
الثلاثاء، 27 يوليو 2010
ماراثون الرئيس

الاثنين، 26 يوليو 2010
الظل المعتم

الجمعة، 23 يوليو 2010
وتتوالى جرائم النظام

الخميس، 8 يوليو 2010
كلام والسلام

الاثنين، 31 مايو 2010
هكذا إذن

الأربعاء، 19 مايو 2010
كَرَامَةُ السُّكَّانِ وحُقُوقُ المالِكِينَ

يبدوالحديث عن كرامة المصريين هذه الأيام في الداخل والخارج مشابهًا تمامًا لحديث ذلك الشيخ الذي وقف مخاطبًا الفلاحين المعدمين في إحدى قرى مصر عن حكمة العلي القدير في تحريم لبس الذَّهب والحرير على ذكور أمَّة محمَّد – صلى الله عليه وسلم - لما في لبسهما من منافة للخشونة الواجبة للرجال ، وتبدو تساؤلاتنا عن هذه الفقيدة ، كتساؤل فلاح معدم من هؤلاء عن أصناف الحرير وأسمائه وأشكال نسيجه ؛ حتى يتحرز من الوقوع في هذا الإثم المبين . إذن ليس هناك ما يدعو إلى الحديث عن الكرامة المهدرة للمصريين في الخارج، ففي هذه الفترة الحالكة من تاريخ مصر لا يصحُّ أن نتحدثَ عن مثل هذه الأمور، حتى لا نتَّهم بالحديث في أمر غير ذي موضوع ، ذلك لأنَّ الحديثَ عن الكرامة ، سَيُسْلِمُنَا – ولاشك- إلى مقومات هذه الكرامة والأسس التي تبنى عليها ، والضوابط التي يجب مراعتها للحفاظ عليها بعيدًا عن متناول الأطفال ، ونحن من كل ذلك – في عصر الرئيس مبارك – حفاة عراة ، لا يتكففنا النَّاس ،بل يفاخرون بقتلنا أمام شاشات التلفزة ولا يمانعون في أخذ الصور التذكارية مع جثثنا الممثل بها . فعندما تتعامل دولة مع مواطنيها على أساس أنَّهم سكان وتسمي وزارة بهذا الاسم ( وزارة الصحة والسكان ) فماذا يعني ذلك ،هل يعني ذلك أن المصريين يعاملون من قبل الدولة بوصفهم سكانًا ، تنتهي الصِّلة بهم بمغادرتهم أرض الوطن (العين محلُّ النزاع ) ولذلك لا نرى سفيرًا أو قنصلاً مصريًا تهتز في جسده المبارك شعرة ،أو يطرف له جفن ، إذا سمع عن اختطاف مصري أو تعذيبه أو قتله ، باعتبار أنَّه ساكن مغادر ربما لم يدفع الأجرة المتأخرة ، وما يفلح فيه هؤلاء الموظفون هو تبرير تلك الأحداث الدَّامية بمبررات تتعلق بفردية هذه الافعال ، بينما شعوب العالم قاطبة تكن كل التبجيل والاحترام للشعب المصري فردًا فردًا ، اعترافًا بفضل القيادة الحكيمة والنظام (التمرجي ) . فهل توجد دولة في العالم تعامل مواطنيها كما تعامل الدولة المصرية سكان مصر ، وربما يكون هذا الكلام هو إجابة لسؤال مفاده كيف وصل هؤلاء القتلة في لبنان واليونان ونيجيريا ومن قبل في إيطاليا وروسيا والعراق والولايات المتحدة إلى هذه الدرجة من الاطمئنان إلى ردة فعل الدولة المصرية الهادئة الضابطة للنفس ، التي لا تكتفي بإهدار حقوق وكرامة مواطنيها في الداخل حتى تغري بهم سفاحي العالم وقتلته ومَهْوسِيه ، وكأنَّ هؤلاء القتلى المصريين في أربعة أنحاء الأرض لا يحملون جنسية بلد موجود ولو على سبيل الاعتبار، رغم أنَّهم يحملون على عواتقهم في تلك البلاد جرائر أفعال هذا النظام المبارك الذي لا يصدر عنه إلا كل ما يشين ويجلب العار تسديدًا لضريبة بقائه التي تؤدى إلى السيد الأمريكي بمباركة الربيب الصهيوني . وليس أبلغ من تعليق الرئيس مبارك في خطابه في يناير الماضي عقب أحداث الاعتداء على المصريين في الجزائر أنه لا يقبل مثل ذلك على الإطلاق حيث أن (( كرامة المصريين من كرامة مصر )) هكذا إذن عرفنا أين ذهبت كلتا الكرامتين ؟ إنَّهما ترقدان الآن بسلام تحت نعال ذلك التشكيل العصابي الذي يحكم مصر كقوة احتلال ، لا تجيدُ إلا نهبَ ثروات الوطن وتتفنن في التنكيل بعموم المصريين وإذلالهم في الداخل والخارج ، حيث لا مجالَ لمساءلة مسئول ، ولا سبيل إلى استرداد حق من أيدي ناهبيه ، ناهيك عن دفع الضرعن البؤساء الذين أوقعتهم الأقدار ضحايا الانتماء إلى دولة لا هي تدول ، ولا هي تُبْقِى على الحد الأدنى من احترامها لوجودها في عالم يموجُ بدول تختلقُ المواقفَ لإثبات ذاتها وقدراتها وأذرعتها الطويلة .
الخميس، 6 مايو 2010
لزوم ما لايلزم

الخميس، 29 أبريل 2010
مصر التي في الترانزيت

الثلاثاء، 16 مارس 2010
النخب وقانون الطفو
حقيقة كلما تأملت حال النخبة السياسية المصرية ، كلما تبادر إلى ذهني مباشرة قانون الطفو ، فأنت لاتستطيع أن تضع تعريفا جامعا مانعا لهذه الفئة من المصريين سوى أنهم يملؤن الدنيا ضجيجا في مجتمع تقريبا مصاب بالصمم ، أضف إلى ذلك أنهم وإن تحدثوا عن الليبرالية وإطلاق الحريات ، أوحقوق قوى الشعب العاملة ،إلا إنهم في حقيقتهم يتصرفون كأعضاء النادي الملكي للسيارات الذين لا يمنحون عضوية ناديهم الموقر لراكبي الدرجات الهوائية ، لأجل ذلك ولغيره من الأسباب المتعلقة بآفات الشخصية السياسية التي تندفع بقوة الطموح الخاص ، فيتضاءل أمامها الشأن العام بل ومصلحة الوطن ذاتها ، صارت هذه النخبة نمطا فريدا من البشر لم تعرف له المجتمعات المتحضرة مثيلاً ، فتراهم وهم المثقفون - افتراضًا- يسارعون بسد منافذ النور التي تهيئها الأقدار للناس ، فيسارعون بالهجوم على كل من تسول له نفسه تسويق الأمل للنفوس اليائسة ، كذلك فإنَّ من آفات هذه النخبة أنْ تتمترس في المركز وتتماهى معه ، على اعتبار أنَّه محط أنظار الكل وخاصة الميديا الإعلامية ، وباعتبار أنَّهم كائنات استثنائية لا غنى عنها ، ولأنَّ المخلوقات الطافية لا تستطيع الغوص ، كذلك فإن هذه النخبة لا قبل لها بالنزول إلى الناس لا على مستوى الخطاب ولا على مستوى الفعل ، وهم يرون أنَّ ذلك فوق طاقتهم ناهيك عن عدم مناسبته لطبيعتهم الانعزالية وإحساسهم المرهف ، كما أن الفساد والاستبداد يعدان بيئة صالحة جدا لهذه الكائنات الصوتية ، لذلك كان من المفترض أن تكون النخبة هي قائدة الشعب وآلته الماضية في التغيير ، فإذا بها عقبته الكأداء وسر شقائه الذي لا ينتهي . ولاشك أيضا أن الأزمة العامة التي تعيشها النخبة العاجية قد أفرزت أزمات أخرى متنوعة الأشكال والألوان ، فسارت أشكال