تَعَجَّبَ عَدَدٌ مِنَ المُهْتمَّينَ بِالشَّأنِ العَام مِنَ الخُطْوَةِ التي أقْدَمَ عليها مُؤسِسُو حِزْبِ الوَسَطِ ، بالتَّقَدُّمِ بِأوراقِ الحِزْبِ للَّجْنَةِ الأحْزَابِ بِمجلسِ الشُّورى للمَرةِ الرَّابعةِ ، وكَانَ مَثَارُ العَجَبِ في الأمْر ِهو كيفَ يتقدمُ مُؤسِسُو الحِزْبِ بطلبِ الحصولِ على شرعيةِ مُمَارسةِ العَمَلِ السِّياسِي من نظامٍ يعلمُ القاصي والدَّاني أنَّه فاقدٌ لأي شرعيةٍ ، والحقيقةُ وكَمَا هو معلومٌ أنَّه لا يختلفُ اثنان مِنَ المنصفينَ من أبناءِ هذه الأمةِ أنَّ الوسطَ جديرٌ بالحُصُولِ على الرُّخْصَةِ التي تؤهله للممارسةِ السِّيَاسِية الكاملةِ لكافةِ الأنشطة الحزبية ، وكَمَا هو معلومٌ فقد تعاملَ الحزبُ وقياداتُه ومنذُ يوم السادس من يناير (كانون الثاني)2007 مع بيان مجلس الدولة بِكلِ موضوعيةٍ ، وقدْ وضعَ المؤسسونَ نُصْبَ أعينِهم استيفاءَ جميع الشروطِ التي وردتْ في القانون المعدل لعام 2005 ، وكانَ تقريرُ هيئة مفوضي الدولة برئاسة المستشار فريد تناغو قد أقرَّّ بتميز الحِزبِ في برنامجه عَنْ كَافَّةِ الأحْزابِ القائمةِ ، ومِنْ ثمَّ فإنَّ التراجعَ عَنْ التَّقدمِ بالأوراقِ مع إمكانيةِ استيفاءِ هذه الشُّروط ،كان سيصبحُ بمثابةِ العودةِ إلى المربع رقم صِفر ، ومع إيمان مؤسسي الحِزْبِ أنَّ وجودَ حزبٍ سياسي يمثلُ تيار الوسطيةِ هو ضرورةٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ ، كما أنَّ الاستقراءَ الدقيقَ لواقع الأحزابِ السِّيَاسِيةِ المِصْرِيةِ يُعدُّ دافعاً إلى إحداث حالةٍ من التغيير على مستوى الرؤى والأفكار والممارسة الحزبية ، ولا أكونُ مغاليًا إذا قلتُ أنَّ التَّقَدُمَ بأوراق الحزب للمرة الرابعة كانَ فعلاً وطنيًا قُدِّم فيه العَامُ على الخاصِّ ، وكانَ القَصْدُ فيه مصلحةَ الوطنِ دونَ غيرها ، وقدْ ثَارتْ بعضُ التساؤلات حَوْلَ جدوى التقدم بالأوراق مع فرضية أن اللَّجنة المختصة ستبادرُ بالرفض ،وربما دونَ قراءةٍ متأنيةٍ لأوراق الحزب وبرنامجه ، ونحنُ هنا نُسلِّم ببعض الصِّحةِ لهذا الطرح ،ولكننا معنيون في المقام الأول بأخذ زمام المبادرة ، وفتح الطريق أمام فئة غير قليلة من المجتمع المصري ترى أنَّه لابدَّ من وجودِ الطريق الثَّالث الذي يلوذُ به المخلصونَ من أبناءِ هذا الوطن بعيداً عن التفريط والإفراط ، وأظنُّ أنَّ رؤيةَ الوسطِ قد تَبَلْورتْ في الآونةِ الأخيرةِ إزاءَ العديدِ من القضايا ، ومن أهمِها التناولُ الموضوعي لتاريخ مصرَ المعاصرِ - ما بعدَ ثورةِ يوليو- دونَ المغالاةِ في الانحيازِ لفترةٍ بعينها أو الغفرانِ التَّام لكل ما ارتُكبَ فيها من خطايا ، ومن ثمَّ إلصاق كل النقائصِ بالفترةِ التي أعقبتها أو سبقتها على حدٍ سواء ، تَبَلْورُ تلكَ الرؤيةِ حدا بالقائمينَ على الحِزبِ ممن أسْهَمُوا في وضع برنامجه ، إلى التخلص من التفكير الأحادي الذي يقومُ على الدجمائيةِ التي أوردتْ العديدَ من الأيدلوجيات مواردَ الضَّيَاع ،وقدْ حدثَ هذا في غير تغييبٍ للإطار العام الذي يحمي الفكرةَ الرَّئيسةَ ويصونها من التماهي في معتركِ الأفكار المتدافعةِ ، ومع ذلكَ فقدْ بَدَتْ الشَّجَاعةُ واضحةً في برنامج الحزبِ ، إذْ تمَّ من خلاله الإعلانَ عن رؤيةِ الحزب في قضايا شائكةٍ كالحريات الدينيةِ وولايةِ المرأةِ والأقباطِ ، والتي كان المبدأُ في التعامل معها هو مَبْدَأُ المُواطنةِ الذي يقومُ على أساس أنَّ المصريينَ جميعاً سواء أمامَ القانون لهم نفسُ الحقوقِ كما أنَّ عليهم نفسَ الواجبات ، ونحنُ إذْ نطمحُ إلى وجودٍ قانوني نَسْعى من خلاله إلى خدمةِ هذا الوطن وأبنائِه ، ندركُ أنَّ الأوضاعَ في وطننا العزيز قابلةٌ للتبدل بينِ عشيةٍ وضحاها ، عازمينَ على المضي قدمًا في طريقنا الذي بدأ قبلَ ثلاثةَ عشرَ عامًا ، مدركينَ أنَّ صوتَ العقلِ إذا علا لابد أنْ يُسْمَعَ ، وأنَّ البابَ الذي يُطْرقُ باستمرارٍ لابدَّ أنْ يُفْتَحَ ، وليسَ في ما نقولُ ونعملُ تعلقٌ بخيوطٍ واهنةٍ للأمل بقدرِ ما هو الشعورُ بالتفاؤلِ القائمِ على حبِّ هذا الوطنِ ، والإيمانِ بحقه في العيشِ الحرِّ الكريمِ . إنَّ التجاربَ السِّيَاسِية لَيْسَتْ حِكرًا على أصحابها ،بل هي جزء من سياقاتِ التاريخ الذي من خلالِه تتطورُ الأممُ ،ومن دروسه تعي الشعوبُ أدوارها حتى تؤثرُ في رسمِ مستقبل الوطن ، فَمَنْ يمَْلِكُ المصادرةَ على هذه التجاربِ ، ومن يتجرأُ على إيقافها في لحظة ٍتكونُ البلادُ فيها أحوجُ ما تكونُ للجهودِ المُخْلِصَةِ مِنْ كَافَّة أبْنَائِها . الأحد، 24 مايو 2009
تجربة الوسط
تَعَجَّبَ عَدَدٌ مِنَ المُهْتمَّينَ بِالشَّأنِ العَام مِنَ الخُطْوَةِ التي أقْدَمَ عليها مُؤسِسُو حِزْبِ الوَسَطِ ، بالتَّقَدُّمِ بِأوراقِ الحِزْبِ للَّجْنَةِ الأحْزَابِ بِمجلسِ الشُّورى للمَرةِ الرَّابعةِ ، وكَانَ مَثَارُ العَجَبِ في الأمْر ِهو كيفَ يتقدمُ مُؤسِسُو الحِزْبِ بطلبِ الحصولِ على شرعيةِ مُمَارسةِ العَمَلِ السِّياسِي من نظامٍ يعلمُ القاصي والدَّاني أنَّه فاقدٌ لأي شرعيةٍ ، والحقيقةُ وكَمَا هو معلومٌ أنَّه لا يختلفُ اثنان مِنَ المنصفينَ من أبناءِ هذه الأمةِ أنَّ الوسطَ جديرٌ بالحُصُولِ على الرُّخْصَةِ التي تؤهله للممارسةِ السِّيَاسِية الكاملةِ لكافةِ الأنشطة الحزبية ، وكَمَا هو معلومٌ فقد تعاملَ الحزبُ وقياداتُه ومنذُ يوم السادس من يناير (كانون الثاني)2007 مع بيان مجلس الدولة