهدف الوحيد ،وإن كان وحده هو الهدف المعلن ،كما أن الحرب على غزة وإن بدت حربا إقليمية تسعى فيها إسرائيل لإضعاف المقاومة ،إلا أن شواهد كثيرة تؤكد ضلوع أطراف عربية ودولية فيها ، ويرى البعض أن إنهاء المقاومة المسلحة في فلسطين كان على جدول أعمال إدارة بوش ، وأنه تأخر بسبب ما تواجهه القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان ،وما أحدثته الأزمة المالية العالمية من تداعيات أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي ،وربما تمثل الحرب على غزة شكلا من أشكال الاستجابة الفورية لإدارة بوش التي تسعى للخروج بشكل يحفظ لها بعض ماء الوجه ، وربما كانت استجابة غير مباشرة لأطراف عربية ترى في وجود حماس خطرا يهدد أنظمتها ويسعى جاهدا لتصدير الثورة إليها ، مما يطرح علينا سؤالا هاما ،هل الحرب على غزة هي حرب بالوكالة لصالح أطراف أخرى امتنعت عن المشاركة الفعلية ؛ لأسباب مختلفة ؟ أم أنها حرب تهدف إلى جر أطراف بعينها كإيران مثلا لاتخاذ مواقف قد تعجل بتوجه ضربة شديدة لها ، المؤكد أن تلك الحرب قد توفرت لها العديد من الظروف ؛ لتكون الأعنف في تاريخ دولة الكيان الصهيوني ، فمن جانب هي بمثابة الفعل الأشنع الذي لا يقبل المزايدة من قبل اليمين الإسرائيلي ،ومن جانب آخر فإنها تمثل محاولة جادة لإعادة ترتيب الأوضاع على الأرض قبيل جولة ماراثونية جديدة لمباحثات السلام برعاية الإدارة الأمريكية الجديدة ، كما أنها – أي الحرب – تكون قد مهدت لأدوار جديدة تقوم بها دول الاعتدال العربي ، ستكون أكثر وضوحا في التعامل مع القضية الفلسطينية في غياب دور المقاومة ؛ تكريسا لدور السلطة الفلسطينية الطامح لإقامة الدولة الفلسطينية وفق الشروط الأمريكية والإملاءات الإسرائيلية ، والمؤكد أن أيا من الأهداف السابقة لن يتم تحقيقه على المدى القريب ، مما يؤكد أن الحرب على غزة هي حرب تكتيكية في المقام الأول ، تسعى إلى إحداث أكبر قدر من الإرباك في صفوف المقاومة ، دعما لإعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع ، وتمهيدا لتنفيذ مخططات تجفيف منابع المقاومة فيه ، واللافت للنظر أن كثيرا من تقديرات الإسرائيليين غير دقيقة ، وربما تؤدي إلى شيء قريب مما حدث في صيف 2006 م والفارق أن المقاومة اللبنانية كانت قد حصلت على دعم غير محدود من إيران وسورية ،بينما تلقى المقاومة الفلسطينية أشد العنت بسبب إحكام الحصار ،وإغلاق المعابر ، غير أن ما ستسفر عنه الأيام القادمة سيعلن وبشكل واضح فشل هذه الحرب الإجرامية في تحقيق أهدافها ، وإنَّا لمنتظرون .