التَّصَاوت على اختلافها وتباينها تؤدي نفس الدور الذي يصب – بلا شك – في مصلحة النظام ، وكان من آثار ذلك أن تعادت هذه المجموعات وتناحرت ، حتى أن أحدهم ليفخر – دون حياء- أنَّه وجماعته ما توجدوا في تجمع كذا إلا لإفساده والقضاء عليه ، ثم بعد ذلك يعجب هؤلاء وأولئك عندما تتعلق أبصار المصريين وقلوبهم بشخص بحجم وقامة الدكتور محمد مصطفى البرادعي كرمز للتغيير وبارقة أمل تتقد جذوتها في هذا الليل الحالك ، فيستكثرون عليه ذلك ، ويستكثرونه على الشعب المنكوب ، فتراهم وقد تخندقوا في نفس الخندق الذي يرسل منه كهنة النظام وكتبته قذائفهم البائسة ، وكأنَّ الجماعة المُنَخَّبَةَ قد فقدت صوابها تماما ، فرأيناهم يخرجون فيما تيسر لهم من أبواق ، وقد حملوا على الرجل الاتهام تلو الاتهام ، وكلها مما يثير الضحك والشفقة في آن ، فمن قائل أن مسلك الرجل يهيل التراب على التجربة الحزبية المصرية وزخمها المتقد طوال الثلاثين سنة الأخيرة ، رغم أن هذه التجربة وبشهادة كبار المتحزبين أنفسهم لا تحمل أدنى قدر من الاحترام الذي يسمح لها بالفخر أو المن على أحد أيما كان ، ومن ناعق بابتعاد الرجل عن واقع مصر والمصريين منذ زمن بعيد ، وكأن هذا الواقع التعس وما آل إليه الحال لا يعد سبة في جبين الجميع حكاما ومحكومين ، وهذا الابتعاد هو الميزة الفارقة - من وجهة نظري – فالرجل لم يتلوث بفساد ولا استبداد ولم يتورط في صفقات مع النظام ، فهل ذلك يعد من حسنات الرجل أم من سيئاته ، وفي الحقيقية أنهم لجهالتهم ولضحالة أفكارهم ولغبائهم المتناهي أيضا ، أخذوا يختلقون من الأكاذيب ما يمكن الرد عليه بأدنى الجهد ،كالترهات التي سيقت عن مستوى الرجل العلمي أيام دراسته ، وعن دوره في الحرب الأمريكية على العراق ، وعن أنه يحمل جنسية أخرى غير الجنسية المصرية – رغم أن نجلي الرئيس يحملان الجنسية البريطانية وبعض الوزراء يحملون جنسيات كندا وألمانيا والولايات المتحدة – والحقيقة أن ما أحدثه ظهور الدكتور البرادعي على الساحة السياسية المصرية من حراك لا يمكن أن يصب إلا في مصلحة المصريين ، فإما أن يدفع الرجل عجلة التغيير الذي طال انتظاره ، وإما أن يضغط من أجل تحسين شروط اللعبة السياسية ، وإما أن يتم مقضاة المحتكمين إلى القوانين التي تخالف كافة الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية أمام المحاكم الدولية ، وهو في كل ذلك محصن من تعرض النظام له بتلفيق الاتهامات ، وليس فيما سبق ما يصب في مصلحة النخبة التي ارتبطت ببقاء نظام مبارك ، رغم ما تبديه من معارضة ظاهرية في بعض الأحيان ، فأحيانا تستوجب الاستمالة إبداء بعض التمنع كما تعلمون- صفقات المقاعد الشاغرة في المجلس القادم أسالت لعاب الكثيرين - لهذا أرى أن مساندة الدكتور محمد مصطفى البرادعي ودعمه في مطالبه العادلة ،هو ظرف اللحظة الراهنة الملح ، فبكل المقاييس سنشهد عما قريب نهاية عصر تعيس ، وبداية عصر آخر له معطيات أخرى ، أما آن لهم أن يترجلوا من الأبراج .الأربعاء، 17 فبراير 2010
عام الحسم
فور تولي الرئيس السادات - رحمه الله- مقاليدَ الحكم في مصر ، أعلن أن عام 71 سيكون هو عام الحسم ، الذي سيشهد استعادة الأرض السليبة ، ولظروف عديدة لم يف الرئيس السادات بما وعد فتأجل الحسم إلى أكتوبر 73 ثم كانت الاتفاقية في نفس العام الذي شهد انتفاضة يناير ، ومنذ هذا التاريخ وَعَى النظام المصري جيدًا عدة أمور كانت من الخطورة بمكان بحيث شكلت منهجه المختار واستراتيجيته الملهمة في التعامل مع الشعب المصري ، وَعَى النظام المصري أنَّ الشعب المصري يأخذ كلام رئيسه على محمل الجد ، ويبني على ذلك الكلام آمالاً عريضة وطموحات كبيرة ، فقرر أن تكون كل خطب الرئيس بعد ذلك كلاماً إنشائياً لا يشى بشيء ذي بال ، وما هي إلا سنوات قليلة حتى أصبح كلام الرئيس وخطبه وتصريحاته من أكثر الأشياء التي يعزف عنها المصريون ولا يلقون لها بالا ، وكانت أحداث 18/19 يناير هي الدرس الأكثر فائدة للنظام في مصر ، فمجرد أن أعلن الدكتور القيسوني عن نية الحكومة رفع أسعار بعض السلع ، إذا بالشعب المصري يخرج عن بكرة أبيه في شوارع مصر وميادينها ، ليعلن غضبته الشجاعة على هذه القرارات ، كان هذا الحدث بمثابة ورقة الطلاق الحقيقية التي تأسست عليها القطيعة الكاملة بين الشعب المصري ونظام حكمه ، ورضي كلا الطرفين بالتسوية والتزما بالشروط ، فرضي الشعب المصري من النظام بفنون التحايل و الالتفاف والتزوير والفساد المستخفي بالليل والنهار ، وقبل النظام من الشعب أن يُسَيِّرَ أموره بنفسه بعيدًا عن الحكومات العاجزة التي لا تملك حلولاً لأي مشكلة ، وكان من تفاصيل هذه التسوية أن يفي الشعب بمتطلبات النظام في شكل ضرائب تدفع دون الحصول على خِدْمَات ، باعتبار أنَّ النظام قدخرج منتصرًا من معركة يناير 77 ،وعليه فإنَّ من حقه أن يُمْلِيَّ شروطه بعد أن عاش الشعب لأيام وهم الانتصار بعد إلغاء قرارات حكومة القيسوني ، ورغم تسليم الشعب بكافة الشروط المجحفة ، إلا أن هذه الأحداث كانت قد تركت أثرًا عميقا في وعي النظام ، وكان هذا الأثر هو المحفز الأكبر لرءوس النظام على اتخاذ كافة التدابير من أجل ألا تتكرر مثل هذه الأحداث ، فتفتقت الأذهان الشيطانية عن خطط لرفع الأسعار بشكل سري ، مع توفير بدائل بالأسعار القديمة تتناقص من الأسواق تدريجيا ،ثم تختفي أو الإبقاء على الأسعار كما هي وطرح عبوات أقل وزنا ،إلى غير ذلك من الحيل التي تجود بها رءوس الأبالسة ، التي ربما لخصت نصائحها لسدنة النظام في هذه الجملة الفارقة : لا تعلن إلا عكس ما تفعل ، ولا تحسم أمرا ، ولا تقطع بشيء .. ثم افعل بعد ذلك ما يحلو لك . والحقيقة أن الحرب لم تنته بين الشعب المصري ومغتصبي السلطة في مصر ، فلا هو بقي على خنوعه ، ولا هم رضوا بما حصدوه من ثروات ، فمع صعود الأجيال الجديدة من الفاسدين زاد الطلب على ما في