بِكلِ موضوعيةٍ ، وقدْ وضعَ المؤسسونَ نُصْبَ أعينِهم استيفاءَ جميع الشروطِ التي وردتْ في القانون المعدل لعام 2005 ، وكانَ تقريرُ هيئة مفوضي الدولة برئاسة المستشار فريد تناغو قد أقرَّّ بتميز الحِزبِ في برنامجه عَنْ كَافَّةِ الأحْزابِ القائمةِ ، ومِنْ ثمَّ فإنَّ التراجعَ عَنْ التَّقدمِ بالأوراقِ مع إمكانيةِ استيفاءِ هذه الشُّروط ،كان سيصبحُ بمثابةِ العودةِ إلى المربع رقم صِفر ، ومع إيمان مؤسسي الحِزْبِ أنَّ وجودَ حزبٍ سياسي يمثلُ تيار الوسطيةِ هو ضرورةٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ ، كما أنَّ الاستقراءَ الدقيقَ لواقع الأحزابِ السِّيَاسِيةِ المِصْرِيةِ يُعدُّ دافعاً إلى إحداث حالةٍ من التغيير على مستوى الرؤى والأفكار والممارسة الحزبية ، ولا أكونُ مغاليًا إذا قلتُ أنَّ التَّقَدُمَ بأوراق الحزب للمرة الرابعة كانَ فعلاً وطنيًا قُدِّم فيه العَامُ على الخاصِّ ، وكانَ القَصْدُ فيه مصلحةَ الوطنِ دونَ غيرها ، وقدْ ثَارتْ بعضُ التساؤلات حَوْلَ جدوى التقدم بالأوراق مع فرضية أن اللَّجنة المختصة ستبادرُ بالرفض ،وربما دونَ قراءةٍ متأنيةٍ لأوراق الحزب وبرنامجه ، ونحنُ هنا نُسلِّم ببعض الصِّحةِ لهذا الطرح ،ولكننا معنيون في المقام الأول بأخذ زمام المبادرة ، وفتح الطريق أمام فئة غير قليلة من المجتمع المصري ترى أنَّه لابدَّ من وجودِ الطريق الثَّالث الذي يلوذُ به المخلصونَ من أبناءِ هذا الوطن بعيداً عن التفريط والإفراط ، وأظنُّ أنَّ رؤيةَ الوسطِ قد تَبَلْورتْ في الآونةِ الأخيرةِ إزاءَ العديدِ من القضايا ، ومن أهمِها التناولُ الموضوعي لتاريخ مصرَ المعاصرِ - ما بعدَ ثورةِ يوليو- دونَ المغالاةِ في الانحيازِ لفترةٍ بعينها أو الغفرانِ التَّام لكل ما ارتُكبَ فيها من خطايا ، ومن ثمَّ إلصاق كل النقائصِ بالفترةِ التي أعقبتها أو سبقتها على حدٍ سواء ، تَبَلْورُ تلكَ الرؤيةِ حدا بالقائمينَ على الحِزبِ ممن أسْهَمُوا في وضع برنامجه ، إلى التخلص من التفكير الأحادي الذي يقومُ على الدجمائيةِ التي أوردتْ العديدَ من الأيدلوجيات مواردَ الضَّيَاع ،وقدْ حدثَ هذا في غير تغييبٍ للإطار العام الذي يحمي الفكرةَ الرَّئيسةَ ويصونها من التماهي في معتركِ الأفكار المتدافعةِ ، ومع ذلكَ فقدْ بَدَتْ الشَّجَاعةُ واضحةً في برنامج الحزبِ ، إذْ تمَّ من خلاله الإعلانَ عن رؤيةِ الحزب في قضايا شائكةٍ كالحريات الدينيةِ وولايةِ المرأةِ والأقباطِ ، والتي كان المبدأُ في التعامل معها هو مَبْدَأُ المُواطنةِ الذي يقومُ على أساس أنَّ المصريينَ جميعاً سواء أمامَ القانون لهم نفسُ الحقوقِ كما أنَّ عليهم نفسَ الواجبات ، ونحنُ إذْ نطمحُ إلى