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008

استربتيز سياسي وإعلامي


يا صُهيوني افرحْ هللْ ...... حاكمْ مصروراك بيكمل

شعارٌ ترددَ في إحدى المظاهرات المصريةِ المناصرةِ لغزةَ في محنتها والمنددةِ في الوقتِ ذاته بالموقفِ الرسمي المصري الذي فاقَ حدودَ العمالةِ وبلغَ حدَّ الخيانةِ الصريحةِ الواضحةِ بدءًا من إحكام ِالحصار ِعلى غزةَ وأهلها ومرورًا بالتواطؤ الواضح مع الكيان الصهيوني ضدَّ حركةِ المقاومةِ الإسلاميةِ ،وليس انتهاءً باستقبال بغي بني إسرائيل (تسيفي ليفني) وإفساح المجال ِلها لتتحدثَ بصفاقةٍ لا نظيرَ لها قبل بدء المذبحةِ بثمان وأربعين ساعة ، والحقيقة أن الحفاوة البالغة التي اُسْتُقبِلت بها العاهرةُ الصهيونيةُ في مصرَ والصورةُ التي التقطت لها بصحبة وزير ِالخارجيةِ المصري أبو الغيط وهو يُمسكُ بيدها تؤكدُ أنَّ النِّظامَ المصري كان على علم ٍبالمذبحةِ الإجراميةِ وميعادِها ، كذلك ما صرَّح به الوزيرُ نفسه من أنَّ مصرَ حذرت أكثرَ من مرةٍ من اختراق ِالتهدئةِ من قِبل حماس ، لأنَّ ذلك سوف يؤدي – حسب زعمه - إلى نتائجَ وخيمةٍ كما أضافَ أنَّ عدمَ استجابة حماس لهذه التحذيرات يُحَمِّلُ حماس المسئولية َكاملة ًعما يحدثُ الآن من مجازرَ وحشيةٍ تفوقُ كلَ تصور ٍ، كما انبرتْ العديدُ من الأبواق الحكومية ،لتنعقَ بمبرراتٍ واهيةٍ في محاولةٍ فاشلةٍِ لتجميل أقبح وجه يظهر به نظامُ مبارك الذي يلتمسُ الآن كافة َالسبل ِللخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه ، ولعل هذا يبرر لماذا لم يوجه مبارك إلى الآن أي كلمةٍ للشعب المصري الذي يدينه شخصيًا في ما يحدث من مذابحَ ولماذا يعتمدُ النظامُ المصري في تبرئةِ ساحته على تصريحاتِ المسئولين الصهاينةِ الذين أكدوا أنَّ النظامَ المصري الذي يَمُدهم بالغاز والبترول مجاناً وتربطهم به علاقاتٌ استراتيجية لم يكن على علم ٍبتفاصيل ِالجريمةِ ولا بميعاد بدئها ، وعندما طالبَ سماحة السيد المصريين بالخروج إلى الشوارع بالملايين وفتح المعابربالقوة ِ هاجَ وماجَ الوزير الحقل وارتعدتْ فرائسُه وزمجرَ وردَّ على سماحة السيد أنَّه- أي السيد - يريدُ نشرَ الفوضى في مصرَ كما نشرها في لبنانَ والحقيقة أنَّ أبا قردان لم يَجْسُر أن يصرح باسم سماحة السيد - سيد المقاومين- ولكنَّه عرَّض بالقول ِوهذاأقصى ما يستطيعُ ، لتمارسَ من بعده أبواقُ الدعارةِ الإعلاميةِ هجومًا فاشلاً ومضحكًا على كل أنصار المقاومةِ ورافضي الخنوع ، معلنينَ أنَّ الانكفاءَ أمامَ الصهاينةِ حكمة ٌ، وأنَّ الارتباط معهم بعلاقاتٍ استراتيجية شاذةٍ هو عينُ العقل ِ، وأنَّ الحديثَ عن أي شكل ٍمن أشكال ِالمقاومةِ هو اندفاعٌ طائشٌ لن يجدي شيئًا ، والغريبُ أنَّ هؤلاء الدَّاعرين يروجونَ لدعواهم باستخدام مصطلحاتِ السيادةِ الوطنيةِ وحدودِ مصرَ الآمنة ومصالحها العُليا وأمنِها القومي ، وغير ذلك من الشعارات التي يعلمُ هؤلاء قبل غيرهم أنَّ نظامَ مبارك هو أولُ المفرطين فيها ، ولعلَّ هذه الأصوات الشائهة لا تدركُ أنَّ الوعي الجمعي المصري تخطى مرحلة َتصديق تلكَ الأكاذيب ،بعدَ أنْ طلَّقَ المصريونَ الإعلام الحكومي طلاقاً بائناً ، بل إنَّ غالبيةَ َالمصريين تعتبرُ الإعلامَ الرسمي مصدرًا رئيسًا للأكاذيب ، نحنُ نتفهمُ جيدًا ما يقوم به نظامُ مبارك في أيامه الأخيرة من تخبطٍ وعشوائيةٍ تؤدي دائمًا إلى افتضاح أمره ،كما نتفهم جيدًا أنَّ محاولات ِتجميل ِالقبح البادي على وجهِ النظام العتيق غيرُ ناجحةٍ ومضحكةٍ في آن ، ما لا يمكن أن نتفهمه أن يقومَ نفرٌ ممن يمتهنون مهنة الإعلام ، كانوا قد كونوا رصيدًا من المصداقية لدى المصريين بدور المحلل(التيس المستعار) في العلاقة غير الشريفةِ بين نظام مبارك والكيان الصهيوني ،ولا يجدون سبيلاً إلى ذلك سوى استهدافِ المقاومة ، والمتاجرةِ بدماءِ الأبرياءِ ، فيما لا يُمكنُ تسميته بأقل من عنوان هذا المقال ، حقًا هذه هي الدعارة الإعلامية الحقيقية ، ويجب على هؤلاء إنْ يعلموا جيدًا أنَّ مُحَاوَلاتِهم لا تنطلي على أحدٍ مهما بالغوا في هذا الاستربتيز عبرَ برامجهم المهجورةِ .