أيدي الناس من أموال ،فسنت القوانين الجبائية ،وعطلت أو فرغت من مضامينها كل القوانين الحامية لحقوق الشعب وممتلكاته ، حتى بلغ الاستبداد مداه بتغيير الدستور؛ ليصبح مسخا مشوها وضع لخدمة مصالح عدة أفرادٍ ، وضد عامة المصريين وخاصتهم ، وقد أفلح النظام في تمرير كل القوانين السالبة للحريات والداعمة للاستبداد دون أدنى ممانعة من النخبة التي وفقت أوضاعها بين مستفيد ومستأنس ونزيل في سجون النظام ومعتقلاته ، ومن المريب في الأمر أن الكل يؤدي دوره المرسوم بدقة فائقة ،ودون إخلال بمقتضيات الانبطاح أو النضال ، فحرية الصراخ مكفولة لمن يحب أن يصرخ ، وذهب المعز لمن يفلح في الوصول إلى موكب السلطان ، ومع طول فترة حكم الرئيس مبارك بشكل لم يتوقعه أكثر المحبين له يوم تولى الحكم في 81 ، فَقَدَ النظام عددًا من رءوسه الشيطانية المدبرة ،وبدا مترنحا في كثير من المشاهد ،حتى أنه أقصى رموزا من مواقع ذات حساسية بالغة ، ووضع مكانهم أشخاصا مقربين من نجل الرئيس لا يملكون الكفاءة ولا الخبرة ، صاحب ذلك يقين ثابت يرتكز على أن أسباب البقاء هي خارجية بنسبة كبيرة ، حتى صرح أحدهم دون أدنى إحساس بالخجل أن الرئيس القادم لن يأتي إلا بالمباركة الصهيو أمريكية ، وهو تصريح لايقال في أي مكان في العالم غير مصر ، ولا يقال في مصر إلا باعتبارات ترويج اليأس بين الناس وخاصة النخبة المبقية على شروط النضال الحقيقي ، كما أنه يعلن عن نفاد صبرالنظام في ملف التوريث الذي يتم العمل عليه منذ أكثر من أربع سنوات ، كما أنه يلوح أيضا بخطورة البدائل الديمقراطية على مصالح كافة الأطراف باستثناء الشعب الذي يعد العنصر المستبعد دائما من المعادلة ، وهو في الوقت ذاته تكريس لحالة المواقف المتميعة التي يتبناها نظام الرئيس مبارك منذ مطلع الألفية الجديدة ، ربما لتشي أن النظام في مصر به بعض الحيوية التي تسمح بوجود أكثر من رأي ، أو تقبل بوجود جدل حقيقي حول القضايا الكبرى كأمن مصر القومي ، أو آلية تداول السلطة ، أو حول تحسين شروط التفاوض مع الشعب المصري حول انتقاله من حال العبودية لدى الأب إلى الإبن ، كل هذا وغيره دون التطرق إلى أن عام 2010 هو عام الحسم ، بل هو الجسر الذي سوف تعبره مصر إما إلى الانعتاق من أسر العائلة ، وإما إلى حالة من التصاغر ،بحيث تصير مصر بما فيهاومن فيها ، أقل شأنا من عزبة يتفاوض بشأنها أطراف هم سبب بلائها بل خرابها ، ولا يقول قائل أن الرئيس مبارك أعلن عن نيته في البقاء إلى آخر نفس ، من يصدق ذلك لم يع الدرس جيدا ... قل دائما عكس ما تنتوي فعله .. أليس كذلك .السبت، 13 فبراير 2010
المعول والدبوس
يومًا بعد يوم تزداد قلعة الفساد والإفساد والنهب والاستبداد قوةً ومنعةً ، ولهذا أسبابه المتعددة ،ومن أهمها أن حماة هذه القلعة وسكانها والمحتمين بها لا يؤلون جهدًا في سبيل الاستفادة من جميع الظروف الداعمة لوجودهم المبقية على نفوذهم وسلطانهم ، ومن أهم هذه الظروف تشرذم القوى المناوئة وتناحرها وتفرغها لانتقاد بعضها البعض برغم أن هذه القوى تعلم علم اليقين أن تبديد الطاقات في هذا الشأن لا يفيد إلا قلعة الفساد والاستبداد والمتمترسين خلف حصونها ، قكيف يتسنى لنا أن نجعل هذا العلم اليقيني واقعا معاشا ؟ إن ما يحيق بالأمم المبتلاة بالأنظمة الاستبدادية يتراوح بين حال السيطرة المتبصرة لعواقب الاستبداد،وهو ما يستلزم شيئًا من المداراة والحفاظ على الحدود المعقولة للعيش الكريم ، وبين حال الاطمئنان التام لرضوخ الشعب وخنوعه واستسلامه،وهنا لا حدود للبطش والعسف،ولا حديث عن الحياة نفسها ناهيك عن بؤسها أوكرمها ، وبما أن الحالة المصرية هي الحالة الثانية بامتياز، فإنك ترى أن حالة الاطمئنان التام إلى الغيبوبة التي أصيب بها الشعب المصري قد حدت بأهل القلعة أن يبالغوا في التنكيل به ، فتفننوا في أساليب إفنائه إمراضا وإفقارا ونهبا وإهدارا للكرامة ، كما بالغوا في الانكفاء أمام أعداء الوطن الذين يستمدون منهم القوة وأسباب البقاء ، ليس فيما ذكرت جديد ، لكن الأمر يحتاج إلى شيءٍ من إنعام النظر ، حتى نعرف كيف يكون سبيل الوصول إلى قلعة الفاسدين ، فإذا كنت ممن يظنون أنفسهم أصحاب منهج ورؤية واستراتيجية وتطمح للتغلب على هذا التشكيل العصابي ، فأنت تمتلك معولا تستطيع به أن تحطم جزءًا من أسوار هذه القلعة المنيعة ، أو أن تسقط حجرًا أو حجرين ، غيرأنَّه من الواجب عليك أن ترى كل من يخالفوك الرأي ويرون أن منهجك ورؤيتك واستراتيجيتك محل نظر- على الأقل من حملة الدبابيس ، الذين يمكنهم أن يحدثوا خدوشا في الجدران العالية ، حتى وإن استصغرت جهد غيرك إلى درجة الاحتقار، فليس من العقل أن تهدر طاقتك في الانتقاد أو الوعظ ، بل عليك أن تواصل المسير فإما أن يتبعك الآخرون اقتداءً أوغيرةً ، وإما أن تقعد بهم السبل بدافع العجز أو المغنم ، واما المدَّعون الممالؤن الذين يبدون التبرم ويخفون التزلف رغبة في مكسب أو طلبًا لتحقيق مأرب، فليس من المنطق أن تلتفت إليهم ، فإنَّك إن فعلت أضفت إليهم وانتقصت قدر نفسك واستنزفت طاقتك ، كما أن إحسان الظن بالناس مقدم إلى أن يثبتَ العكس ، ولا يغرَّنك ما هو لك من الحظ عند الناس ، فتقعد في مقام المصنِّف فتضيع حظوتك ويحبط عملك. فَإِنَّ مَنْ لَيْسَ ضِدَّنَا فَهُوَ مَعَنَا كما قال المسيح –عليه السلام – فمن يدعي بعد ذلك أن اكتساب الأعداء أمر لاينافي العقل ناهيك عن حسن المقصد فهو إما واهم أو مدع ، وإذا كانت الأحكام القضائية تسقط بالتقادم ، فإن الاحتفاظ بالعداوات التاريخية يصير هزلاً في موضع الجد ، فإذا كنت لا تستطيع أن تمد يدك بالود لمن تجمعك بهم أرضيةًً واسعة من الثوابت المشتركة ، فلا أقل من أن تحتفظ لهم بشيء من الود القديم فإن الكريم- كما قالوا–من حفظ وداد ساعةٍ .إن الإخلاص للهدف النبيل يحتم علينا أن نفسح الطريق لكل من يستطيع صعود تلك السلالم التي نلقيها على أسوار قلعة الفساد والإستبداد ؛ حتى وإن قعدت بنا الأسباب أن نصعدها نحن ، ولنكن كزارعي أشجار الزيتون التي لا تثمر إلا بعد عشرات السنين ،فعلى النية والجهد يؤجر الإنسان أما النتائج فإن الله يختار لحصادها من يشاء من عباده.إن أكثر ما شد انتباهي عندما تعاملت مع الإخوة الاتراك أنهم لا يذكرون أحدا بسؤء على الإطلاق حتى غلاة العلمانية من زعماء حزب الشعب لا يتحدثون عنهم إلا بكل تقدير واحترام ويرون أن الخلاف الأيدلوجي لا يجب أن يجور على المشترك الوطني ، حتى المتورطين في قضايا الفساد لا يتم التشهير بهم ،بل إن وسائل الإعلام التابعة للحركات والأحزاب المناهضة للعلمانية المتطرفة لاتسارع بنشر هذه القضايا وتسبقها إلى ذلك وسائل الإعلام العلمانية ، ولا يكون دافعها إلى ذلك إلا محاولة التبرأ من هؤلاء والتطهر أمام الرأي العام ، حتى أن كثيرًا من محاولات الاغتيال التي تدبر للإطاحة برموز حزب العدالة والتنمية لا يكشف عنها ،دعما لمسيرة التنمية والاستقرار في البلاد ، لدرجة أن السيد أردوجان نفسه لا يعلم كم محاولة اغتيال دبرت له ، أليس في هذا النموذج الرائع قدوة ومثل لنا أم أننا سنتعامل بنفس الانتقائية المقيتة مع هذه التجربة الرائدة التي أشعرت الناس بالأمان الاجتماعي ،وخلقت من خلال التجربة العملية جيلا من الفرسان النبلاء لا تحركهم المنفعة الشخصية ولا المأرب الخاص ، حتى أنك لتعجب عندما ترى شباب الأمة التركية وهم يضرعون إلى الله في خشوع أن يحفظ لهم هذه الكوكبة المباركة من المسئولين المخلصين ، كما يتملكك العجب كله عندما ترى هذه الشعبية المتصاعدة تجتاح عموم تركيا ،حتى معاقل حزب الشعب الكمالي في إزمير وما حولها ، هل نعي الدرس جيدا ؟ أم أن الغرور وأسبقية التجربة ستحول بيننا وبين تمثل هذا الأنموذج الفذ ، فيا أيها المتمارون (( أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)) .الجمعة، 25 ديسمبر 2009
الجدار الفولاذي
يبدو أن هناك حمى أصابت النظام المصري يمكن تسميتها بحمى بناء الجدر ،على اختلاف أنواعها ، فبعد أن ساهم نظام الرئيس مبارك في بناء الجدار العازل الذي أقامه الصهاينة لحماية مناطق الوجود الصهيوني في الضفة الغربية ، وذلك بتقديمه للحديد والأسمنت المصري بأسعار لا تقبل المنافسة ، ها هو ذا يتطوع مأجورا ببناء الجدار الفولاذي على الحدود المصرية مع قطاع غزة ، مما يؤكد أن النظام المصري يسعى إلى تبني سياسة بناء الجدر حتى تصبح لمصر شهرة عالمية فيها ، مما يفتح مجالا أرحب لدعم الاقتصاد الوطني ، ولا إشارة هنا للإملاءات الصهيوأمريكية ، ولا إلى تنفيذ أجندة تهدف إلى خنق حماس والقضاء عليها ، فكما صرح الرئيس المصري مرارا وتكرارا بأن مصر تقف على الحياد ولا تساند طرفا على حساب الآخر لإيمانها العميق أن السلام الذي تؤمن به القيادة المصرية كخيار استراتيجي يمكن أن يقوم على العدل كما يمكن أن يقوم من النوم متأخرا ، واللطيف في الأمر أن القيادة المصرية الرشيدة ارتأت أن يبدأ العمل في الجدار الفولاذي تحت جنح الظلام وفي سرية تامة ، حتى يفاجأ الناس في رفح ذات يوم بوجود الجدار ، فيثوبوا إلى رشدهم ويعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وللأسف ولأننا في بلد تحب الكلام فيما لا يعنيها ، تناثرت الأخبار هنا وهناك عن إقامة الجدار الذي سينهي مأساة الأنفاق التي شكلت صداعا مزمنا للصهاينة والنظام المصري في آن ، مما جعل وجهات النظر بينهما تصل إلى حد التطابق – وهذا لا يحدث غالبا – في ضرورة إقامة هذا الجدار على وجه السرعة وذلك بعد تراجع الكيان الصهيوني عن شق قناة مائية بمحاذاة محور صلاح الدين ، بعدما أثبتت الدراسات والأبحاث خطورة شق هذه القناة على التربة والمياه الجوفية تحتها ، ولعل الكيان الصهيوني الذي لم يتورع عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا في حرب غزة الأخيرة رغم ما تتركه من آثار مدمرة على الإنسان والبيئة ،قد أصغى أخيرا إلى صوت العقل المصري ، فآثر الرضوخ للمطلب المصري باستبدال الجدار بالقناة ، ولكن يبدو أن النظام المصري قد فاته أن الأنفاق لم توجد إلا بسبب غلق المعابر ، وأن التهريب الذي يغطي ثلثي احتياجات سكان القطاع ،لم يكن إلا وسيلة لمواجهة تعنت الجانب المصري ، والطريف أيضا أن تسريب الأخبار الأولى عن بناء الجدار تمت عبر الصحف الصهيونية ، التي دأبت على إحراج نظام الرئيس مبارك رغم ما يقدمه للكيان الصهيوني من خدمات جليلة ، ولأن الأمور تتعلق بحياة قرابة المليوني نسمة ، فإن أمر الجدار الذي يسعى كلا الطرفان لجعله أمرا واقعا ،لن يقابل بالاستسلام الكامل من قبل المتضررين ، ولذلك فقد قامت الجماعات المسلحة في القطاع بقصف معدات الحفر ، كما قامت حركة حماس بمظاهرات قرب الحدود المصرية ، مما جعل النظام المصري يقف على أهبة الاستعداد ؛ تحسبا لاجتياح غزاوي جديد للأراضي المصرية ، وما كان للميديا الحكومية المصرية أن تغيب عن الحفل ، فما هي إلا دقائق ،وقد صدرت الأوامر لجوقة الكتبة ، بالتغني بالحكمة المصرية التي رأت تشييد الجدار الذي أصبح – بقدرة قادر – حصن الأمان المتين ضد تنفيذ المخططات الرامية إلى توطين الفلسطينيين في سيناء ، ناهيك عن دوره الأخلاقي الرائد في إيقاف تجارة المخدرات والرقيق الأبيض بين مصر والقطاع ، وكذلك إيقاف هذا الاستغلال البشع الذي يقوم به المتحكمون في الأنفاق لشعب غزة المسكين المغلوب على أمره ، مع الإشارة إلى تنبيه الغافل إلى أن حماس لا تسيطر فعليا إلا على 10% فقط من الأنفاق ، أما بقية الأنفاق فتستخدم في تجارة محرمة تستغل الناس وتفسدهم ، وتغضب الله العلي القدير على مصر المؤمنة ، إن الجدار الفولاذي لن يعزل غزة عن مناصريها ولن يمنع وصول الإمدادات إليها ، لأن الطرق في هذا السبيل لم تنعدم بعد ، لكن هذا الجدار بالتأكيد سيدعم عزل مصر عن محيطاها العربي ، وسيزيد الهوة السحيقة بين مصر التي كانت ومصر التي هانت ، فأي نظام هذا الذي يحرص على قطع وشائج الصلة مع أشقاء مصر غربا وشرقا ، وهو يتغنى بتاريخ ناصع لمصر العربية لا دخل له فيه ولم يشارك في صنعه بأقل القليل ، ثم هو يذكي نيران الشعوبية ويدعم دعاوى الانكفاء على الذات وقطع أواصر الإخوة ، وكل ذلك من أجل أمر واحد يسعى إلى تحقيقه ، وهو يدرك أنه بات بعيد المنال .الاثنين، 30 نوفمبر 2009