وجودٍ قانوني نَسْعى من خلاله إلى خدمةِ هذا الوطن وأبنائِه ، ندركُ أنَّ الأوضاعَ في وطننا العزيز قابلةٌ للتبدل بينِ عشيةٍ وضحاها ، عازمينَ على المضي قدمًا في طريقنا الذي بدأ قبلَ ثلاثةَ عشرَ عامًا ، مدركينَ أنَّ صوتَ العقلِ إذا علا لابد أنْ يُسْمَعَ ، وأنَّ البابَ الذي يُطْرقُ باستمرارٍ لابدَّ أنْ يُفْتَحَ ، وليسَ في ما نقولُ ونعملُ تعلقٌ بخيوطٍ واهنةٍ للأمل بقدرِ ما هو الشعورُ بالتفاؤلِ القائمِ على حبِّ هذا الوطنِ ، والإيمانِ بحقه في العيشِ الحرِّ الكريمِ . إنَّ التجاربَ السِّيَاسِية لَيْسَتْ حِكرًا على أصحابها ،بل هي جزء من سياقاتِ التاريخ الذي من خلالِه تتطورُ الأممُ ،ومن دروسه تعي الشعوبُ أدوارها حتى تؤثرُ في رسمِ مستقبل الوطن ، فَمَنْ يمَْلِكُ المصادرةَ على هذه التجاربِ ، ومن يتجرأُ على إيقافها في لحظة ٍتكونُ البلادُ فيها أحوجُ ما تكونُ للجهودِ المُخْلِصَةِ مِنْ كَافَّة أبْنَائِها . مصر بين زيارتين

السبت، 2 مايو 2009
ماذا بعد ؟

الاثنين، 23 مارس 2009
رجماً بالغيب

الثلاثاء، 3 مارس 2009
من الدولة الراعية إلى الدولة الجابية

الخميس، 19 فبراير 2009
قراءة في خطاب السيد جمال مبارك
فِيْ لِقَائهِ مَعَ شَبَابِ الجَامِعَاتِ بالمنصورةِ صرَّحَ السيد جمال مبارك بعدةِ تصريحاتٍ رأيتُ أنَّها تستحقُ الدراسةَ والتحليلَ ليسَ لما لها من أهميةٍ بقدر ما تُفْصِحُ عنه من ابتعادِ الرجلِ عن الواقع ولجوئِه إلى استخدام الكثيرِ من التعبيرات ِالتي لم تَعُد تنتمي إلى واقِعنَا المُعَاصِرِ ، وكنتُ قَدْ انتويتُ أنْ أكتبُ مقالاً تحليليًا لخطابِ السيد جمال مبارك مراعياً فيه الموضوعيةَ ،والبعدَ عن التهكمِ والسخريةِ ، لكنني لم أستطعْ أنْ أمنعَ نفسي من الضَّحِك وأنا أطالعُ خطابَ سيادتِه ، غيرَ أنَّ النيةَ الصَّادقةَ في التحليل الموضوعي كانتْ لها الغلبةُ في النهايةِ ، وأستطيعُ أن أزعمَ أنَّ الخطابَ كان غير ذي موضوع ،إذْ اتكأ على ردةِ الفعل التي تخلو من الكياسةِ والتي قابلَ بها المسئولونَ المصريونَ ما كاله الكثيرون للنظام المصري من اتهاماتًٍ خطيرةٍ بشأن الحربِ الصهيونيةِ الأخيرةِ على غزةَ ، ومن المعروفِ للكافةِ أنَّ الرؤيةَ السياسيةَ الواضحةَ إذا غابتْ فإنَّ البعضَ يَعْمَدُ إلى الدفاعِ غيرَ المنظمِ عن ممارساتٍ ،هو نفسُه لا يحملُ قناعةً تامةً بها ، وفي حديثه عن الأمن القومي أوضحَ سيادتَه أنَّ الأمنَ القومي كلمةٌ كبيرةٌ ،وكل شخصٍ يستخدمُهَا وفْقَ ما يريدُ وأنَّه يعتقدُ أنَّ نقطةَ البدايةِ في أي أمن قومي هي اتباعُ سياسةٍ وآليات تُمَكِنُ من الحِفاظِ علي الاستقلالِ وحمايةِ الأراضي والحدودِ ، ولكم كنت أودُّ من السيد جمال أنْ يُتْحِفَنا بتعريفٍ جديدٍ للأمن القومي ، حتى نستطيعَ بعد ذلك أنْ نرصدَ كيف يحافظُ نظامُ والدِه عليه ،لَكنَّ الرجلَ خيَّب فيه رجاءنا – كعادته- وقفزَ فوقَ حاجزِ التعريفِ ، إلى السياساتِ والآلياتِ ، وأنا في هذه النقطةِ بالذات ألتمسُ له كلَ العذرِ لكونه رجلَ السياساتِ الأولِ في البلادِ ، وبوصفِه كذلكَ أحد الذينَ لا يتوقفونَ كثيرًا عندَ هذه المسائل الشكليةِ ، لكونهم غارقينَ حتى الآذان في النواحي العمليةِ والتنفيذيةِ ، والحقيقة أنَّ مفهومَ الأمنِ القومي الذي يَدْعُونَا إليه ،هو مفهومٌ من الاتساع بمكان ،إذ أنَّ السياساتِ والآلياتِ هي من الأمورِ الاختلافيةِ التي قلمَا يُتَّفقُ عليها ،مِنْ هذا المنطلق لا نستطيعُ أن نناقشّ السيد جمال مبارك في أمورٍ كاختراق المجالِ الجوي المصري من قبل ِالصهاينةِ ، ولا في مقتل ثمانيةٍ وخمسينَ مصريًا على أيدي الصهاينة منذُ إبرام المعاهدةِ ، ولا كيفَ أصبحَ إطلاقُ ((شاليط)) على رأس الأولوياتِ المصريةِ ، فالأمرُ من وجهةِ نظره- كما فهمنا- يتعلق في المقام الأول بالسياسة والآليات لا بالسيادة واحترام الاتفاقيات . وعندما تحدثَ عن الموقف المصري الذي ادَّعَى البعضُ أنَّه اهتزَّ بشدةٍ بعدَ أحداثِ غزةَ قالَ إنَّ مصرَ لها مصداقيةٌ كبيرةٌ في العالم ، وتحظي بالثقةِ في دول العالم باتساعها ، وأغلب الظَّن أنَّ السيد جمال كانّ يقصدُ دولةَ الكيان الصهيوني التي شكرَ مواطنُوها نظامَ أبيه عبرَ شاشات التلفزة وفي جميع وسائل الإعلام ، وأنا شخصيًا لا أجدُ أدنى ضررٍ في أن يتحدثَ السيد جمال عن مصداقية مصرَ وثقةِ العالم فيها ،فهذا حديثٌ يُسْعدنا جميعًا ، لكن كل الضرر قد يأتي من هذا الخطاب الذي يتسمُ بالثقةِ المفرطةِ والتعميم الذي يخالفُ أبسط أسس الخطاب الإعلامي ، فأنا شخصيًا أعرفُ دولاً وشعوبًا لا يتمتعُ النظامُ المصريُ لديها بأي مصداقيةٍ ،بل وأكاد أجزمُ أنَّ ثقتها في نظام مبارك بلغتْ الصفرَ المئوي بجدارةٍ واستحقاق ، فعن أي عالمٍ يتحدثُ السيد جمال ، كذلك فإنَّ الدورَ المحوري المصري الذي ألمحَ إليه لم يعدْ خافياً على أحدٍ ،فأي دورٍ أكبرُ من إمدادِ الكيان الصهيوني بالبترول والغاز ، وإمدادِ جيشه بالوجباتِ السريعةِ على جبهات القتال حسب ما نشرته إحدى الصحفِ المصريةِ شبه المستقلة ،مع إحكام الحصار على غزةَ وإغلاق معبر رفح أمامَ المساعدات والأطباء وأعضاءِ المنظمات الحقوقية ، وبالمخالفة الصريحة لجميع الأعرافِ والمواثيق الدوليةِ ، كان أولى بالسيد جمال مبارك أنْ يبتعدَ بخطابه عن هذه المناطق الشَّائكةِ ، والتي خسر فيها أكثرَ مما كسبَ بكثير ، لدرجةِ أنَّه عمدَ إلى تخوين من اختلفَ مع نظام والدِه أثناءَ الأزمة ،واتهمهم