الخميس، 11 ديسمبر 2008

فضيلة الموظف الأكبر


لا أستسيغ أبدًا هذه الحملةًَََََََ َالشرسةًًًًًَََ َالتي يشنها بعضُ الموتورين على مولانا فضيلة الموظف الأكبر بالمؤسسة المسماة بالأزهر ، وأكبرُ من استيائي دهشتي ممن طالبَ الرئيس َبإقالة الدكتور الموظف ، وعلى حد علمي أنَّ الرئيس هو من عين الشيخ َالموظفَ بالأمر المباشر ، وليس فيما حدث من مصافحة بين الشيخ ( أعني كبير السن ) وبين رئيس دولة الكيان الصهيوني ،أدنى غضاضة ٍفكلاهما متفقٌ في الكثير من الرؤى بخصوص العديدِ من القضايا الإقليمية والدولية ، و كان الموظفُ الأكبرُ قد التقى منذ سنوات بمقر المشيخة ( مكان يتجمع فيه عدد من كبار السن ) بوفد من حاخامات الكيان الصهيوني ،وقد جرى اللقاءُ وسط َأجواءٍ من الود والألفة ، والطريفُ في الأمر أن الدكتور الذي كان موضوعُ رسالته للدكتوراه حول بني إسرائيل في القرآن ، كان قد تبرأ من الفعل الفاضح (أقصد فعل المصافحة ) زاعمًا أنه لم يتعرف على شخص الرئيس الصهيوني ،وربما ظنه أحد العاملين في خدمة ضيوف المؤتمر ،فأراد أن يصافحه من باب تأليف القلوب ،ونحن – جميعا- نعلم أنَّه عمل من الأعمال التي تستوجبُ الثوابَ الكبيرَ ، ورغم ما زعمته صحيفة ( معاريف ) من أنَّ مولانا هو الذي سعى لمصافحة السفاح ،وأنهما تبادلا حديثـًا وديًا استمر لعدة دقائق ، إلا أنَّ هذا الزعم لا ينفي عدم معرفة الشيخ بالرئيس ، أما الحديثُ فربما كان عن مستوى الخدمة في المؤتمر ، وأنواع الطعام والشراب المقدم ،وعن خلوه من الكحول من عدمه ، إذن هناك عدة وجوهٍ يمكن أن نفسرَ بها واقعة َالمصافحة ، فلماذا يأخذها المتحاملون على المحمل السيئ ؟ متناسينَ تاريخ َالموظفِ الأكبرِ ودوره النضالي في دعم المقاومة الفلسطينية ، حين وصف رجالَ العمليات الاستشهادية بالمنتحرين ، ثم لماذا لم يراع هؤلاء تقدم الرجل في السن ،وضعف بصره ،وعدم وفاء مخصصاته المالية من قبل الدولة بالقدرة على عمل كشف طبي على عينيه الجميلتين ،ناهيك عن عمل نظارة ٍذات إطار أنيق وبراق ،حتى يتسنى له بعد ذلك أن يميزَ بين حكام دولة الكيان الصهيوني ،وموظفي الاستقبال في فنادق الدرجة الأولى الممتازة ، ولا شك أنَّ هذه الحملة الشرسة من شأنها أن تفت في عضد شيخنا وتثنيه عن مواصلة سعيه الحثيث نحو تقريب وجهات النظر بين الليكود وكاديما من أجل دفع عملية السلام للوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو تحرير الجندي شاليط من قبضة خاطفيه الآثمين ، وهو الهدف الأسمى الذي وضعته الإدارةُ المصرية ُعلى رأس أولوياتها – حسب إحدى تصريحات الرئيس- فلماذا يقف المشككون – دائما – حجرَ عثرةٍ أمامَ أصحابِ الجهودِ المخلصةِ في طريقهم لبلوغ الغايات النبيلة ؟ لذلك فقد جاء تصريحُ سيادته عن من هاجموه بسبب فعلته هذه ( أنهم مجانين ) متسقـًا تمامًا مع ما عودنا عليه الرجل من احترام مخالفيه في الرأي وتقبله دائما للنقد بصدر ٍرحبٍ ، ولعل تصريحه هذا يذكرنا بتصريح ٍقديم له عن علماء الأزهر الذين رفضوا فتواه بخصوص فوائد البنوك بأنهم ( سمكريه ) وأنا حقيقة لا أعرف ُمن يقفُ وراء هذه الحملةِ الشرسةِ ،ويذكي أوارَ نارها ، ولا ما يهدفُ له من ورائها وكيف يجهل هذا الموتور ما اتفق عليه جمهور النادي الأهلي ونادي الزمالك وأندية الأقاليم أنَّ (الضربَ في الميتِ حرامٌ) .