اقتطاع الجزائر
لم تكن تلك الأسلحة البيضاء التي حملها مناصرو المنتخب الجزائري في أم درمان لإرهاب الجماهير المصرية فحسب ، بل كان عملها الأساسي هو اقتطاع الجزائر من جسد الوطن العربي وعزلها عن محيطها العربي ، تمهيدًا لاستلابها لحساب الفرانكفونية ودعاة الفَرْنَسَة ، وقد قدم النظام المصري وأبواقه الإعلامية المقروءة والمرئية خدمة جليلة لأعداء العروبة والإسلام في الجزائر ، موجهين ضربة قاصمة للمدافعين عنهما من أبناء الجزائر ، ولأنه وكما يقول المتنبي ((عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ )) . فلقد وجد المتآمرون من كلا الفريقين ضالتهم في مباراة لكرة القدم ، زرعوا من خلالها الكراهية والعداء في نفوس الشعبين وتجازوت الأبواق الإعلامية الخطوط الحمراء بالأمر المباشر مما أوصل الخطاب في الجانبين إلى درجة غير مسبوقة من السفه والانحطاط ،فرأينا من يشكك في تاريخ الكفاح المشترك بين البلدين إلى أن وصل الأمر إلى تكذيب كل وقائع التاريخ ،فيما يمكن وصفه بالردة الكاملة عن ثوابت كانت تعد منذ أيام قليلة من قبيل المسلمات ، ولأن الأمر برمته لا يخلو من مؤامرة متعددة الأطراف ، فلقد كانت الاستثمارات المصرية في الجزائر هي الهدف الواضح والصريح لعمليات النهب والسلب والإحراق التي تمت تحت سمع وبصر قوات الأمن في البلد الشقيق ،هذا الإرهاب المتعمد لم يكن القصد منه الإساءة إلى مصر بقدر ما كان يهدف إلى إخلاء الساحة الجزائرية للاستثمارات الفرنسية بدعم وتشجيع من عدة رموز في النظام الجزائري يقف في مقدمتهم الوزير (أحمد أويحي ) ، كما تلقى هذه الاستثمارات معارضة شديدة من قبل المتمسكين بعروبة الجزائر وهويتها الإسلامية ،ولتاريخ فرنسا الدموي في الجزائر لنحو مائة وثلاثين سنة ، وإذا كانت هذه الاستثمارات سَتُرْفَضُ ،فالبديل جاهز ويتمثل في الاستثمارات القطرية التي تقف وراءها - بدعم كامل- رءوس أموال صهيونية ، هذه الاستثمارات التي حاولت من قبل امتلاك أراض حدودية في مصر- تحديدا في سيناء- واضطرت مصر إلى دفع تعويضات هائلة بعد أن خسرت القضية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار المعروف اختصارا بـ (أكسيد ) فيما عرف بقضية سياج ، ولأن مصر كانت حصن العروبة الأمين وملاذ كل العرب وصاحبة اليد الطولى في تحرير الجزائر في زمن الرئيس جمال عبد الناصر ، الذي دعم عملية تعريب الجزائر في عهدي الرئيسين بن بيلا وبومدين ، لتعود الجزائر عنصرًا هامًا في معادلة القوى العربية وصاحبة دور هام في القضية الفلسطينية ، وداعم أساسي لمصر في صراعها الممتد مع الكيان الصهيوني – كان على مصر أيضا أن تكون الفاعل الأول في عملية اقتطاع الجزائر ،حتى يُكَفِّر نظام الرئيس مبارك عن خطايا الحقبة الناصرية ، ولأن الذريعة كانت صراع أرجل - وحتى تتم المؤامرة – ارتدى الكثيرون من الكتاب والإعلاميين أحذية الكرة في رءوسهم وأحكموا الأربطة وأخذوا يسكبون الزيت على النار متناسين أن وجود هذه الاستثمارات في الجزائر على ضآلتها - تبلغ حوالي ستة مليارات دولار – قياسا بما هو متاح من إمكانيات هائلة للاستثمار، يشكل أهمية قصوى لعروبة الجزائر وارتباطها بالعالم العربي ، فليس الهدف هو الكسب السريع ولا تكوين الثروات فهذا متاح بشكل أكبر بالنسبة للاستثمارات الفرنسية أو الأوربية أو الأمريكية وحتى الخليجية ، ومن العجيب والغريب أن هذه الاستثمارات المصرية التي لم تحصل على موطئ قدم في الجزائر إلا بعد محاولات مضنية من المخلصين للعروبة في الجزائر يتحدث عن أهميتها وقيمتها المرجفون من الفريقين ، ويعتبرون وجودها الآن من قبيل الإهانة ، ولا أريد أن أسترسل في الحديث عن الكرامة التي أشاعوا أنها أهدرت والأعلام التي ديست وأحرقت ، فالجميع يعرف مقدار احتفاظ كلا الشعبين بكرامتهما في مواجهة نظامين من أشد النظم فسادا واستبدادا ، ورغم ما يعانيه كلا الشعبين على أيديهما من ذل ومهانة وإجرام لا نظير له ،إلا أن أحدا لا يحرك ساكنا ،حتى بدا حديث العزة والكرامة نغمة نشازا في ظل هذا العزف المتواصل على أوتار الذل والمهانة والرضوخ ، ولتشابه الظروف في كلا البلدين كان هناك اتفاق غير معلن على استثمار النصر والهزيمة في المباراة لصالح النظامين ،فينتشي المنتصر بنشوة الفوز، ويمرر ما شاء من قوانين وإجراءات ، بينما يقف المهزوم موقف المدافع عن كرامة الشعب ،والمنافح عن شرفه الرفيع ، والمستعيد لحقه المسلوب . إن مصر الكبيرة لا يمكن أبدا أن تكون أداة لاقتطاع الجزائر من جسد الأمة العربية مهما كانت الأسباب والمبررات ، وخصوصا وقد استبانت الحقائق والمرامي وراء افتعال هذه الأزمة ،ولكن يبدو أن نظام الرئيس مبارك يصر باستماتة على إخراج مصر من جغرافيتها ، كما يسعى دائبا لنفيها من التاريخ0 بقي أن نقول إن الوصول إلى المونديال لا يصلح لاكتساب شرعية تنتقل على إثرها السلطة من الآباء إلى الأبناء ، ولا من الأخوة للأشقاء ، فالأمر برمته هزل في موضع الجد ، وإن دل على شيء فإنما يدل على تهافت تلك الأنظمة وتهرئها وانعدام كفاءتها واستخفافها بحياة الشعوب الغائبة عن الوعي ، فهل نعي الدرس ؟الأربعاء، 11 نوفمبر 2009
اعتزال النظام