أنَّهم ساروا في ركاب حملةٍ منظمةٍ هدفها النيلُ من مصرَ ، وأنَّهم ما فعلوا ذلك إلا للحصول على مكاسبَ سياسيةٍ ، على حساب قضايا استراتيجية – على حد زعمه – والحقيقة أنَّ هذه الجملة بالذات هي عينُ الفكاهةِ في الخطاب ، إذْ أنََّها تطلُ علينا وقدْ ارتدتْ أبهى حلل الحكمةِ والرصانةِ اللغويةِ ، وفيها من الإحالةِ إلى عالم الغيب الكثيرَ والكثيرَ ، وقدْ تُسْرعُ بك جملةٌ فارقةٌ كهذه إلى الوصول إلى مراميك في ما تطمحُ في إيصَاله إلى سامعيك ،هذا إذا كنتَ خالصَ العزم ،صادقَ النية والتوجه كالسيد جمال ، هذه الجملةُ جمع فيها الرجلُ كلَ مناوئيه ، وأسكنهم بضربةٍ واحدةٍ في خندق العمالةِ ، والتربح على حساب قضايا الوطن الاستراتيجية ، التي يراها الرجلُ بعين بصيرته التي لا تخطئ ، وأظن أنَّ هذا ما جعله يدللُ في المسألة الإيرانية على اتساع هوة الخلاف بين نظام والده وإيران بقوله ((إنَّ إيران تختلفُ معنا, وترددُ ما يردده البعضُ بأنَّه ما كان لمصرَ أن تتوجه نحو السلام وأنَّ هذا كانَ خطأً استراتيجيًا وأنَّه كان علي مصرَ الاستمرارُ, وهذا موقفُهم وهو موقفٌ يتناقض مع الموقف المصري تجاهَ العديدِ من القضايا )) وقدْ نختلفُ أو نتفقُ حولَ حقيقةِ الدور الإيراني في المنطقةِ ، وقدْ نختلفُ أيضًا حولَ ما تريده إيران من النِّظام المصري تحديدًا ، لكن ما لا يمكنُ تجاهله في خطاب السيد جمال مبارك ،هو هذا التباينُ الواضحُ في لغةِ الخطاب التي تكتسب طابعًا فريدًا مِنَ التعميم والإجمال حينما تكونُ الحَاجةُ ملحةٌ إلى التفصيل والدقةِ ، بينما تنحو اللغةُ ذاتُها منحى ً شديدَ التطرفِ والاستعلاءِ إذا تَعَلَّقَ الأمرُ بدول بعينها ، وهذا مِمَّا يقدحُ في الخطابِ ذاته ،وفي ما قام عليه من ادعاءِ مخاصمته للتشددِ ،بارتداءِ ثوبٍ بالٍ من العقلانية المدعاة وهو ثوب يفضحُ أكثرَ بكثيرٍ مِمَّا يسترُ .الثلاثاء، 13 يناير 2009
ماذا تريد إسرائيل من الحرب ؟

الأربعاء، 31 ديسمبر 2008
استربتيز سياسي وإعلامي

الخميس، 11 ديسمبر 2008
فضيلة الموظف الأكبر

الأربعاء، 10 ديسمبر 2008
وقائع مصرية

الوصول إلى الغايات لا يكون إلا بتقديم التضحيات، والواقع المأزوم الذي تعيشه مصر بسبب سياسات نظام مبارك يكاد يصل بالبلاد إلى حافة الهاوية ، يحدث هذا في ظل إحجام كامل من الجميع عن تقديم أي تضحيات من أجل إزاحة نظام مبارك ، والحيلولة دون إتمام عملية التوريث ، ويعتبر عام 2009 هو العام الحاسم بالنسبة لقوى الضغط وقدرتها على إنهاء مأساة الشعب المصري بإزاحة نظام مبارك ، والحقيقة أن نظام مبارك يستمد عافيته المتوهمة بالترويج لعدد من المفاهيم غير الحقيقية التي تبالغ في قوته ، وتكرس لما يمكن