في حالة الأنظمة المزمنة التي لا تعرف الحياء وتعاند الزمن والناس ، لا بد للشعوب أن تبحث عن بدائل ، فإن استعصت تلك الأنظمة على العزل وجب على الشعوب اعتزالها ؛ لتزول من تلقاء نفسها بعوامل الفناء الذاتي وبالصراعات الداخلية والتقاتل على المغانم ، واعتزال النظام بمعني إقصائه عن حياة الناس ليست فكرة جديدة ، فقد قرأنا منذ سنوات لأحد الكتَّاب طرحا مفاده أن يصحو المصريون مبكرا ذات يوم ويتوجهوا جميعا نحو الحدود ليتركوا مصر خالية وعلى حد قول الرجل ( ويشوفوا بقى هيحكموا مين وهيتجبروا على مين ) والفكرة السابقة على طرافتها وتطرفها واستحالة تنفيذها تطرح إمكانية اعتزال النظام بتقليص التعامل معه إلى أدنى الدرجات ، وعدم اللجوء إلى مؤسساته التي ضرب الفساد في أطنابها والعودة إلى المجالس العرفية وآليات فض المنازعات الشعبية ؛ لحل الخلافات وابتكار طرق جديدة للتوثيق وإثبات الحقوق لأصحابها و تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في التصدي للمشكلات المجتمعية بعيدا عن أدوار لا تقوم بها الدولة إلا على أسوأ حال - وأي فائدة ترجى من الاحتكام إلى نظام لا يستطيع رفع القمامة من الشوارع لأسابيع عديدة - ونذكر أنه من سنوات كانت حركة كفاية – على ما أظن – قد دعت للامتناع عن سداد فواتير الكهرباء والماء والتليفون – خاصة – بعد ارتفاع أسعارها بشكل صادم بسبب احتساب معدلات استهلاك هي أقرب إلى الخيال غير العلمي ، وبعد ما تبين باعتراف بعض المسئولين أنها تقوم على تقديرات جزافية تقترب من عمليات النصب العلني . إن هناك كثيرا من الممارسات اليومية التي يمكن تطبيقها لاعتزال هذا النظام ،وهي بمثابة شكل من أشكال المقاومة السلبية ، على طريق العصيان المدني ، إن نظام الرئيس مبارك الذي تآكلت أي شرعية لوجوده يسعى جاهدا إلى ضخ دماء تبقيه على قيد السلطة لأطول فترة ممكنة ، وهذه الفترة تطول أو تقصر بحسب ما يمكن أن تقدمه الجماهير من تضحيات لإزاحته ، وإذا كان من الصعب الآن أن ندعو إلى فعل إيجابي حقيقي يقابل من قبل النظام الآفل بالبطش الإجرامي ،فليس أقل من أن ندعو عموم المصريين إلى اعتزال النظام ، وليس علينا إلا طرح بعض البدائل المنطقية القابلة للتحقق ، وهي دعوة أزعم أنها ستلقى ردود فعل إيجابية قياسا بعزوف الناس – مثلا - عن الإعلام النظامي بكافة أشكاله حتى باتت قنواته و صحفه ومطبوعاته بمثابة وسائل إعلام سرية لا يتعاطاها أحد حتى أقطاب النظام أنفسهم ، مما جعل بقاءها والإنفاق عليها صورة من أبشع صور إهدار المال العام ، وإذ كنا نسعى إلى اعتزال النظام في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين ، فالأولى بنا أن نعتزله في جميع ما يقوم به من انتخابات لا يتوفر لها أي قدر من النزاهة ، فإذا لم يرضخ نظام الرئيس مبارك إلى المطلب الشعبي القائل بعودة الإشراف القضائي الفعلي على صناديق الاقتراع ، وإذا لم يستجب أيضا لدعوة المراقبة الدولية والإشراف الدولي على الانتخابات القادمة من خلال دول ومنظمات لها احترامها،وإذا لم يوفر الضمانات الكافية كإسناد الأمربرمته إلى هيئة محايدة يتمتع أعضاؤها بالسمعة الطيبة والاستقلالية ، فليس أقل من مقاطعة شاملة لهذه الانتخابات ووصم كل من يشارك فيها بالتعاون مع سلطة تمارس القهر والاستبداد ولا تتحلى بأي قدر من الممارسة الديمقراطية ، وإذا كانت الدولة المصرية على مدى قرابة الثلاثة عقود قد تخلت عن أدوارها الحقيقية في توفير أدنى درجات العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية وعوامل الأمن والسلامة للمواطنين ، ومارست من خلالها جماعات المصالح ورجال الأعمال عمليات تجريف لم تحدث من قبل للثروة في مصر على أوسع نطاق ، وما تزامن مع هذا التخلي من القيام بأدوار لا تقوم بها أعتى الأنظمة الاستبدادية - تمثلت في تمديد العمل بقانون الطوارئ وسن القوانين المضادة لمصالح الشعب والسالبة للحريات ناهيك عن فرض الجبايات والإتاوات وممارسة البلطجة وإضعاف روح الانتماء لدى عموم المصريين ، وإشاعة روح اليأس مما أسهم بدور فاعل في تدهور المجتمع المصري في مختلف قطاعاته وشرائحه وعلى جميع المستويات، كما قامت بأدوار لا تقل تواطؤا عن ذلك على المستويين العربي والإقليمي – فليس أقل من مقاطعة هذا النظام واعتزاله وتعريته هو و كل من يتعاونون معه منتفعين من بقائه جاثما فوق أرواح المصريين ، هذه دعوة فهل من مستجيب ؟ الأحد، 8 نوفمبر 2009
مؤتمر الكثرة المرتبكة
منذ أيام انفض مؤتمر الحزب الوطني وذهب كلٌ إلى حال سبيله ظانا أنه حقق ما أراد ، والحقيقة أنه لا توجد خيبة أمل واحدة لم تلحق بالمؤتمرين ، فما بين كلمات الافتتاح والختام ، والهجوم على المعارضة والإخوان وما بين محاولة الأب وقف عجلات الزمن والتحلي بروح الدعابة والحديث مجددا عن الصرف الصحي – كان المشروع القومي في فترة الولاية الأولى وربما لازال- وبين محاولات أمين التنظيم تلميع الابن بشدة حتى كادت الطبقة الخارجية تتآكل – تبدى بوضوح أن هناك حالة ارتباك تنتاب الجميع رغم توزيع الأدوار بمهارة بين الهجوم والدفاع والتمترس خلف شرعية البنى التحتية وإمكانية حل مشكلة القمامة في القاهرة والجيزة مع إرجاء بقية المحافظات إلى ما بعد مونديال جنوب إفريقيا ، وقد اتضح بما لا يدع مجال للشك أن الحزب الذي احترف أعضاؤه التصفيق بأنواعه منذ إنشائه ، اتخذ بعضهم الامتناع عنه تعبيرا عن عدم ترحيبهم بالانتقال الآمن للسلطة والذي يرونه لن يكون بحال آمنا بالنسبة لهم ، تزامن مع هذه الفعاليات المباركة جدل واسع حول دعوة الأستاذ هيكل إلى تشكيل مجلس أمناء ، ودعوة الإعلامي عماد أديب إلى استصدار قانون بعدم محاسبة الرئيس ،وكذلك الحديث عن ترشح الدكتور محمد البرادعي في انتخابات الرئاسة القادمة ، ولا شك أن هذا الجدل قد ألقى بظلال كثيفة على المؤتمر ، إذ تسرب إحساس عارم باليأس لدى الغالبية مفاده ، أن التقارير التي لا يمكن أن تقول غير الحقيقة ذكرت أن عملية التوريث لازالت من الخطورة بمكان ،وإنها وإن مرت فسوف تؤدي إلى كارثة ونهاية مؤسفة في غضون عامين على أقصى تقدير ، كذلك فإن كلام الإعلامي أديب – وهو مقرب من مؤسسة الرئاسة المصرية – لا يجب غض الطرف عنه ، لأنه ببساطة شديدة دعوة لتأمين خروج الرئيس مبارك وهذا أمر خطير لا يمكن أن يأتي به أيا من كان من عنده ، تزامن ذلك أيضا مع تنامي الدعوة للرقابة الدولية على انتخابات البرلمان العام القادم ، وكما يعلم الجميع أن النظام المصري يشارك من خلال بعض مؤسساته في الرقابة على الانتخابات في عدة دول وبالتالي فهو لا يملك الأسباب الموضوعية للرفض ، إلا إذا كان ينتوي تزوير الانتخابات – لا سمح الله – تلا ذلك ترحيب الدكتور البرادعي بالترشح لمنصب رئيس الجمهورية بشرط ضمان نزاهة الانتخابات مما يدعم الدعوة للمراقبة الدولية وخصوصا أن الدكتور البرادعي يحظى بدعم وتأييد الكثير من الدول ذات الثقل على الصعيد الدولي لما قام به من جهود في مكافحة انتشار الأسلحة النووية ناهيك عن حصوله على جائزة نوبل للسلام ، كل ذلك كان له أكبر الأثر في التأكيد على أن الظروف المحيطة بانتخابات الرئاسة في 2011 ستختلف تماما عنها في 2005 ، كما يمكن القول أن هناك حالة من عدم الاطمئنان تسيطر على كثير من رجال الأعمال والمرتبطين بالنظام ،دعت الرئيس إلى توجيه اللوم لبعضهم ممن يديرون محركات طائراتهم الخاصة ؛ ليكونوا على أهبة الاستعداد إذا حدث ما لا تحمد عقباه حسب أحد المصادر ،ومما يؤكد هذه الرؤية أن الحديث عن التعديلات الوزارية بدأ فور انتهاء فعاليات المؤتمر بإطلاق شائعات عن إبعاد بعض الوزراء الذين حظوا خلال الفترة السابقة بالرفض الشعبي التام وعلى رأسهم وزيري التعليم في محاولة يائسة لاسترضاء الشعب الذي يصر باستماتة على أن يكون خارج أوراق اللعبة السياسية ، هكذا يبدو النظام الذي احترف سد آفاق التغيير في حيرة من أمره دفعت البعض للحديث عن إيجاد بديل من داخل النظام فطرحت أسماء مثل علي الدين هلال ومحمد كمال للإبقاء على آمال الاستمرار بأي وسيلة كانت ، كما تجدر الإشارة إلى أن استعلاء وتبجح بعض قيادات الحزب مثل أحمد عز وهجومه الضاري وغير المبرر على قوى المعارضة المستأنسة كان بمثابة التمسك بأهداب الأمل في إعادة وحدة الصف داخل النظام والذي يبدو أنه تحول بالفعل إلى جزر منعزلة ، تتضارب مصالحها بشكل لا يخفى على أحد ، وترتكب من الحماقات ما لو اتفقت القوى المعارضة للنظام على تحقيقه لما استطاعوا ، لا أشك أن النظام يعيش أسوأ فتراته وأنه الآن في حالة تحلل ما تلبث أن تؤدي به إلى النهاية ، وأن وتيرة الأحداث قد تنبئ بانفراط عقد هذه الطغمة التي جثمت على أرواحنا قرابة العقود الثلاثة ، فالتغيير سنة كونية من جاهدها فهو أكبر الواهمين . الجمعة، 23 أكتوبر 2009
ثغرة التحول

الجمعة، 16 أكتوبر 2009
رؤى مسبقة

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009
لا شكر على واجب
إنك لا تورد فرسك نفس النهر مرتين، مثل قديم يضرب للدلالة على استمرار الحياة وجريان مياهها وتغير صروف الدهر على أهلها ، كل ذلك مما يدعم الأمل في النفوس ويزيح حجب اليأس القاتمة ، اللهم إلا هذه الأوثان التي تأبى بكل غطرسة واستعلاء إلا أن تحطمها فأس إبراهيم . من حق لجنة شئون الأحزاب ورئيسها العقيد صفوت الشريف ومن معه أن يرفضوا قيام حزب الوسط ، بل أقول أن هذا واجبهم الذي لا يستطيعون منه فكاكا ، من حقهم أن يحاولوا إيقاف عجلة الزمن ؛ أملا في أن يطول بهم الأمد جاثمين على أرواح المصريين إلى أبد الآبدين ، من حق هؤلاء وغيرهم أن يطفئوا أي نور يبزغ في حياة المصريين ؛ليستمر ظلامهم وظلمهم إلى أن يشاء الله ، والحقيقة أن اللجنة الموقرة التي أقرت رفض الحزب هي أدرى بالحياة السياسية المصرية ، وهي أكثر دراية بالأحزاب القائمة ؛ ولذلك فقد رأت اللجنة أن قرار الرفض هو الأنسب ، إذ أن وجود حزب حقيقي يملك الرؤية الواضحة ، وآليات التنفيذ المجدية والكوادر الفاعلة هو بمثابة السماح للحقيقة أن تظهر في عالم كامل من الأكاذيب والأوهام ، والحقيقة أن أسباب الرفض التي ساقتها اللجنة هي دليل اتهام وإدانة للقائمين عليها ،و إلا فلتذكر لنا اللجنة جوانب التميز التي رأتها في أكثر من عشرين حزبا تمت الموافقة عليها لا يسمع عنها أحد شيئا ولا وجود لها إلا في أوراق اللجنة وبعض الصحف التي لا يقرؤها أحد ، وإذا كان هذا الجهد يصعب على أعضاء اللجنة الموقرة كونهم جميعا ممن تخطوا السبعين ، فليذكروا لنا بعض جوانب التميز في برنامج الحزب الوطني الديمقراطي ،وأعتقد أن هذا لن يكون عسيرا ،فالسيد العقيد رئيس اللجنة هو نفسه ويا للمصادفة أمين عام الحزب الوطني ، وإذا كان وقته الثمين لا يسمح ،فعليه أن يرجع إلى تقارير المنظمات الدولية التي تشيد بالحزب وبرامجه وإنجازاته التي أحالت حياة المصريين إلى جحيم لا يطاق لتحتل مصر المركز 57 من بين 60 دولة في تقرير البؤس العالمي من حيث معدلات البؤس والشقاء والتخلف والفقر. فياله من تميز يحسد عليه الحزب ويغبط عليه رجاله الذين لا هم لهم سوى إسعاد المصريين ، ولكنهم للأسف لم يفلحوا في ذلك رغم تميز برنامجهم الحزبي وتوفر حسن النية إذ يشير تقرير الحالة النفسية إلى أن 20 مليون مصري مصابون بالاكتئاب. وينتحر منهم سنويا 1200 مواطن يعيش منهم 43.5 % في القاهرة الكبرى ، وبسبب تميز حزب السيد العقيد يعيش 45% من المصريين تحت خط الفقر ويحصلون على أقل من دولار في اليوم (لجنة الإنتاج الزراعي بمجلس الشورى). وطبعا كل هذا التميز وغيره لا يتوفر في برنامج حزب الوسط ، وهو لا يستطيع إن خرج إلى النور أن يحقق مثل هذه الإنجازات فكيف تقبله لجنة العقيد صفوت الشريف والذين معه ، أما عن تميز الحزب الوطني في مجال إهدار المال العام ،فلا تتحدث إذ أن الأمر كله لا يجلب الحرج فحسب ، بل يجلب الجنون أيضا ففي الفترة من أبريل 2008 إلى يناير 2009 بلغ حجم ما تم إهداره بسبب استشراء الفساد في الجهاز الإداري للدولة المصرية المتميزة ما مقداره 