تسميته بسطوة الدولة وسيطرة الأجهزة الأمنية على الأمور بشكل كامل وهذه النقطة بالذات غير صحيحة على الإطلاق إذا وضعنا في الاعتبار الترهل الذي طال جميع قطاعات الدولة بشكل عام ولا يمكن تصور أن الأجهزة الأمنية بما تعانيه من مشكلات تكدس جميع ملفات الدولة لديها بمنأى عن هذا الترهل ناهيك عما أصابها بفعل الفساد ، وانخفاض معدلات مستوى الكفاءة المهنية ، وبقراءة سريعة للأحداث الأخيرة سيتضح أن هناك حالة من الانفلات الأمني غير المسبوق تمثلت في حدوث جرائم قتل تمت على أيدي ضباط شرطة ضد مواطنين في وضح النهار ،فما دلالة هذه الأحداث المتتابعة ؟ إن خروج كثير من هؤلاء عن السيطرة ،وارتكابهم للجرائم بهذه الطريقة يعنى أن هناك ضغطا شديدا يعانون منه ،مع الإحساس بتضخم الذات الذي يشكل مرضا خطيرا يعاني منه عدد كبير ممن يمتهنون هذه المهنة ،كما أن الشعور بالعزلة وعدم الانتماء للمجتمع ،يسهم بشكل كبير في عدم الإحساس بالأمان أثناء التعامل مع المواطنين ،ربما لا يبرر ذلك ردود الأفعال المبالغ فيها من قبل هؤلاء ،أو ما يمكن تسميته الاستخدام المفرط للقوة – حسب تعبير وسائل الإعلام الحكومية عن الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين- ولا يمكن أن يكون ذلك مبررا أيضا لما يمارس من تعذيب داخل أقسام الشرطة ،رغم تقديم البعض منهم للمحاكمة وصدور أحكام بالعزل من الوظيفة ، بل والسجن ، وما يمكن أن نتصوره أن العديد من هؤلاء أصبحوا على حافة الانهيار العصبي ، وليس معنى ذلك أن تأخذنا بهم شفقة أو رحمة ،فهم على أي حال مجرمون لابد أن ينالوا عقابهم عاجلا أو آجلا ، فإجرام هؤلاء فاق كل تصور ، ولا أشك أنهم سيدقون المسمار الأخير في نعش نظام مبارك بما يقترفون من آثام في حق هذا الشعب ،وليس بجديد أن نذكر أن أحداث المحلة اندلعت بسبب صفعة وجهها ضابط شرطة لأحد المواطنين ، فماذا يعني ذلك ؟ببساطة الجهاز الأمني الذي يظن سدنة النظام أنه حامي الحمى ، هو بالتأكيد من أوهن حلقات السلسة الجهنمية التي يقيدون بها الشعب المصري ،كما أن وجود ما يربو على المليون ونصف المليون من جنود الأمن المركزي ،وما يعانونه من ظلم وظروف معيشية صعبة ،تؤكد أن كثيرا من الولاءات يمكن أن تنقلب في أي لحظة بفعل الفوضى ، مع الوضع في الاعتبار أن هذا العداء السافر من قبل أجهزة الأمن يقابل بالعنف المضاد من المواطنين كما حدث في سيناء و المنيا وغيرهما ، كما أن وسائل الإعلام التي تجد في هذه الأحداث مادة شديدة الجاذبية ،أصبحت تشكل ضغطا آخر على رجال هذه الأجهزة ،وخصوصا أن كثيرا منهم ما زال يعيش بعقلية الأزمنة السحيقة ، فمتى يفيق هؤلاء ؟ لا شك أنهم سوف يفيقون – كالعادة- بعد وقوع الكارثة .