39 ملياراً و373 مليوناً و524 ألف جنيه(تقرير عام 2008 لمركز الدراسات الريفية). إن هذه اللجنة والمنتسبين لها والمنتفعين منها ومن لف لفهم يستحقون الشكر والتقدير على ما بذلوه من جهد للحيلولة دون ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية والحزبية في مصر ، والتي عانت الانسداد التام منذ ما يقرب من ثلاثين عاما ، وما كان مطلوبا منها أن تفعل غير ذلك ، إذ أنها تؤكد بذلك انتماءها لهذا النظام الذي دأب قرابة الثلاثة عقود على حرمان المصريين من حق الحياة نفسه ، فكيف نطلب منهم أن يعيدوا شيئا من الروح إلى الحياة السياسية ... أما عن ما ساقته اللجنة من تعارض أفكار الحزب مع أحكام الدستور والقانون فلن أزيد على أن النظام المصري ممثلا في حزب الحكومة وحكومة الحزب هو من أعاد صياغة الدستور ليوافق أفكار وأهواء ثلة من الطامحين والطامعين ومحتكري أرزاق الخلق ،أما عن أحكام القانون ، فالعقيد صفوت الشريف ولجنته الموقرة يعلمون جيدا عدد الأحكام القضائية النهائية التي ضربت بها سلطتهم التنفيذية عرض الحائط .. مما ينسف أسباب الرفض من أساسها .... لكن هذا هو جهدهم ،وهذه هي كفاءتهم ،فماذا ننتظر ؟ السبت، 15 أغسطس 2009
مصر التي أرادوا

الأحد، 9 أغسطس 2009
المتلاعبون بالقامات
أكدت دراسةٌ موثَّقةٌ قام بها باحثون في معهد بحوث الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية أنَّ 38% من المصريين يعانون من التقزُّم الغذائي ، وهو قصر القامة المرتبط بسوء التغذية ، معنى ذلك أنَّ المصريين في طريقهم ليكونوا شعبًا من الأقزام ، وتبعًا لنظرية المؤامرة التي نحب جميعًا أن نرجع إليها كافَّة الأحداث والظواهر والمصائب السوداء التي تحيق بحياتنا في هذا العهد السعيد ، فإنَّنا أمام مخططٍ خارجي - أو داخلي أصبح كلاهما سواء – يهدف إلى تقزيم الشعب المصري ،بعد أن تقزَّم دوره فعليًا في كافَّة مناحي الحياة تمهيدًا لإدخاله مُتْحَف التاريخ البيولوجي ؛ لتخلو مصر بعد ذلك للعمالقة من أمثال الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء – أطال الله قامته - والحقيقة أنَّ النَّظام المصري إذْ يسعى إلى ذلك سعيًا حثيثًا ، يكون قد دخل في مرحلةٍ حاسمةٍ ألا وهي إعادة الاتساق إلى شكل الحياة في مصر ،لتصبح القامة القصيرة للشعب هي السمة الغالبة ،بينما تصبح القامة المديدة من نصيب حكامه والمتحكمين فيه ، وبالطبع فإن هذا يكرس للمفهوم الذي روَّج له النِّظام كثيرًا على اعتبار أنَّ السعي للوصول إلى سدة الحكم هو تهمة يتهم الناس بها ويحاكمون بشأنها أمام المحاكم العسكرية ، إذ أنَّ هذا السعي هو في حقيقته حكرٌ على أصحاب القامات المديدة ، ولعلَّ من مميزات هذا الفرز الجيني ألا يَحَار رجال الأمن في معرفة هُوية الشخص محل الاشتباه ، وهل هو من عامَّة الشعب أم من السَّادة ؟ وما سيصاحب ذلك من إجراءات بسيطة تتلخص في فحص حذاء المشتبه به من حيث كونه كعب عالي أم لا ، ومن الطريف في الأمر أن تسوق الدراسة الجادة أسباب هذا التَّقَزُّم إلى اختفاء الرِّضاعة الطَّبيعية والوجبات المنزلية لطفل ما دون السادسة ، والاتجاه العام لدى أطفال المصريين لتناول الشيبسي والوجبات السريعة خارج المنزل ،مما يعكس إدانةً جديدةً لنمط الاستهلاك الغربي الذي أصبح سائدًا في المجتمع المصري ، وليس في وسعنا – طبقًا لنظرية المؤامرة أيضًا – أن نُخْلِي مسئولية النظام المصري من الترويج لثقافة الاستهلاك عبر وسائل إعلامه الرائدة في الترويج لكل ما هو غثٌ وبعيدٌ عن قيمنا وثوابتنا الثقافية والوطنية ، وليس من نافلة القول أن نؤكد على أنَّ هذا الاتجاه لدى النظام المصري ،ربما يكون من بواعثه الحدُّ من الزيادة السكانية ،إذ تؤكد الأبحاث الطبية أن قصار القامة أكثر عرضةٍ للإصابة بالأمراض ،ناهيك عن قصر أعمارهم بالمقارنة بأصحاب القامات المديدة ، وربما يكون من مميزات هذا الفرز الجديد أن يقضي على جميع أشكال التمييز التي تضرب بنية المجتمع المصري في مقتل ، وسيكون من ثماره اختفاء الطائفية والاستقطاب السياسي والأيدلوجي ، وفي ظل هذا كله يصبح الحديث عن التغيير أو الإصلاح السياسي أو تداول السلطة من قبيل العبث ، إذ ستنحصر الاختيارات في ثلة من المسئولين مديدي القامة ،حسني التغذية ، والذين سوف يولون البلاد والعباد الرعاية والعناية ،بوصفهم طيورَا محلقةً ترى الوطن من علٍ وتسبر أغوار خباياه بيسر وسهولة ، كما أن مواجهة الاحتجاجات الفئوية و الشعبية لن يكون من الصعوبة بمكان ، كما أن التأثير على الوعي الجمعي للشعب سيصير فاعلا ًبدرجةٍ كبيرةٍ ،إذ ستتلقاه الجموع تلقي الوحي المنزل ، إلى هذه الدرجة هم ناقمون على هذا الشعب ، إلى هذه الدرجة تؤلمهم نكاته ، ويغضبهم صبره وصموده ، ماذا سيصير الحال إذا بالغ الشعب القزم في غفلته ؟ هل سيرجعون عنه ؟ هل سيكفون عنه أيدي تدبيرهم و تآمرهم ؟ لا يمكن أن يحدث ذلك فلقد تبدت وجهة نظرهم واستبانت رؤيتهم ،إنَّ معركتهم غير المتكافئة مع شعب مصر هي صراع وجود ، يرون أنَّ بقائه يشكل عبئًا لا يمكن تحمُّله ، وأنَّ زيادة عدده كارثة لا توصف حسب تصريحات السيد جلفر الذي هو بحسابات التاريخ يعيش في بلاد العمالقة وبحسابات الواقع المأمول يعيش في بلاد الأقزام ، ولكن ورغم كل هذه التدابير ، إلا أنَّ أولي الأمر قد خفي عليهم أمورٌ كثيرةٌ ، ربما تحبط كيدهم ، منها أن الإنسان يزداد مكرا كلما اقترب من الأرض ، وأنه يصبح أكثر شراسة وعدوانية كلما كان خصمه أطول قامة وأكثر عدة وعتادا ، كما أن سبل الكر والفر تكون أيسر لذوي الأحجام الضئيلة ، كل هذه الظروف المناوئة تفجر لدى الإنسان طاقاته الكامنة ،وتزيد وعيه بالعالم من حوله ، فيصبح أكثر إيمانا بالحياة وأشد حرصا عليها ، وربما تكون بارقة الأمل الذي انتظرناه طويلا ،دعوة تخرج من مكان قصي يلتف حولها شعبنا العظيم : يا أقزام مصر : اتحدوا .